رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السجن المشدد .. للعيار الطائش

تحقيق ـــ هبة جمال الدين

تشديد العقاب ليكون رادعاً ويقضى على هذه العادات القاتلة


 

  • أساتذة الاجتماع: ثقافة مجتمع يتم تغييرها من خلال مناهج التعليم والإعلام والخطاب الدينى
  • علماء الدين: «قتل شبه عمد» وليس «خطأ» ويجب تغليظ العقوبة والحفاظ على النفس
  • مقدم مشروع القانون: العقوبة مقررة منذ عام 1954 و ليست مرضية وغير مناسبة لحجم الجرم 
  • والدة أحد الضحايا : حرمت من ابنى وأطلقت مبادرة للتوعية وتقديم الدعم القانونى للأسر المكلومة

 

 

العيار الطائش، يبدل الأفراح إلى أحزان، ويتسبب فى معاناة تعيشها أسر ضحاياه،ويحول مستقبل الجانى من مجامل إلى مجرم، وبالرغم من وجود قانون يعاقب ويجرم هذه الأفعال، إلا أن تكرار هذه الحوادث لايزال مستمرا دون اكتراث التزاما بعادات وتقاليد خاطئة يجب أن يرفضها المجتمع ويتم القضاء عليها.

فيض من الدموع سال في عيون الذين تابعوا واقعة وفاة الطفل مالك بطل «التايكوندو» الذى أصيب برصاصة طائشة من سلاح أحد المهنئين في حفل زواج كان يشاهده الضحية من شرفة منزله، واستقرت الطلقة مباشرة فى  رأس الصغير الذى دخل فى غيبوبة وانتهت برحيله المأساوي، لم تكن هذه أول حادثة بذات السيناريو، وقد لا تكون الأخيرة.

 وللقضاء على مثل هذه الحوادث هناك مشروع لتعديل عقوبة قانون الأسلحة والذخائر وتغليظ عقوبة إطلاق النار فى المناسبات لتصل العقوبة إلى السجن المشدد تم تقديمه بمجلس الشيوخ.

 

«تحقيقات الأهرام» ترفض هذه العادة القاتلة وترصد في السطور التالية حوادث عديدة  من هذه النوعية راح ضحيتها الكثير من الأطفال والأشخاص وانطفأت أنوار بيوت كانت مضاءة بوجودهم بسبب الاحتفال بطريقة خاطئة وتقاليد لن يتم التخلى عنها إلا بعقوبات رادعة.  

 ضحايا وعقوبات غير رادعة

وكان من أكثر القصص إيلامًا واقعة حدثت فى محافظة الشرقية منذ سنوات عندما تسببت رصاصة طائشة فى موت فتاة  كانت فى السنة النهائية بكلية الطب، كانت تذاكر فى غرفتها إثناء إقامة فرح بالقرب من منزلهم ، وكان أشقاؤها الصغار يشاهدون الفرح من  شرفة منزلهم وحينما سمع والدها صوت الرصاص ارتجف قلبه على صغاره وحاول إدخالهم فى الشقة وهمت الفتاة لتساعد والدها، وبمجرد دخولها للشرفة اخترقت رصاصة طائشة من الفرح قلب الشابة الصغيرة لتودى بحياتها على الفور.لينقلب حال الأسرة ويتوفى والدها حزنا وكمدا على ابنته، وهكذا تسبب فرح البعض فى موت وحزن آخرين. 

 أيضا لن ننسى حادثة الطفل يوسف التى هزت السوشيال ميديا فى ٢٠١٧، يوسف  مات إثر رصاصة طائشة من أحد الأفراح رغم أن يوسف كان مع أصدقائه فى منطقة الحصرى بمدينة ٦ أكتوبر، ورغم أن  الفرح الذى خرجت منه الرصاصة كان يبعد ٣٠٠ متر عن موقع يوسف لكن الطلقة أصابته على الفور وتوفى بعد ١٠ أيام.


