رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأشهُـرُ الحُـرُم.. أمـنٌ وسـلام

عمرو جمال
الأشهُـرُ الحُـرُم

  • د. القصبى: شُرعت لتحقيق السعادة على مدى العام
  • د. العوارى: يُستحب فيها الإكثار من الطاعات والخير

 

رغم أننا نعيش عصر المدنية الحديثة والتطور العلمى، فإن كل ذلك لم يمنع وقوع الاقتتال بين الدول وبعضها بل وبين أبناء البلد الواحد. وما أشبه اليوم بالبارحة إذ يشهد العالم فى الفترة الحالية حروبا وصراعات تمتد آثارها إلى شتى بقاع الأرض، وذلك مثلما عانت البشرية قديما ويلات الحروب لسنوات طويلة، لهذا شرع الله، عز وجل، شهورا للهدنة، ووقف القتال، أُطلق عليها «الأشهر الحُرُم»، كى ينعم الناس فيها بالأمن والأمان، ويمارسوا حياتهم فى سكينة وسلام، وفق تأكيد علماء الدين.

الدكتور حسن القصبى، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، يرى أن المتأمل فى الأشهر الحرم الأربعة، وهى: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، يجد من اسمها أنها ينبغى أن تُحترم، لهذا فقد حرم الله فيها الإيذاء، ونهى عن الظلم، فقال تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ» (التوبة:36). ويوضح أن معنى (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) أى لا تأتوا فيها بإثم فتتضاعف عليكم العقوبة. لأن حرمة الزمان مُعتبرة كحرمة المكان، فمن يأتى بظلم أو بمعصية فى البلد الحرام تتضاعف عقوبتها، وكذلك تغلظ الآثام فى الأشهر الحرم. ويشير إلى أنهم كانوا قديما فى زمن الإغارة والاقتتال يريدون أن يعيشوا فترات آمنين على أنفسهم وأولادهم وأعراضهم، فكانت هذه الأشهر الحرم مُعتبرة حتى فى زمن الجاهلية، ورغم أننا نعيش اليوم زمن المدنية الحديثة لكننا نرى كثيرين لا يلتفتون إلى هذه الحرمات فى هذه الأشهر المباركة.

الدماء مصونة

وينصح من يتجرأون على حرمة هذه الأشهر، بأن يلتزموا بشرع الله عز وجل الذى خلق الكون ونظمه لكى يسعد فيه الإنسان، ولم يميز الله فى حرمة النفس والدماء بين فئة وأخرى ولا بين عقيدة وأخرى، فكل الدماء محفوظة ومصونة عنده سبحانه، فالنفس أعظم مخلوقات الله عز وجل، لذلك أخبر فى كتابه الكريم: «أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» (المائدة:32)، ولم يحدد فى الآية نوع هذه النفس ولا ديانتها، لذلك يجب أن نلتفت إلى هذه الأحكام الشرعية التى تحفظ الكون، وتسعد الإنسان فى الدنيا والآخرة. ويتايع أن الأشهر الحرم الثلاثة (ذى القعدة وذى الحجة والمحرم) جاءت متتالية ثم جاء شهر «رجب» منفصلا بعدها بأشهرعدة، لكى ينعم فيه الكون بأكبر قدر من الأمن والأمان الذى أعطاه الله للناس خلال الأشهر الثلاثة الأولى، وبذلك يتحقق الأمن طوال العام.

أزمنة مفضلة

ويرى الدكتور عبدالشافى الشيخ، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، أن من سنن الله التى لا تتبدل ولا تتغير سنة التمايز أو التفاضل، فقد فضل الأزمان بعضها على بعض، وهناك فضل خاص وآخر عام، فالفضل الخاص هو الذى وهبه الله لشهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، أما الفضل العام فقد وهبه الله لأربعة أشهر فى العام هى الأشهر الحرم، وهذه الهبة ليست مستحدثة، وإنما هى منذ يوم خلق الله السماوات والأرض. ويضيف أن كلمة التحريم فى الشرع تعنى أن الإنسان قد دخل فى دائرة جديدة من التكاليف، فحُرمت عليه أشياء كانت مباحة، وهذه ليست حرمة تعنتية وإنما حرمة تنظيمية، ففلسفة التحريم فى الإسلام نوع من التربية والتهذيب للنفوس، وليست تعنتا ولا تكلفا. ويشير إلى أن الحروب كانت قديما تنشب لأتفه الأسباب، وتستمر لسنوات طويلة كحرب «داحس والغبراء» التى استمرت أربعين عاما، وكانوا يلتزمون بوقف القتال فى الأشهر الحرم، فكان الرجل يرى قاتل أبيه ولا يتعرض له بسوء احتراما لهذه الأشهر، لكن لما انتشرت الجاهلية فى الجزيرة العربية توانى الناس فى تطبيق هذه الأشهر الحرم، فجاء الإسلام وأعاد تنظيمها كما كانت عليه عند بدء الخليقة.

هدنة من المعاصى

ويتابع الدكتور عبدالشافى حديثه: قد يرى البعض أن بعض آيات القرآن الكريم لا مجال لها اليوم للتطبيق، ومن بينها آيات القتال فى الأشهر الحرم، بعد أن جعلت العولمة من العالم بيتا واحدا، والحقيقة أن آيات القرآن ليست مصمتة بدون فائدة، وليست للتعبد بها فقط، فقد نهت عن الظلم عامة، وهو ليس مقصورا على القتال وحده، فمن يعصى الله فقد ظلم نفسه، فهذه الأشهر دعوة عامة لكى يتخلى الإنسان عن معصية الخالق، وهدنة للإنسان كى يعود إلى الله، فهى بمثابة محطات لإعادة شحن الإيمان للنفس الإنسانية التى تصدأ بكثرة المعاصى.

الدكتور عبدالفتاح العوارى، العميد السابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، يوضح أن القرآن الكريم حين تحدث عن هذه الأشهر الحرم، نهى أن يظلم العباد فيها بعضهم بعضا، فمعنى (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) أى لا يقع منكم ظلم على غيركم، فأنزل القرآن الغير منزلة النفس، فمن ظلم غيره فقد ظلم نفسه. فعلى كل مسلم أن يتحرى الحق والعدل والخير فلا يقع منه ظلم فى هذه الأشهر المحرمة، فلا يظلم نفسه، ولا يظلم من يعول من زوجة وأولاد، ومن أصول وفروع، ولا يظلم من هو مسئول عنهم. ويوضح أن الله، تعالى، قرر فى هذا الزمن أعظم فريضة بعد التوحيد، وهى فريضة الحج إلى بيته الحرام ليقرن بين حرمة الزمن وحرمة وقداسة العبادة التى تؤدى فى هذه الأشهر الحرم، مشيرا إلى أنه من الأعمال المُستحبة فى هذه الأشهر: الإكثار من الطاعات، والقيام بكل وجوه الخير، مثل بذل الصدقات، والإصلاح بين الناس، والمشاركة فى كل ما يعود بالخير على المجتمع.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق