لم يكن ثوسيديدس يتنبأ بالمستقبل حين كتب عن الحرب بين أثينا وإسبرطة، لكنه التقط مبكرا واحدة من أخطر قواعد الصراع بين القوى الكبرى: ماذا يحدث عندما تصعد قوة جديدة إلى جوار قوة اعتادت أن تكون صاحبة اليد العليا؟ الخطر، فى تفسيره، لا يأتى من رغبة مسبقة فى الصراع، إنما من الخوف الذى يزرعه صعود طرف فى الطرف الآخر، حتى يصبح التنافس نفسه طريقا إلى الصدام.
ربما لا يوجد وقت أكثر ملاءمة لاستعادة هذا السؤال من اللحظة الراهنة، فالعالم اليوم لا يعيش حربا واحدة، بل عدة حروب تتقاطع عند نقطة واحدة: تراجع قدرة النظام الدولى على احتواء الصراع، وصعود قوى لا تريد أن تقبل بالقواعد القديمة كما هى.
ففى غزة، لم تنته الحرب، ولا تزال ترتيبات الحكم والأمن وإعادة الإعمار موضع نزاع، بينما تحذر الأمم المتحدة من استمرار الضربات وقيود الوصول الإنسانى، ومن أن الطريق إلى التعافى طويل وشديد التعقيد.
وفى أوكرانيا، تدخل الحرب عامها الخامس من دون تسوية، بينما تتزايد الخسائر المدنية وتتعقد حسابات الأمن الأوروبى، وفى الحالتين تبدو الأمم المتحدة حاضرة فى توثيق الكارثة والدعوة إلى الحل، لكنها لا تملك وحدها مفاتيح الحل.
أما الحرب مع إيران، فقد كشفت المسألة بصورة أكثر حدة، فالمواجهة الحالية بدأت بالضربات الأمريكية والإسرائيلية، ثم بدأ الرد الإيرانى، واتسعت دائرة المواجهة، وحين تحركت جهود وقف الحرب، لم يكن مجلس الأمن هو الطرف الذى يمسك بخيط التفاوض، بل كانت الاتصالات المباشرة والوساطات الإقليمية والقوة الأمريكية هى التى ترسم حدود الممكن.
هذه ليست ملاحظة على أداء المنظمة الدولية بقدر ما هى علامة على تغير طريقة إدارة الأزمات الكبرى.
فمنذ 1945، تغير العالم بصورة لا تشبه ما كان عليه عند إنشاء الأمم المتحدة، صعدت الصين إلى مصاف القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى، واستعادت روسيا قدرة عسكرية تجعلها لاعبا لا يمكن تجاوزه، وبرزت الهند وقوى إقليمية أخرى، فيما أصبحت التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد جزءا من معادلة القوة، أما البنية السياسية التى تحكم مجلس الأمن، فما زالت فى جوهرها ابنة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن المفارقة، أن واشنطن نفسها تواجه وضعا مختلفا، تستطيع الولايات المتحدة التأثير فى مسارات الحروب والتسويات أكثر من أى قوة أخرى، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة ترتيب العالم كما كان فى لحظات التفرد الأمريكى.
وفى المقابل، لا تبدو بكين فى عجلة من أمرها لوراثة الدور الأمريكى بكل أعبائه، إنما تعمل على توسيع نفوذها وبناء مساحة أكبر للحركة، اقتصاديا وتكنولوجيا وإستراتيجيا.
وهنا يصبح «فخ ثوسيديدس» سؤالا سياسيا لا نبوءة تاريخية، هل تستطيع قوة قائمة وأخرى صاعدة إدارة التنافس بينهما من دون أن يتحول الأمر إلى سباق احتواء ثم إلى مواجهة؟ الإجابة ليست محسومة، والأخطر أن الاختبار لا يجرى بينهما فقط، فروسيا تعيد رسم حساباتها، وأوروبا تبحث عن مساحة أمنية أكثر استقلالا، والهند توسع خياراتها، ودول الشرق الأوسط تناور بين مراكز قوة متعددة.
وهنا تتضح المفارقة التى تستحق التوقف: الأمم المتحدة لم تفقد مكانتها بوصفها عنوانا للشرعية الدولية، لكنها لم تعد المكان الوحيد الذى تصنع فيه التسويات، وربما ليس المكان الأكثر تأثيرا عندما يتعلق الأمر بالحروب الكبرى.
فبين أثينا وإسبرطة كان الصراع على موقع القوة، أما اليوم، فالصراع أكثر تعقيدا: من يضع القواعد، ومن يملك القدرة على فرضها، ومن يستطيع تعديلها؟ وبينما تتشكل الإجابات فى واشنطن وبكين وموسكو وعواصم أخرى، يبقى العالم أمام الاختبار الأصعب: إثبات أن انتقال موازين القوة يمكن أن يكون عملية تفاوضية طويلة ومعقدة، لا صراعا على من يرث العالم!