رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هدية المليز

محمد رفيع
«لقد أتخذت قرارا أريدكم جميعأ ان تعينونى عليه......» ورذاذ فى طرف من العين يلمع، والأحداق تأبى أن تتركه يتكون، تشده برجع من الروح فى الصدر ، فأنفاس ما قبل البكاء كالمد والجزر، والدموع كالأمواج يتطاير رذاذها على الخد.

« لقد قررت ان أتنحى تماما ونهائيا عن أى منصب رسمى و أى دور سياسى وأن أعود الى صفوف الجماهير» غاص الخطاب فى رئتى كما السكين ، وأحسست أن أحدا سحب الهواء من حولي، كنت مكسورا كإناء انسكبت منه الروح ، راهنت نفسى أن الدمعة لن تسقط على الخد الصعيدى ولن تكبر أكثر من انبلاجة تطلع وتخفت فى بئر العينين السحيق، شمس سيناء الحارقة كانت أهون على من تلك الدميعة التى تحرق الروح، مشيت ومشيت كى ألتقى وجهك و أشكو لك من هلاك الحروب من غدر الأعداء، مشيت وسط الدخان والحرائق وأنّات الجنود ، وكأننى أمشى فى وادى من وديان جهنم، الشفاه العطشى مغروسة فى الرمال والسواعد المقطوعة متناثرة، أردت أن أحكى لك عن ضابط قطعت قدميه ورأيته يجدف بذراعيه فوق الرمال، اقتربت منه وحملته على كتفى ودمه ينقط من ثنايا الشاش على ظهري، وكلما مشيت به مسافة لا أدريها أضعه على الارض ، وألف الشاش على الجرح جيدا ، وجدت ساعتها قطعة من لحم رجله تدلت وتلوثت بالرمال والبارود تدلت خارجة من رباط الشاش، فألمها إلى ما تبقى من لحم الفخذ واربطها جيدا ، ثم أرفعه على كتفى ونمشى ، كان يغنى يا سيدى «يا أهلا بالمعارك» وأنا أفكر أنه سيقضى العمر يجدف بساعديه على أرضية العمر، لكنى أعترف لك وانكسارى وانكسارك واحد، أننى لما هدّنى التعب وشح الماء ، لم أستطع السير أكثر من ذلك ونمت على الارض وظل الذى بلا ساقين يحرسنى وأنا نائم ، وعندما استيقظت وجدته يقدم لى مصحفا ويضعه على عينى ويستحلفنى أن أتركه فى تلك الصحراء ، قال: لى «إن عودته أو عدمها لن تفيد فلن يستطيع أن يقدم شيئا للوطن بعدما فقد رجليه أما أنا فلابد أن أعود إلى الديار لأتزود وأرجع إلى هذه الارض، وأن رفاته حتما ستنتظرنى وتقبل كعب قدمى وانا أدوس هذه الارض مرة ثانية».


أتعرف يا سيدى الشفاة المتشققة العطشى منذ أيام عندما تبتل بملح الدمع الغزير، إنه طعم لا ينسى يا سيدى وسيظل فى شفتى حتى أقابل وجه الكريم، طلب منى بعد ذلك أن أقطع له تلك القطعة التى تدلت من لحم فخذه فانها تجرجر فى الارض كلما اهترأ الرباط وتلوث وستؤلمه قال لى ونظرته ثابتة فى تحد واصرار: «عايز أخش على حضرة النبى ثابت ما يهزنى ألم ولا وجع «، قطعت قطعة من قماش كمى بالخنجر ووضعتها بين أسنانه فككت الشاش حتى تدلت قطعة اللحم هذه، فنظرت إليه فشجّعنى وقال «شد حيلك يا عبد الجواد اللى لقانى قبلك كوى جروحى بالنار ولفها بالشاش ويمكن اللى يلاقينى بعدك يوصلنى لحد القناة أو يعديني» ، قال: ذلك ووضع القماش بين أسنانه واستسلم لى وللخنجر فى يدي، أغمض عينيه وانتظر و تركنى لذلك الجحيم من الأسئلة، كيف ستعمل خنجرك فى لحم أخيك يا عبدالجواد؟، لو كنت أنت لا تلين سيلين الحديد المسنون، من سيقطع الاخر اللحم الطاهر أم خنجرك الغادر؟، قل لى يا عبد الجواد هل يقو بأس الحديد على ذلك؟