تروى والدته مروة قناوى التى مازال قلبها يعتصر على فراق ابنها، وثابرت إلى أن حكم على الجانى  بخمس سنوات (٣ سنوات لحيازة سلاح بدون ترخيص وسنتين بتهمة القتل)، لكنها غير راضية عن قصر مدة العقوبة فهى كما تقول «غير مناسبة» أمام فقدها لابنها وخسارة حياته، مؤيدة تغليظ العقوبة لردع مستخدمي السلاح في المناسبات عن استخدامه وسيكون العقاب مرضيا لأهل الضحية إلى حد ما وتشعر أسرته أن حق المتوفى لا يضيع، خاصة أن العقوبة الحالية لم تساعد على تغيير أفكار الأشخاص الذين يمارسون هذه العادة، الغريب أن لدينا  أصدقاء ومعارف كانوا يحبون يوسف حبا شديدا ووقت الحادث كانت الصدمة كبيرة عليهم، ومع ذلك فهؤلاء استخدموا السلاح كتعبير عن الفرحة فى أفراحهم بعد وفاة يوسف.

لا لضرب النار فى المناسبات

واستطردت الأم المكلومة : رغم مصابى الأليم فكرت أن أنفع الناس من خلال قصة وفاة يوسف، فقمت بعمل مبادرة «لا لضرب النار فى المناسبات» اسميتها لاحقا « you safe»، وكان هدف المبادرة شقين، الأول أن تبدأ التوعية من النشء للتخلص من هذه الأفكار الراسخة فقمنا باستهداف الأطفال وعمل ورش لتوعيتهم من خطورة العنف عن طريق تعليمهم الرسم والموسيقى، والهدف الآخر من المبادرة قانونى، وهناك مجموعة من المحامين المتطوعين لمساعدة أى أسرة تتعرض لهذا الموقف، سواء أصابة أو قتل  أحد أفرادها بطلق نارى طائش من خلال عرض الدعم القانونى لكى تستطيع صاحب الحق أخذ حقه القانوني وحتى  لا يتمكن الجانى الخروج من القضية بالحصول على البراءة أو حكم مع إيقاف التنفيذ.

وأضافت : هناك على الأقل حادثة أو حادثتين فى الشهر يتم اخبارنا بها لتقديم الدعم القانونى ، وهذا معدل ليس قليلا، بخلاف الحالات التى لا نعرف عنها شيئا.

وتوضح أن هناك حالات تقبل الدية ويتم التنازل، وعند تعديل القانون يجب مراعاة أنه حتى فى حال تنازل أسرة الضحية لا يتم إعفاء الجاني تماما، إذا تنازلت أسرة الضحية عن حقها المدنى، أين حق الدولة فى استخدام سلاح غير مرخص؟ وإن كان مرخصا فهو استخدم فى غير الغرض من ترخيصه ، فلكل فعل عقوبته، حتى يستقيم المجتمع، ولو تم تطبيق القوانين وغلظت العقوبات ستتراجع هذه الظاهرة بل ستنعدم مع مرور الوقت. 

 تغليظ العقوبة

أما مختار منير المحامى وأحد المحامين المتطوعين فى حملة لا لضرب النار فى المناسبات فيقول إن جريمة القتل الخطأ الموجهة للمتهمين في قضايا إطلاق الأعيرة النارية فى المناسبات فى حالة إحداث قتل أو إصابة شخص تحتاج إلى تغليظ العقوبة لأن سببها رعونة استخدام السلاح فى حالة غير حالات الضرورة، فلا يمكن أنه يعتبر بأى شكل من الأشكال قتلا خطأ، هذا إن كان السلاح مرخصا، أما إن كان غير مرخص فالعقوبة تكون أكبر بالتأكيد، مضيفا أن الحملة ناشدت أكثر من مرة بإعادة النظر فى القوانين والحوادث المرتبطة بالقتل الخطأ، صحيح أنه يتم تغليظ العقوبة فى بعض الحالات لكنه تغليظ غير كاف وأيضا تكون الأحكام فيه غير مرضية.

ويضيف أن تغليظ العقوبات ضرورة للحد من هذه الظاهرة التى تعرض كثير من الأطفال والمواطنين إلى الخطر، فليس من العدل أن ابتهاج البعض يؤدى إلى مأساة لآخرين.

