إعلان مصر استعدادها لمساندة السعودية وضع جماعة الحوثى أمام معادلة إستراتيجية تتجاوز حسابات التصعيد، التى اعتادت توظيفها لفرض الأمر الواقع وتوسيع نفوذها. فالموقف المصرى لم يقتصر على التضامن مع الرياض، بل يحمل رسالة واضحة بأن استهداف الدول العربية ومقدراتها قد يوسع دائرة المواجهة، ويضع الجماعة أمام أطراف لم تكن ترغب فى دخولها المباشر على خط الأزمة.
هذه التهديدات الاستفزازية تكشف مفارقة صارخة، فالجماعة التى تصعّد هجماتها على السعودية، وتستهدف منشآتها الحيوية ومرافقها، إنها عقلية الميليشيات التى تريد احتكار استخدام القوة، بينما تنكر على الدول حق حماية أراضيها ومقدراتها، والأخطر أن هذه الجماعة تتعامل مع التهديد باعتباره أداة لفرض الإرادة، متجاهلة أن الاعتداء على دولة لا يمنح المعتدى حصانة من ردود الفعل، وأن توسيع نطاق الهجمات قد يفتح جبهات خارج توقعاته.
غير أن ما يفضح طبيعة موقف ميليشيا الحوثى حقا هو المقارنة بين رد فعل الجماعة وموقف القيادة اليمنية، إذ رحب رئيس مجلس القيادة الرئاسى اليمنى، رشاد العليمى، بتضامن القاهرة مع الرياض، مشيدا بالدعم المصرى السعودى للشعب اليمنى فى استعادة مؤسسات دولته، باعتباره ركيزة لأمن المنطقة واستقرارها.
ويحمل هذا الترحيب دلالة مهمة، إذ يضع التحرك المصرى فى إطار أوسع من المواجهة مع الحوثيين، يرتبط بحق اليمنيين فى استعادة دولتهم وإنهاء هيمنة جماعة مسلحة اختطفت القرار الوطنى ودفعت البلاد إلى صراع ممتد.
فالقضية ليست مواجهة بين أطراف عسكرية فحسب، بل صراع على الدولة نفسها: هل تكون مؤسساتها صاحبة القرار، أم تبقى رهينة جماعة تفرض خياراتها بقوة السلاح؟
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التدخل الدفاعى والعمل الهجومي؛ فإذا اقتضت الظروف تدخلا مصريا، بناء على طلب سعودى وفى إطار دستورى، فإن غايته حماية المملكة من الاعتداءات، لا شن حرب على اليمن، والفارق جوهرى بين دولة تتحرك لمساندة دولة تتعرض للهجمات، وجماعة تستخدم القوة لفرض إرادتها وتوسيع نطاق الصراع، كما أن الاستعداد للدفاع لا يعنى قرارا تلقائيا بإرسال قوات، ولا يمثل إعلانا لحرب مفتوحة، بل يضع الاعتداءات أمام احتمال رد لا تستطيع الجماعة تحديد حجمه أو توقيته.
لقد كشفت التهديدات الحوثية أن الجماعة تريد إبقاء التصعيد فى حدود تخدم أهدافها، لكنها لا تريد تحمل تبعاته حين تتسع دائرة الأطراف الرافضة له، وهذه هى معضلة الإرهاب: يبدأ بفرض الأمر الواقع، ثم يحاول تحويل التهديد إلى حاجز يمنع الآخرين من مواجهته، غير أن أمن الدول لا يخضع لإملاءات الميليشيات، وحق الشعوب فى استعادة مؤسساتها لا يسقط أمام السلاح.
إن الاختبار الحقيقى هو أن تتحول المواقف العربية إلى قدرة على ردع الاعتداءات عن أرضها ودعم الدولة اليمنية، مع إبقاء أبواب الحل السياسى مفتوحة، ومصر لا تبحث عن حرب، لكنها لا تقبل أن يصبح ضبط النفس ذريعة لاستباحة أمن الأشقاء، أو أن تتحول تهديدات جماعة مسلحة إلى قواعد تحكم القرار العربى.