على امتداد القرن العشرين، ارتبطت خرائط النفوذ العالمى بالنفط، فمن أجله تشكلت تحالفات، واندلعت حروب، وأعيد رسم حدود النفوذ فى أكثر من منطقة.
لكن اليوم يقف العالم أمام تحول لا يقل أهمية؛ إذ لم يعد النفط وحده محور الصراع، بل ظهر لاعب جديد هو الغاز الطبيعى المسال، الذى تحول فى سنوات قليلة من سلعة تجارية إلى أداة جيوسياسية تستخدم لإعادة توزيع موازين القوة بين الدول.
الفرق بين النفط والغاز لم يعد فى القيمة الاقتصادية، إنما فى طبيعة السوق، فالغاز ظل لعقود أسير خطوط الأنابيب، وهو ما جعل الدول المنتجة والمستهلكة ترتبط بعلاقات يصعب تغييرها، لكن تطور تقنيات الإسالة والنقل البحرى وإعادة التغويز منح الغاز حرية الحركة، فصار قادرا على الوصول إلى أى سوق فى العالم، وأصبح التنافس يدور على الموانئ، ومحطات الإسالة، وناقلات الغاز، والممرات البحرية، تماما كما كان يدور سابقا على آبار النفط وخطوط الإمداد.
هذه المعادلة الجديدة ولدت مع الثورة الأمريكية فى إنتاج النفط والغاز الصخريين، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تستعد لزيادة وارداتها من الغاز، تحولت خلال سنوات قليلة إلى أحد أكبر المنتجين والمصدرين فى العالم، ولم يعد التحدى توفير الإمدادات، بل إيجاد أسواق تستوعب الفائض، ومن هنا بدأ الغاز المسال يدخل صلب السياسة الخارجية الأمريكية، باعتباره أداة اقتصادية واستراتيجية فى آن واحد.
كانت أوروبا الساحة الأولى لهذا الصراع، فالولايات المتحدة رأت أن تقليص اعتماد القارة على الغاز الروسى لا يحقق فقط مكاسب اقتصادية، بل يحد أيضا من النفوذ السياسى لموسكو، وفى المقابل، أدركت روسيا أن الدفاع عن حصتها فى السوق الأوروبية لم يعد مسألة تجارية، إنما قضية أمن قومى، فلجأت إلى تخفيض الأسعار، وإبرام عقود طويلة الأجل، وتسريع مشروعات خطوط الأنابيب، وفى مقدمتها «نورد ستريم 2»، قبل أن يتحول المشروع نفسه إلى ساحة مواجهة سياسية وعقوبات متبادلة.
لم تكتف موسكو بالدفاع عن حصتها فى السوق الأوروبية، فمع اتساع العقوبات الغربية، بدأت تنظر إلى الغاز المسال باعتباره بوابتها إلى أسواق العالم، حتى لا تبقى رهينة للأنابيب أو لسوق واحدة، ولهذا استثمرت بقوة فى مشروعات الإسالة، التى أصبحت هدفا مباشرا للعقوبات الأمريكية والغربية، وهنا تكشف طبيعة الصراع الجديدة؛ فالمواجهة لم تعد تستهدف الإنتاج وحده، إنما القدرة على الوصول إلى الأسواق.
فى الوقت نفسه، اتخذت الحرب أشكالا أكثر تعقيدا، فالعقوبات، والتأمين البحرى، والرسوم الجمركية، واتفاقيات التجارة، أصبحت جميعها أدوات تستخدم لتعزيز موقع طرف وإضعاف آخر، بل إن شراء الغاز الأمريكى دخل فى بعض الأحيان ضمن ترتيبات اقتصادية أوسع، ليتحول إلى ورقة تفاوض لا تقل أهمية عن التعريفات الجمركية أو الاتفاقات التجارية.
جاءت الحرب على إيران لتمنح هذا الصراع بعدا أكثر وضوحا، فالتوتر العسكرى فى الخليج، وما صاحبه من اضطرابات فى مضيق هرمز، مثل اختبارا حقيقيا لسوق الغاز العالمية.
من هنا لم يعد السؤال يقتصر على من يسيطر على المضيق، بل من يستفيد من تعطله، وهى زاوية تكشف أن حروب الغاز لا تدار دائما داخل حقول الإنتاج، إنما أحيانا فى الممرات البحرية التى تنقل الشحنات إلى العالم.