قال الروائي الجزائري واسيني الأعرج إن "حرية الإبداع هي الأساس بالنسبة لأي كاتب أو فنان أو مبدع، لأنه لا يمكن أن تنتج نصًا أو تنجز عملًا إبداعيًا وأنت لست حرًا".
موضوعات مقترحة
وأضاف الأعرج، في حديث لـ"بوابة الأهرام" على هامش مشاركته بفعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب بدورته الخامسة والثلاثين: والحرية ليست فقط في الحرية التي قد تضمنها الدساتير شكليًا، وإنما الحرية هي الإحساس من الداخل أن الإنسان يستطيع أن يكتب دون تخوف، فالحرية عبارة عن نضال يومي، وأؤمن أن الكاتب هو من يصنع حريته ومساحته من الكتابة، ولا ينتظر من السلطات أن تمنحها له، صحيح أنه ينشئها بصعوبة وبثمن غالٍ، ولكن الأمر يعود له وليس للسلطات.
وأضاف: الحرية تراكم تاريخي ليست وليدة لحظة، ولكنها متولدة عن سلسلة من الأزمنة، وأستاذي في الجهد المبذول لتوسيع مساحة الحرية ابن رشد؛ فحينما أنظر للجهد الذي بذله ابن رشد، والصراع الذي كون به الكلمة الحرة حتى إنه دفع تقريبًا حياته ثمنًا لذلك، وأيضًا أجد نفسي في الحلاج الذي أعدم على بوابة بغداد. أشعر في مقاومة الحلاج أن يكون حرًا، حتى وإن اختلفت في الأفكار، لكن الجهد في أن يعبر عن أفكاره بحرية. وأجد نفسي في ابن المقفع الذي مزق بسبب أنه قال شيئًا بالنسبة للطاغية لا يجب أن يقال، وأجد نفسي في الفنان التشيلي فيكتور جارا الذي قطعت أصابعه لأنه يعزف على الجيتار ويغني للحرية، هذه القياسات أنتمي لها إنسانيًا ليس فقط لأني عربي، لكن عندما أكتب أو أبدع فأنا في داخل تلك المنظومة.
ويتابع: وما زلنا في صراع كسب مساحة الحرية طالما هناك مثقف واحد يقتل أو يسجن أو تنزع من حريته بسبب أفكاره، مازلنا بعيدين حتى عن الإنسان المفترض،لأن الإنسان المفترض هو الذي يجادل ويحاور، ولو أسأت يفصل القضاء ولي حق الدفاع ولكن لا يجب أن ينطق القضاء بما تريده أنت، أنا أنتمي أيضًا ثقافيًا لطه حسين، فعندما كتب في الشعر الجاهلي، وأعاد النظر في المصوغات الثقافية العربية القديمة، وبدأ يبحث عن منظورات جديدة، واختار المنطق الديكارتي "لا أومن بالأشياء إلا إذا كان عقلي يقتنع بها أيضًا"، حاكموه واقتص القضاء لطه حسين.
ويستطرد: فحينما يفكر فكر مثله واقبل بالبدائل، قضاؤنا للأسف تبع الديكتاتورية، والقضاء يجب أن يكون عادلًا، لذا أفترض أنه حينما أرتكب خطأ أقف أمام القاضي وأدافع عن نفسي دون أن تأخذني وتضعني في زنزانة وتنساني كما حدث في الكثير من التجارب العربية، وهذا أمر صعب.
وأوضح واسيني الأعرج حول سؤاله عن ارتباط المرأة بالجنس في بعض النصوص الروائية: المسألة أكبر من كونها مسألة جنسية، وأنا أحارب فكرة أن تتحول المرأة لمجرد حاجة جنسية، والجنس هو أيضًا من حرية الشخص في جسده، ولكن حتى عندما تطرح مثلًا في بعض النصوص فوجود المرأة أولًا كيان أساسي، ورواية "نساء كازانوفا" رواية تدور كلها حول المرأة والعلاقة الإنسانية معها، المسألة ليست جنسية ولكنها مُعضلة ثقافية وإنسانية وحضارية.