مشروع قانون

تواصلت مع اللواء فاروق المقرحى عضو مجلس الشيوخ ومقدم مشروع تعديل قانون الأسلحة والذخائر والذى بدأ كلامه : كم من حوادث من هذا النوع راح ضحيتها أطفال وأشخاص بسبب عادة غريبة ،ما ذنب هذه الأرواح والأطفال التى تُفقد، كان آخرها حادثة الطفل مالك بطل التايكوندو وقبله حادثة طفل كان عائدا من الدرس فاخترقت جسده رصاصة طائشة من أحد المناسبات ومات على الفور وكان طفلاً متفوقا فى دراسته، ما ذنب هؤلاء؟ وما ذنب أسرهم التى تتجرع آلام فقدهم ؟

وأضاف المقرحى : تكرار هذه الحوادث دفعنى إلى النظر في عقوبة القتل الخطأ وهى الحبس من ٦ شهور إلى مدة أقصاها سنتان والبعض يأخذ ٦ شهور مع إيقاف التنفيذ، وهى مدة غير مرضية على الإطلاق ولا تعادل حجم الخسارة التى حدثت جراء استخدام السلاح، صحيح أن هذا القانون صدر عام ١٩٥٤ وربما كان يناسب الظروف وقتها، كما أنه لم يكن هناك كثيرون لديهم المقدرة على شراء سلاح، أما الآن الأمر اختلف كما أن حيازة السلاح يعتبرها البعض من الوجاهة الاجتماعية خاصة فى القرى والمحافظات.


وأضاف أن عقوبة حيازة السلاح بدون ترخيص ليست رادعة فالعقوبة تحدد على حسب نوع السلاح، وقد تبدأ من ٥ إلى ١٠ سنوات وهناك نوع من السلاح تتراوح عقوبة حيازته بدون ترخيص من ١٥ إلى ٢٥ سنة.

وطالب  المقرحى فى المقترح الذى تقدم به بتعديل ما يسمى «عيار طائش» ، متسائلا : كيف يكون طائشا ومرتكب الواقعة معروف ؟! فكلمة طائش من المفترض معناها أنه عيار ليس معروفا من مرتكب الواقعة، ففى القانون القتل الذى يقع نتيجة عيار نارى طائش في المناسبات يندرج تحت القتل الخطأ، فكيف أيضا يكون قتلا خطأ وقد تم استخدام السلاح لغرض غير الذى رخص من أجله وهو الأمن أو الحراسة أو الدفاع عن النفس؟.

ثقافة مجتمع

أما الدكتورة عزة فتحى أستاذة علم الاجتماع فترى أن القانون يلزم المجتمع وينظم سلوكياته ، و هذه ثقافة ولكى يتم تغييرها أمامنا عدة عوامل ومسارات بجانب تغليظ العقوبة، أولها التعليم وتغيير المناهج المدرسية والتى يجب أن ترسخ سوء هذا الفعل، أيضا الإعلام عليه دور كبير وكذلك الخطاب الدينى.وهذا السلوك لم يقتصر على المحافظات والأرياف والصعيد فقط  بل ينتشر فى الأحياء الشعبية أيضا.

حرمة النفس

الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر يقول : النفس البشرية من أكرم ما خلق الله عز وجل وتجلى ذلك فى قوله تعالى : «ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا»، ومعلوم أن مقصود الشرع فى المصالح الضرورية أن يحفظ على الناس أنفسهم وعقولهم أموالهم وأعراضهم ونسلهم، كما ذكر الله فى القرآن الكريم حرمة النفس البشرية خاصة فى مجال إراقة الدماء فقال الله سبحانه وتعالى «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا»، ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم قال : «إن  دماءكم  وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وفى التشريع الإسلامي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».


كما أن التشريع سن التدابير الوقائية الاحترازية من التنويه على حرمة النفس البشرية بغض النظر عن الدين أو المعتقد أو المذهب أو اللغة أو الجنسية فالحرمة واحدة ويجب صيانة النفس البشرية لأن الإنسان له حق الحياة 

وبدعة إطلاق الأعيرة النارية فى مناسبات الأفراح وما مثل ذلك جريمة منكرة، صحيح ينتج عنها قتل خطأ لكن أرى أنه «قتل شبه عمد» ولا نقول إنه «خطأ مجرد» ويكتفى فيه بدية عادية، ولكن هو شبه عمد يجب تغليظ العقوبة لأقصى ما يتحمله التقنين التشريعى والمؤسسات المعنية تحافظ على النفس البشرية ما وسعها إلى ذلك سبيلا.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق