ليست كل الانتخابات متساوية فى أثرها، بعضها يغير حكومة، وبعضها يعيد ترتيب موازين الداخل، وبعضها يأتى فى لحظة، يصبح فيها صندوق الاقتراع جزءا من معركة أوسع على مستقبل الإقليم، وهذا ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية فى 27 أكتوبر المقبل، والانتخابات النصفية الأمريكية فى 3 نوفمبر، حدثين يتجاوزان السياسة الداخلية إلى ملفات الحرب فى الشرق الأوسط.
فى إسرائيل، لا تبدو المعركة مجرد منافسة بين بنيامين نتنياهو وخصومه، وإنما اختبار لقدرة اليمين الذى حكم البلاد طويلا على الاحتفاظ بالسلطة بعد سنوات من الحرب، ويواجه نتنياهو هذه المرة منافسين ذوى ثقل أمنى وسياسي، بينهم غادى آيزنكوت ونفتالى بينيت ويائير لابيد وأفيجدور ليبرمان، فيما لا يزال تركيب المشهد الانتخابى مفتوحا على احتمالات متعددة بحكم النظام النسبى الذى يجعل تشكيل الحكومة رهنا بالائتلافات لا بنتيجة حزب واحد، وتشير استطلاعات حديثة إلى أن معسكر نتنياهو، يواجه صعوبة فى بلوغ عتبة الـ61 مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة منفردا.
لكن الخطأ هو افتراض أن تعثر نتنياهو انتخابيا، يعنى بالضرورة تراجعا فى السياسة الإسرائيلية، فالمجتمع الإسرائيلى نفسه تغير تحت ضغط الحرب، والخلاف الداخلى لم يعد دائما حول الحرب من حيث المبدأ، وإنما حول أهدافها وحدودها ومن يدير نتائجها.
لذلك يصعب توقع انعطافة إسرائيلية كبرى قبل الانتخابات، نتنياهو لا يملك مصلحة فى تقديم تنازل، يمنح خصومه مادة انتخابية، كما أن أية حكومة مقبلة ستجد أمامها مجتمعا أكثر تشددا، وملفات مفتوحة من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران أيضا.
ومن هنا تأتى أهمية الصوت العربى داخل إسرائيل، فالعرب يشكلون نحو خمس السكان، لكن وزنهم السياسى لا يساوى وزنهم الديموغرافى، بسبب ضعف المشاركة والانقسام، وفى نظام انتخابى يقوم على الائتلافات، تستطيع كتلة عربية موحدة أن تمتلك تأثيرا يتجاوز عدد مقاعدها.
أما الولايات المتحدة، فالمعادلة مختلفة، الانتخابات النصفية ستحدد موازين القوى فى مجلسى النواب والشيوخ، ولا تمثل استفتاء مباشرا على السياسة الخارجية، لكنها تستطيع تقليص هامش حركة الرئيس إذا فقد حزبه الأغلبية، وهنا لا تكمن أهميتها فى أنها ستوقف الحرب تلقائيا، وإنما فى أنها قد ترفع كلفتها السياسية والقانونية والمالية على الإدارة.
والأهم أن التحول داخل الولايات المتحدة سبق صناديق الاقتراع، فقد بدأت الرواية الإسرائيلية التقليدية، تفقد قدرتها على احتكار النقاش داخل قطاعات من المجتمع والنخب الأمريكية، وكان انتخاب ممدانى عمدة لنيويورك فى 2025 علامة لافتة على هذا التحول، ليس لأنه مسلم فحسب، وإنما لأن خطابه السياسى استطاع اختراق بيئة انتخابية شديدة التعقيد، فى واحدة من أكثر المدن تأثيرا فى السياسة والاقتصاد والإعلام الأمريكي.
لا يعنى ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت معادية لإسرائيل، أو أن التحالف بين البلدين يوشك على الانهيار، لكنه يعنى أن إسرائيل لم تعد تتمتع بالإجماع السياسى والأخلاقى نفسه، الذى تمتعت به داخل قطاعات واسعة من النخبة الأمريكية لعقود.
وهنا يجب الحذر من المبالغة، الانتخابات، لا تصنع التحولات الكبرى، وإنما تكشف أحيانا تحولات، كانت تتشكل تحت السطح، إسرائيل قد تشهد صراعا على نتنياهو من دون أن تشهد تراجعا موازيا فى التشدد الأمني، والولايات المتحدة قد تشهد تغيرا فى المزاج العام، من دون أن تتخلى عن مصالحها الإستراتيجية الراسخة.
لذلك فإن الرهان لا ينبغى أن يكون على سقوط نتنياهو أو تغير أغلبية الكونجرس، الرهان الحقيقى هو فى القدرة على التعامل مع أى تحول، فالفرص السياسية لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة وأوراق ضغط وموقف إقليمى قادر على التحرك.
قد تغير الانتخابات بعض اللاعبين، لكنها لن تغير قواعد اللعبة، والسؤال الذى ينبغى أن يشغلنا ليس من سيفوز فى إسرائيل أو واشنطن، وإنما: هل نملك القدرة على استثمار ما ستمنحه النتائج من فرص؟