رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

خادم السيد

زكـى سـالم
يبدو أننى كبرت فعلا، ولعلى قد بلغت من العمر أرذله، إلا أننى مازلت مصرا على أن أسعى، بقدر طاقتى، وأعمل بجد كل ما يجب على عمله لخدمة سيدى العظيم، صاحب هذا البيت الكبير،

 وصاحب الفضل على، فهو الذى يأوينى فى بيته منذ وعيت على هذه الدنيا الفانية. إذ بدأت أشعر، فى الفترة الأخيرة، أن الأمور تختلط على، بعض الشىء، فأشياء أراها فى المنام فى ساعات الليل، وحين استيقظ، فى الصباح، أظن أنها حدثت بالفعل فى الواقع، وأشياء أخرى، حدثت أمام عينى، وأنا مستيقظ، أتصور، أحيانا، أنها ربما تكون قد حدثت فى حـلم أمس، أو أمـس الأول! إذ إن الوحـدة التى أعيش فيها، تدعو أى إنسان منا إلى الحديث بصوت عال مع نفسه، كما أنها تثير بداخلنا كوامن الحيرة أحيانا، والاضطراب فى التفكير أحيانا أخرى، ثم قد تصل بنا إلى مرحلة الشـك فى أمور كثيرة، وما أدراك ما الـشـك ؟! إذ يمكنه أن يطيح بك إلى أقصى اليمين، ثم إلى أقصى اليسار، ولعله يلقى بك، بعد كل هذا التخبط، فى هاوية لا قرار لها ! لكنى أواصل السعى، كل يوم، بدأب وصبر وتفان، فمع شروق الشمس، أنهض لتفقد الحديقة الخلفية للبيت، فأسقى النباتات وأهذبها، وأنظف الحديقة وأنسقها، لتبقى دائما جميلة فى عينى سيدى، إذا فكر، يوما، أن يجلس على كرسيه الوثير، أمام طاولته المفضلة، فى شمس حديقته الغناء. ثم أدخل إلى الدور الأرضى لأنظفه وأرتبه، وأغسل السلم وأمسحه جيدا، ثم أصعد إلى الدور العلوى، لأنظف كل شىء بدقة، وأرتبه بنظام، وخاصة “جزامة سيدى”، حيث ألمع كل أحذيته الأنيقة، فأنا لا أعرف أى منها قد يستخدمه اليوم. وأعود إلى الدور الأرضى مسرعا؛ لأجهز الفطور والقهوة المضبوطة لسيدى، ثم أصعد، مرة أخرى، لأضع صينية الطعام على عربة الشاى أمام الباب المغلق لحجرته. فهذه هى الحجرة الوحيدة، التى لا يُسمح لى بدخولها أبـدا، إلا إذا استدعانى سيدى، ولكنى لا أتذكر، الآن، متى دخلتها آخر مرة ؟! بل لعلى، لم أدخلها قط ! فأنا، حاليا، لم أعد أتذكر، هل سبق لى أن دخلت حجرة سيدى ؟! طيب، إذا كنت قد دخلتها من قـبل، فماذا يوجد بها بالضبط ؟ بالتأكيد بها سريره الكبير، لكنى لا أتذكر شكله، ولا أتذكر أيا من الأثاث الموجود فى هذه الحجرة المهيبة، إذ لو أنه قد استدعانى يوما إلى حجرته، فبالتأكيد لن أتركه، وأنظر إلى الأشياء من حوله. لقد لاحظت فى الأيام الماضية، أو فى الأسابيع الأخيرة، أو فى شهور الشتاء هذه، لا أدرى الوقت بالضبط، المهم أننى بدأت أنتبه إلى أن المائدة التى أعدها لسيدى، تبقى تقريبا كما هى، فى البداية تصورت أننى لا أستطيع أن أجزم هل ذاق منها شيئا أم لا ؟ لكن مع مرور الأيام أصبحت، تقريبا، أكل كل ما أعده لمائدة سيدى، بل وأشرب قهوته بعد أن تبرد! ومع حيرتى، وترددى، واضطرابى، أخذت أفكر فى الاستئذان فى دخول حجرة سيدى، ليطمئن قلبى، وفى لحظة شجاعة نادرة، أو تهور أحمق، طرقت الباب، فلم يرد، فانتظرت طويلا، ثم طرقته، مرة أخرى، فلم أسمع أى رد، فأدركت أننى قد تجاوزت حدودى، وعدت مضطربا إلى حجرتى الصغيرة أسفل السلم. وبعد يوم، أو يومين، دفعنى اضطرابى إلى معاودة الطرق على باب حجرة سيدى، ولما لم أسمع أى رد، قررت، فجأة، وفى لحظة جنون، أن أفتح الباب، وليكن ما يكون، ففتحته بفزع، وألقيت نظرة سريعة، فلم أجد أحدا، فملأنى الخوف والرعب، فأغلقت الباب بسرعة، وعدت أجرى إلى حجرتى، ودخلت سريرى، وتدثرت بالبطاطين، وأنا أرتجف من الخوف والحيرة والاضطراب والقلق. هذا البيت العتيق، كان يعج بكثير من الناس، على مدى سنوات طويلة جدا، إذ جرت بداخله أحداث كثيرة، ومواقف جد مؤثرة، وقد كنت شاهدا على بعضها، وسيدى كان دائما موجودا، يأمر فيطيعه جميع من فى البيت، ومن خارجه. وأنا، طوال عمرى، أسعى بخشـوع بين يديه، وأنفذ بدقة كل تعليماته وأوامره، فماذا حدث بعد ذلك ؟! ولماذا لا أرى أحدا الآن ؟! أين ذهب كل من كانوا هنا ؟! وهل هذه الصور القديمة، التى تتحرك أمامى، سواء فى ذهنى، أو فى مخيلتى، كانت حقائق، فعلا، فى يوم من الأيام، أم أنها مجرد أضغاث أحلام ؟! ها هو الجنون يقودنى إلى دخول حجرة سيدى، سعيا إليه، فإذا بى أفاجأ بأن حجرته خالية تماما، فبدأت أجرى كالمجنون بين حجرات البيت كله، أبحث عنه، فى كل مكان، ثم بدأت أبحث عن أى شىء يدل على وجوده! لا أثر له على الإطلاق، فأين ذهب ؟! وهل، حقا، كان موجودا هنا، فى سالف الأيام ؟! لم أعد أدرى أين الحقيقة ؟! ولا أين الخيال ؟! لكنى متأكد، الآن، أنه ليس موجودا فى هذا البيت العتيق، فأين أجده إذن ؟! وما معنى حياتى بدونه ؟! لقد قضيت عمرى كله، فى خدمة سيدى، ولا أعرف ماذا أصنع لو لم يكن موجودا إلى جوارى ؟! لقد فقد الوجود كله معناه، فى لحظة واحدة، ولم أعد أقوى على مجرد الحركة، فساقى لم تعد تقويان على حملى! وها أنا منطرحا فوق سريرى، متدثرا بالأغطية الثقيلة، بلا حول ولا قوة، فقط أتأمل كل ما حدث، وأفكر فى مصيرى، وأترقب الوصول إلى نقطة النهاية، لعلى أُدرك سـر هذه اللعبة المرهقة للغاية.


رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق