ثلاثة آلاف عام تفصلنا عن «الأوديسة»، وتبدو حكاية هوميروس اليوم وكأنها كتبت عن عالمنا. أوديسيوس يغادر وطنه إلى الحرب، ينتصر في طروادة، ثم يبدأ رحلة عودة أطول من الحرب نفسها؛ عشر سنوات من التيه والمخاطر والعواصف، قبل أن يصل إلى إيثاكا، وبين المغادرة والعودة يتغير حتى الرجل نفسه. لهذا ربما لم تكن «الأوديسة» حكاية بطل ينتصر في الحرب بقدر ما كانت حكاية إنسان، يحاول أن يستعيد حياته بعد أن تترك الحرب آثارها في روحه.
هنا تكمن أهمية ظهور الملحمة في فيلم كريستوفر نولان “The Odyssey”، الذي عرض رسمياً في 17 يوليو 2026، كأضخم مشروعات المخرج البريطاني الحائز على الأوسكار. يلعب مات ديمون دور أوديسيوس، إلى جانب توم هولاند وزيندايا وروبرت باتينسون وآن هاثاواي وشارليز ثيرون ولوبيتا نيونجو، وبلغت ميزانيته نحو 250 مليون دولار، وصوره نولان بالكامل بكاميرات IMAX، واعتمد على مواقع التصوير الحقيقية، وتجاوزت إيراداته مليار دولار، لتصل وفقًا لأحدث الأرقام إلى نحو 1.104 مليار دولار.
لكن ضخامة الإنتاج ونجومية أبطاله لا تفسران هذا الاهتمام؛ فما فعله نولان بالحكاية أهم من نقلها إلى الصورة، إذ يعيد النظر في أوديسيوس وينقله من البطولة التقليدية إلى منطقة الضمير. فالرجل الذي خرج من طروادة منتصرًا لا يعود مجرد محارب يريد الوصول إلى وطنه، إنما إنسان يلاحقه ما فعلته به الحرب، كأن طروادة لا تحترق خلفه، بل تظل مشتعلة في داخله.
وحصان طروادة يثير سؤالاً أخلاقيًا عن الخديعة والثقة وثمن الانتصار؛ فحين تحترق مدينة العدو، لا يعود المشهد احتفالاً بالنصر، بل تذكيرًا بأن الحرب التي تمنح المنتصر مجدًا مؤقتًا تترك وراءها خرابًا، فيصبح السؤال: كيف انتصرنا، وماذا فعل بنا هذا الانتصار؟
لعل هذا السؤال يجعل “الأوديسة” ابنة عصرنا بامتياز؛ فنحن نعيش في عالم تبدو فيه طروادة حاضرة في أكثر من مكان: في غزة، حيث تحولت أحياء إلى ركام، واقتلع مئات الآلاف من بيوتهم، وأصبحت العودة إلى المنزل حلمًا، وفي الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث أصبحت الصواريخ تهديدًا لشعوب تخشى مواجهة أوسع تحمل مزيدًا من القتل والدمار. في كل هذه المشاهد يبدو أوديسيوس أقل شبهاً بالبطل الأسطوري، وأكثر شبهاً بالإنسان الذي نراه في نشرات الأخبار: رجل يغادر بيته، وعائلة بأكملها تعبر الحدود ولا تعرف إن كانت ستعود، ونازح يحتفظ بمفتاح منزل ربما لم يعد قائمًا. هؤلاء يخوضون “أوديسيات” معاصرة، لا بحثاً عن المجد، إنما عن أبسط ما يطلبه إنسان.
وهذا هو سر الفن الكبير: أنه يتطور ليكشف للناس في عصر ما شيئًا من أنفسهم. «الأوديسة» قُرئت عبر القرون قصة عن المغامرة، ثم عن الأسرة والوفاء، ثم عن البحث عن الذات، وتحولت إلى رموز في الأدب والمسرح، واليوم يأتي نولان ليقرأها من زاوية أخرى: ماذا يحدث للإنسان بعد الحرب؟
هذه الزاوية تتجاوز الاستعراض السينمائي؛ فالسينما تستطيع تقديم معارك مذهلة، لكنها تصبح أهم حين ترفض تحويل الحرب إلى عرض للبطولة. فأفضل ما فعله نولان أنه أعادنا إلى مركز الملحمة: لا يهم فقط كيف انتصر أوديسيوس، إنما ماذا خسر وهو ينتصر!
لقد تغيرت الأسلحة منذ عصر هوميروس، وتبدلت الإمبراطوريات، وتطورت التكنولوجيا حتى أصبح القتل والدمار ممكنين عن بعد وبضغطة زر، لكن الإنسان نفسه لم يتغير كثيرًا. لذلك فإن الذين يشاهدون “الأوديسة” لا يهربون إلى الماضي، إنما يعودون إليه كي يفهموا الحاضر، فيروا في رحلة أوديسيوس شيئًا من رحلات ملايين البشر الذين دفعتهم الحروب إلى البحر والحدود والمخيمات، وفي إيثاكا رمزًا لكل وطن فقده صاحبه أو يخشى فقدانه.
السياسة تتحدث عن المصالح، والجيوش عن الأهداف، والخرائط عن خطوط التماس، لكن الفن يعيد إلى المشهد الإنسان الذي تختصره لغة الحرب في رقم. لهذا فإن أفضل ما يمكن أن يفعله الفن في زمن الحروب ليس أن يجعلنا ننسى المأساة، إنما أن يمنعنا من الاعتياد عليها، وأن يجعل الحرب عارية أمامنا: موتاً ودماراً ومنفى وندماً، عندها فقط يهزم الفن الحرب، لا في ساحتها، إنما في الوعي والضمير.