وضعت السن على لحم أخى وقطعت قطعت، تخيلت ساعتها أن الله فى عليائه أشار للملائكة أن يكفوا رفيف الأجنحة وينظروا ماذا أفعل أنا العبد الضعيف، ربطت الجرح بالشاش ولم أنظر اليه وضعت قطعة اللحم فى جيبي، خفت عليه ان يأكلها اذا جاع، ومشيت عنه بضعة خطوات ثم سقطت على الارض فاقدا الوعى ولما أفقت وجدته يجدف بذراعيه رافعا جزعه إلى أعلى ومكملا الطريق، رأيت جبال سيناء فى فسحة ما بين جزعه المرفوع و الأرض من تحته، رأيت وجه الايمان يتجلى فى تلك الفسحة، فقمت على قدمى وعدوت، عدوت نحوك لأشكو لك قسوة الهجير قسوة نصل يمشى فى لحم هو لحمي، وصلت إلى شط القناة فرميت نفسى بها وكأننى التقيت أمى ، كان الماء باردا فى الليل، عمت الى ضفتك ، وعندما وصلت لم أجد لحم أخى فى جيبى فبكيت وبكيت وسألت الله أن يرفعنى اليه ، لكن ذلك اليوم لم يكن أقسى على لو سالت تلك الدمعة على الخد الصعيدي، فالحمد لله انها لم تسل، والا أحرقت قلوبنا جميعا ولا سبيل لمسحها بكل أصابع البشر.


خرج الناس رافضين الرحيل ، رافضين ان ينال الأعداء منك.


بعد شهور مرت ومرارة فى حلقى لاتختفى وشفتى تذكر طعم الدمع ممزوجا بالرمل فى شقوقها استدعيت إلى مكتب القائد، فقال الرئيس يود أن يرسل هدية للأعداء فى أول ذكرى للنكسة و أنا اخترتك مع ستة من زملائك لتوصلوا هديته ، لن أقول لك يا سيدى انى كدت أطير من الفرح لأننى طرت فعلا، ظهر لقلبى جناحان حلق بهما فى فضاء جسدى ، انا سأحمل هدية الرئيس للأعداء سألت القائد بكل حروف الاستفهام، متى؟ كيف؟ من؟ هل؟ لكنه أجاب بجواب واحد أن على أن أتدرب وأتدرب.


فى الصباح عرفت باقى الزملاء أحمد ياسين ، ومحمود الشرقاوي، وعبيد النوبى ورفقاء الصاعقة الذين حملوا القلوب على كتفهم، أسود الصحراء الذين يأكلون اللون الأصفر أكلا ، جبال النار التى تفترس لحم الدبابات ، وتنظر للطائرات فى السماء على أنها ذباب يزن يجب سحقه.


فى التدريب النفسى اجتمعنا مع ضابط من الشئون المعنوية يحدثنا عن هدية الرئيس للأعداء بعد أن عاد وقرر إعادة بناء الجيش لكن الصاعقة لن تنتظر أسود الصاعقة يحققون انتصاراتهم والعدو فى عز زهوته بانتصاره الخبيث، فجأة قام أحد الأفراد الذين لا نعرفهم وقال :كيف يبنى الجيش ثانية بعد مسرحية التنحى التى خدع بها الشعب ، التفتنا اليه جميعا كما لو كان هبط من السماء وبدى لنا غريبا ، وكاد البعض يفتك به ، غير أن القائد رد بهدوء : تقصد ان التنحى كان معدا له وان الناس التى خرجت من تلقاء نفسها كانت تمثل دورا مرسوما لها.


قال: الجندى الغريب : تمام يا فندم.


قام القائد من مجلسه وتقدم نحو الغريب وقال له : لو أن كلامك صحيح فهذا انتصار عظيم ، وستكون هذه هى أكبر وأذكى عملية شحن معنوى حدثت فى التاريخ، ثم سأله: تعرف شيئا عن مسيرة الملح؟


فأجاب: مسيرة غاندى التى أقنع بها الناس السير حتى البحر.


قال: :تعرف شيئا عن أخناتون؟


فأجاب من وحد الديانات فى دين واحد.


قال: :كيف تظن ان الناس يفعلون ذلك؟ كيف تقنع الآلاف ليتبعوك من أجل حفنة ملح ؟، كيف تلغى كل الالهة وتجعلهم إلها واحدا ويصدقك الناس؟ ، كيف تلهم الناس ان يغيروا من معتقداتهم؟، هل تستطيع ان تقنع زملاءك هؤلاء ان يمشوا معك مئات الأميال لتجلب لهم حفنة ملح؟ مال عليه وقال : حفنة ملح وليس تاجا ذهبيا، أو كنزا مخفيا، هل تعلم كم استغرق غاندى فى ذلك؟ ثلاث سنوات واخناتون، سبعة عشرة سنة، فما بالك بالذى استطاع عمل ذلك فى ليلة واحدة، كيف لك ان تستبدل 25 مليون قلب جريح بقلوب مليئة بالتحدى والأمل ، فى بضع ساعات ، ماذا تفعل لو أعطيتك مكرفونا و ملايين القلوب الجرحى؟ وقلت لك فى ساعة واحدة عليك ان تبنى العزائم وتداوى الجروح ، أن توحد الرايات. يا بنى حتى ان كان ذلك معدا – وهو ليس كذلك - فهو نصر عظيم.


ثم التفت لنا القائد وقال كيف حالكم؟ هتفنا كلنا اصرار ورغبة فى القتال ، قال: زميلكم هذا من الشؤون المعنوية والحوار الذى دار معد سلفا؟ هل تصدقون؟ نظرنا إلى بعضنا البعض ثم قلت انا: لا يهم ان كان ذلك صحيحا أم لا المهم ما وصلنا اليه. قال: هذا هو الدرس الذى أردتكم ان تفهموه لا تلتفت إلى من يحاول تفتيت العزم فيك كن نفسك كن ما تؤمن به ، وان كنت تريد ان تعرف ما الذى حدث فى تلك الليلة فاسأل أمك وأبيك وناس قريتكم ما الذى أباتهم فى الشوارع؟ من سحب الدموع من مآقيهم؟ كيف تحول حزنهم فى ساعة واحدة لعزيمة لا تفتر؟


ثم قال: : جدى الله يرحمه كان يقول لنا يمكن ان تأخذ البقرة إلى الترعة ولكن لايمكن ان تجعلها تشرب. يمكن ان نخرج الناس من بيوتها ولكن كيف نجعلها تبكي.


سرت كلمات القائد فى العروق كالسحر، تحول الدم فى الشرايين إلى بارود، وانتفخت وجوهنا واحمرت من صهد الإصرار.


مرت أيام التدريب الأولى ونحن نأكل الصعاب نطوى المسافات مشيا وكأن الأرض صارت كموسى الحلاقة يطوى بالصابع.


وفى اليوم الموعود تحركنا فى السادسة مساء، ركبنا قاربا صغيرا انزلنا على الضفة الغربية للقناة، وبدأنا المشى إلى الهدف، خطوات تلوها خطوات فى مسيرة الثأر، هواء سيناء ملئ بالاصوات والانات المكتومة والصرخات . الليل شاشة سوداء ترى عليها شريط حياتك ، المدرسة الثانوية ، توزيعك على سلاح الحرس الجمهورى ، اخفاؤك على والدتك انك طلبت نقلك لسلاح الصاعقة، بنت الجيران التى تنشر القلب على حبال الشمس، صحن الفول بالزيت وفحل البصل الاخضر ، الضحكات على العشاء عندما يقلد أباك أحدا من الجيران فتبين أسنانه الصفراء ، الشاى فوق الصينية ورأس أمك طالعة من البخار وانت جالس على الارض ترى وجهها فى نور اللمبة الجاز يطلع من الظلام إلى النور ، شاشة الليل أوسع من شاشة الاحلام ، والمشى صديقنا فى الليل وعند طلوع الشمس نحفر حفرا برميلية نرقد فيها ونتغطى بالشبك المموه ، حتى تغرب الشمس.


فى اليوم الاول اخرجت مصحفى و تحديت نفسى ان أقرأ القرآن كله قبل غروب الشمس ، و ظللت أقرأ بصوت خفيض حتى وصلت إلى قصار السور قبل المغرب ، وعندما غربت شمس اليوم الاول صعدنا أعلى الحفرة، ونظرنا لبعضنا البعض كالذئاب التى تلتمع عيونها فى الظلام، خرجنا من الحفر وتعانقنا وكأننا لم نلتق منذ فترة وبدأنا المسير، قالت البوصلة والعداد اننا مشينا فى اليوم الاول سبعة وعشرين كيلومترا، قائد المجموعة كان يقرأ النجوم وعدادان منا كانا يعدان الخطوات، يضعان الحصى فى الجيب وكلما مشينا مائة خطوة نتقل الحصى للجيب الاخر، وعند منتصف الليل جلسنا نأكل لقيمات قليلة لا تجعل الانسان منا فى حاجة للغائط، وشربة مياه من غطاء الزمزمية ، ونبدأ المسير فتنفرد شاشة الليل أمامك سوداء كشعر من تحب كالاسفلت الذى يعود بك للبيت كالعسل من البلاص ، كهباب الفرن المتصاعد ، فيصالحك الليل على اللون الكئيب الذى كرهته فى ملابس الحداد حين مات أخوك الاكبر ، و فى الغراب الناعق فوق الساقية ، لكن هذا الاسود يختلف هذا الاسود مشرق يخبئ وراءه حلاوة النصر هذا الاسود الشفاف يكاد غدا يبين من تحت ردائه، يا شمس لا تشرقى كى تسير القدم أقرب وأقرب الى الهدف، يا شمس طلَعت على الحقول هناك وملأت خضّار الأرض نورا هلا استّبد بك النوم قليلا، لكن ملائكة الصبح ايقظوها، فعدنا نحفر فى الارض حفرا بطول الواحد فينا ونسقط فيها ونغطى الحفرة بشباك كلون الصحراء ، لنجلس فى صمت النهار ننتظر الليل، فى هذا النهار حاولت أن أتذكر ذنوبى ذنبا ذنبا واستغفر الله عن كل ذنب على حد، غصت فى طفولتى عاما دراسيا تلو العام، تمحصت أكثر وأكثر فيما اقترفت يداي، نظرت إلى حياتى بنظارة معظمة كالتى فى يد القائد، يوم سرقت كوز الذرة ، ويوم نظرت على الجارة وهى تستحم ويوم كذبت على أمى وقلت لها اننى أرى الرئيس فى الحرس الجمهورى كى تطمئن ولا تصدق ما نقلوه لها عن دخولى إلى الصاعقة ، تذكرت ان إماما قال: استغفرت ثلاثين سنة عن قولى مرة الحمد لله ولما سألوه : كيف ذلك ، قال: سمعت ان حريقا نشب ببغداد فهرولت عائدا اليها فقابلنى رجل وقال قد نجا حانوتك فقلت «الحمد لله « فحمدت الله ان لم يصبنى الضر دون الناس وان حانوتى لم يحترق دونا عن حوانيت الناس.


يا شمس لا تغربى قبل ان اتذكر كل ما اقترفت يداي، لكنها غربت وبدأنا المسير مرة أخرى إلى مطار المليز هناك سنقدم هدية الرئيس وعلينا ان نصل قبل فجر الخامس من يونيو ، وعلى الاعداء ان يستيقظوا فى ذلك اليوم على انفجار طائراتهم الجديدة و يستقبلون يومهم بموت حراس المطار ، والمطار يبعد تسعين كيلو مترا فى الصحراء ، لكننا سنأتيكم مشيا، سننبت من الارض نارا.


أربعة ايام مرت قرأت القرآن كله فى أولها، واستغفرت فى نهارها الثانى، وحفظت خمسة اجزاء من القرآن فى ثالثها، وتركت رابعها للنوم الذى لم أهنأ به فى نهار الايام الاولى الا ساعات قليلة، ولما جاءت الليلة الرابعة كنا على بعد أربعة عشر ميلا من المليز ، هرولنا فى المشى لكن قائدنا نهانا عن ذلك فليس علينا ان نصل قبل الرابعة وليس علينا أن نهدر الطاقة داخلنا، وعلينا ان ندخل أرض المطار بعيدا عن أى الغام، يجب ان ندور حول المطار نصف دائرة لكى ندخل من نقطة قليلة الحراسة تدخل منها سيارات المؤن.


بدا المطار قريبا والانوار تتلألأ من بعيد، والانوار البعيدة فى الظلام تنتفض فى ايقاع سريع وكأنها ترقص، وعلينا ان نجعل تلك الرقصة هى الاخيرة، علمت من القائد ان عرب البادية سبقونا الليلة السابقة وقصوا فتحات فى السلك الشائك ليوفروا علينا الوقت الطويل الذى يستغرقه ذلك، وعندما وصلنا إلى تلك النقطة لم نجد الفتحات التى سنعبر منها، هرول قائد المجموعة فى محازات السلك الكثيف بلا جدوى ، لا أثر لتلك الفتحات و ليس لدينا مقص الاسلاك الشائكة فلو كنا حملنا المقصات فوق الامتعة البالغ ثقلها أربعين كيلوجراما، لكانت أعاقتنا بحجمها الكبير ، فماذا نفعل والهدف على بعد أمتار؟


أمرنا القائد ان نحفر تحت الاسلاك ونعبر من تحتها ففعلنا، استغرق ذلك وقتا طويلا ولم يعد لدينا وقت لنلتف حول المطار فمشينا على مدرج الاقلاع، فهذا مكان آمن من الالغام لكن حراسته شديدة، بدى ما نفعله هو انتحار حقيقي، سنمشى على المدرج كالاشباح فى الليل وسندخل بيت الطائرات.


فى تلك الساعة التى قبل الفجر يهدأ كل شئ؛ الساهر ينام، والمريض يستكين، والحراس ترتخى اياديهم وتزوغ أعينهم ، أخرجنا الخناجر وطعنا الحراس وكممنا أفواههم فماتوا بلا صراخ ، نفس الخنجر الذى قطعت به لحم أخى فى الصحراء ، يدخل الآن فى أحشاء من قطعوا رجليه هناك، مالك يا نصل الخنجر تفتك سريعا وكنت يومها لينا فى يدى تذوب و تصدأ فى الثانية التى وضعتك على اللحم الشريف، عب الان من دماء جعلتك تفعل ، قطّع أحشاء من جعلوا رجلا شرب شايك، وفلح أرضك، وأكل فولك يمشى على زراعيه كقارب تائه فى المحيط والذراعان مجدافان، أما زلت تذكر خوذته التى أحاطت بذلك الرأس الأبي؟ تلك الخوذة التى حوت اسمه وصورة طفلته الباسمة ، ورأس ابيك الطاهرة لآخذ لك ثأره يا ابنتى.


وصلنا لهنجر الطائرات رأينا ستة أشباح تقف فى الظلام، هل زرت عش الرخ من قبل؟ هل رأيته نائما مغمض العينين؟ هل تحسست بيدك منقاره البغيض الذى أكل عمر أخوانك؟ أنتِ التى حلقت فوق رؤوسنا بجسدك الناعم كالحية، وبمنقارك الغاشم كالغراب، ها انت ترقدين فى قاع السكينة وبعد دقائق سيحترق ريشك الذى فردتيه كالطاووس، لا تستحقين حزن ألمَّ بصعيدى من بنى مرة، لا تستحقين الا خليطا من ال»تى ان تى» ومفجرا وسلكا يطول خمسة أمتار لتموتين، اسمعى جيدا عندما يسقط ضى الشعلة التى تشعل الفتيل الطويل ويسقط ضوؤه على جسمك المصقول وزجاجك اللامع ستبدو تلك الشعلة الاتية على مهل وكأنها دمعة فى زجاجك تقترب وتكبر ولن تسحبها مآقيك ستقترب وتقترب، هذه دمعة تأكلك كما أكلت الدموع أكباد الامهات المتشحات وقبل ان تصل اليك سأهرول نحو بلادى نحو القائد الاعلى لأقول له أوصلت هديتك بيدى وأقول لرجل سار على يديه فى الصحراء «حلق عاليا».