وحول ضرورة أن ترسخ الرواية لقيم ومعتقدات أم يكفي المتعة الأدبية قال الأعرج: إن الحالتين لا تتناقضان مع بعضهما البعض، فقد يقرأ الإنسان ليستمتع، فالقصة إذا لم تمتعني قد لا أنهيها، فهي مسألة مهمة وأساسية، وداخل المتعة تنشأ القيم، ربما تقنعني شخصية أو وجهة نظر أشعر أنها تتحدث عني، فالنصوص العظيمة هي التي تدخلنا في مسارها وتشعرنا بأن شيئًا منا موجود داخل هذه الرواية، ليس شرطًا أن يكون حرفيًا ولكن شيئًا إنسانيًا، لذلك الرواية ليست أمرًا سهلًا، بل أمر معقد ومهم جدًا للكاتب والقارئ الذي يعد أساسيًا ويمثل الفاعلية.
وعن عالم الرواية ووسائل التواصل ودخول بعض ممن لا يملكون الأدوات الكافية لذلك قال الأعرج: إن هذا الأمر مرتبط بدمقرطة وسائل التواصل الاجتماعي، دمقرطة تلك الوسائل لا يمكن مراقبتها فمن حق الناس التعبير عن آرائهم، لكن الظاهرة الأدبية ليست بسيطة، فبعضهم يكتب نصًا قد يكون نصًا لطيفًا لكنه لا يشكل رواية، ويبني عليه ببعض اللايكات والتعليقات التي تمدح، وتلك الأشياء عادة لا تصنع أدبًا بل تصنع علاقات بين الناس، لكن الأدب حالة روائية ومسئولية، والقارئ هو الذي يفصل لأنك لا تمنع الناس من الكتابة، لكن على النقد ألا يظل منفصلًا، وأن يأخذ المسألة بعين الاعتبار، ليست مهمة الكاتب ولا الشاب الذي يريد التعبير ويظن حاله أنه أصبح روائيًا فجأة، ونعيش زمن الرواية كما يقول د. جابر عصفور، اتركوه يقول وللقارئ والناقد دورهم وكلمتهم، والشاب الذي يضع هذا اللايك قد يكون قارئًا، ولكن أحيانًا أتفاجأ من بعض اللايكات حين أضع نصًا يحتاج مثلًا 5 أو 10 دقائق وبمجرد وضعه يكون هناك لايكات، فكيف وضع هذا اللايك؟ معنى هذا أنه لم يقرأ، لذلك لا يسعدني هذا اللايك لأنني بعد 10 دقائق أفترض أنه قرأ النص وهذا ما يسعدني.
وحول النقد وكيف يتقبله يقول الأعرج: حين يكون الشخص شابًا صغيرًا رد فعله قد يكون سريعًا وقد لا يقبل ولكن يتغير هذا مع الزمن، هناك آراء تختلف، وآراء تحسد، وآراء تصفي حسابات، وآراء نقدية بالنقاش والتوضيح، ويجب التفريق بين تلك العينات المختلفة.
وحول سؤاله عن متى نطلق على العمل الروائي أنه عمل متكامل أو من يستحق لقب الروائي، أكد الأعرج أنه "لايجب أولًا أن يقول على نفسه ذلك مثلما يحدث اليوم ويأتي أحدهم ليوقع بالروائي فلان، أو الأكاديمي فلان، انظر للكبار مثل جمال الغيطاني، توفيق الحكيم، طه حسين الذي كتب "الأيام"، لم يكن يكتب طه حسين الروائي فلان، هذه ظواهر، والرواية الجيدة هي الرواية التي تقنعني وتساعدني على فهم عصري والزمن لأنني جزء من العالم المعقد، عندما أقرأه تفككه لي من خلال تجربة إنسانية بسيطة أو موضوعات معقدة".
وأضاف أن التجربة المصرية "كبيرة روائيًا ويقف على رأسها أبو الجميع نجيب محفوظ بثلاثيته وأعمال أخرى أثرت في وفي جيل بكامله، وهناك تأثيرات عالمية، نفتخر بالآباء العرب، وهناك آباء عالميون، وهناك نصوص دون آباء مثل "ألف ليلة وليلة".
وختم حديث قائلًا إنه يذهب إلى مصر دائمًا على الأقل 4 مرات في السنة، و"مهما كانت الظروف والخيبات العربية التي نعانيها لكن تظل مصر منارة ثقافية بهذا الكم من الكتاب المصريين الذي أثروا في الأجيال العربية بكاملها، وتظل مصر مرجعًا أساسيًا بجانبها السياسي والثقافي، وكبرت بطفولتي على جمال عبدالناصر، وما زلت متسقًا مع هذا المثل الأعلى حتى إن لم يكون موجودًا "فالأمل إذا غاب علينا أن نخلقه من جديد".