ركضنا مبتعدين متحررين من الاثقال وعند السلك الشائك وجدنا العرب يقصون الاسلاك بعد ان تأخروا علينا يوما كاملا، لم نعاتبهم بل مرقنا من الاسلاك وعدونا وكان هدفنا ان نبتعد عشرة كيلومترات قبل ان تصل الشعلة للمفجر، ونحفر الحفر البرميلية ونسقط انفسنا فيها ، وعندما سمعنا الانفجارات خلفنا، سجدنا على الارض ثم بدأنا نحفر ونحفر حتى عمقنا الحفر ونزلنا فيها، مكثنا يومين على حالنا لانبرح اماكنا لا ليلا ولا نهارا وفى اليومين لم أتذكر اى شئ كان عقلى فارغا تماما كصفحة بيضاء لا يفكر و لا يحلم ، نمت طويلا وأستيقظت مفزوعا وفى كل مرة أحاول ان اتذكر هل نفذنا العملية ام اننا مازلنا فى الطريق اليها ، فى اليوم الثالث خرجنا من بطن الارض كأموات أحياهم المسيح مغبرين مسودة وجوهنا لكن فى قلوبنا شمس تضئ الروح، وبدأ المشى ثانيا كان الامل يمشى امامنا وخطانا متحررة بلا أثقال الشّدة ولا أثقال القلب وعندما وصلنا إلى شاطئ القناة رأينا اللون الازرق لأول مرة منذ خمسة أيام ، فلم تر العيون غير أصفر الرمال وأسود الليل، تقدم الجميع إلى القارب وبعضهم ألقى نفسه فى الماء أما انا فالتفت للخلف نظرت للجبال البعيدة هل تذكرين ايتها الجبال عندما رأيتك من زاوية ضيقة وفسحة رفع بها ذلك الرجل جسده وهو يمشى كالعنكبوت على الارض وبينما انا انظر للمدى وجدت على مسافة منى خوذة ملقاة على الرمال ، داخلها صورة صغيرة ،داخلنى يقينا انها له، فجريت نحوها والزملاء يصيحون: ارجع ارجع وعندما وصلت إلى الخوذة رأيت طائرة عمودية تقترب وتفتح نيرانها على، تقلبت على الرمال و اختبأت خلف تلة صغيرة، الطيار حلق حولى والرصاص يغوص فى الرمال وأنا أراوغ وأزحف واقفز والزملاء فتحوا النيران عليه لكنه أصر على اقتناصى، أصاب أحمد ياسين الملاح فى رأسه فلم يعد امام الطيار الا ان يستخدم صاروخا، صاروخا كاملا لى وحدى وعندما وضعنى فى مرمى النيران ادركت ان لا محالة فوقفت منتصبا، استقبل قدري، بللت شفتى بالشهادتين ونظرت للطيار فى عينيه، ثانية لم تمر وسقطت على الارض والغبار حولى فعلها الجبان وقذف الصاروخ على رجل مفرد وفر هاربا ، للحظة لم أدر أحى أنا أم سافرت الى هناك، لكن الالم بدأ يأتى كشلال دافق وعندما كفت الارض عن الدوران واستعاد عقلى وجوده رأيت العالم بعين واحدة وأدركت انى لم أمت بل ذهبت قدماى وذراعى اليمنى وعينى ، ظهر زملائى وحملونى على اعناقهم ورأيت أحمد ياسين يلملم ساقى وذراعى وكأنهم سيعيدون لصقهما مرة اخرى، خلع القائد سترته ووضعونى فيها و رفعونى منها كأنها نقالة لان الدماء كانت تسيل من كل مكان وانا جسد بلا أطراف غير ذراعى اليسرى يتعذر حملى فمن اين يمسكون بجسدى الغبى الذى لم يعبرمن بوابة الجنة، وضع ابن ياسين ساقاى معى فى سترة القائد حتى ان انفى كانت تحتك بركبتى او من كانت كذلك، فى القارب فقدت الوعى أو مت ولم استيقظ الا فى المستشفى، وسط زملائى وعند الظهيرة وجدت المستشفى يعج بالحركة حملونى على كرسى متحرك إلى بهو واسع وضعت فيه مائدة عظيمة وعلى المائدة ما لذ وطاب فى البداية توقف عقلى ثانية وتهيأ لى انى فى الجنة فالحور العين حولى فى ثياب بيضاء لا سوء فيها وزملائى ربما صعدوا معى والاكل والشرب فوق تخيلى ، جلسنا انا وهم فى أدب وعقلى مشوش لا أفهم حتى رأيتهم يقفون «تماما» من حديد، فرفعت رأسى حتى رأيت الصعيدى الطويل و مهابته التى تظله، اقترب منى وسلم على يدى اليسرى وقال: حمد الله على السلامة يا عبد الجواد سلمت الهدية ؟ قلت: سلمتها يا فندم ، قال لى :الله يسلمك يا بطل ، حكى قائد المجموعة له كل شئ حدث وكان يسمع و القادة الكبار حول الرئيس يسمعون كل التفاصيل حتى سمعته يقول انهم دفنوا ذراعى وساقى فى مقابر الشهداء فاندهشت فلم أكن أعلم، قلت لنفسي: على الاقل جزء منى فى الجنة.


نظر إلى الصعيدى بنظرته الثابتة وقال: عايز حاجة يا عبد الجواد؟


قلت له: طلبين يا فندم قال: أطلب يا بطل.


قلت: أزور رفاتى فى مقابر الشهداء، وأعود للجبهة، أتذكر تلك الدمعة الابية التى قلت لك عنها سالت فى أباء هذه المرة لكنه قال : طول ما لدينا هذه الروح لن ننهزم أبدا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    Meke
    2015/03/20 13:09
    0-
    0+

    رائع
    من افضل ما قرأت على الاطلاق.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق