رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل يحلق الطير داخل الشباك

محمد جبريل

تعالى الهاجس فى داخلى وأنا أميل من ميدان الرمل إلى شارع سعد زغلول.

هذا هو الطريق اليومى الذى اعتدت أن أسلكه. أحمل شروة السمك إلى مطعم إيليت بشارع صفية زغلول. ثبتت المعالم فى ذاكرتي: اللافتات، واجهات المبانى، الشرفات، النوافذ، مناشر الغسيل، أفق البحر فى مدى النظر.

ملت إلى شارع صفية زغلول: تأملت الصحف على الاستاند الملاصق لجدار سينما الهمبرا، أبطأت خطواتى وأنا أعبر فاترينات المكتبات ومحال الملابس والعطور والأجهزة الكهربائية والخمور ومقهى البلياردو، التقيت سيد أبوزيد الموظف بالحلقة فى تقاطع الشارع مع شارع السلطان حسين، أمام معرض شركة إيديال:

ــ صاحب المطعم شكا افتقاد كمية من الأسماك التى تأخذها.

ــ الريس معوض هو الذى يشكو وليس صاحب المطعم.

هز أصبعه محذرًا:

ــ لن تقف على فرشتك أمام الحلقة، ما لم يأذن الريس مصعب.

ــ ألم يعد أمام الريس من يؤذيه سواي؟!

أحسست بالهزيمة، وبالغضب من كل شيء. لم أعد أقوى على تحريك لسانى. ولا قادرًا على احتواء ما يجرى، ولا حتى على الكلام، عجزت قدماى عن الوقوف، لا أستطيع أن أزايل موضعى.

يعلو صوته فى مؤاخذته للرجال على ما يعيبه من تقصير وأخطاء. لا تتجه شتائمه إلى أحد بعينه، ابن الكلب هو من تبلغه العبارة. حل بناس الحلقة ما يصعب احتماله. أقسى اللحظات حين تنتظر الخطر الذى واجهه ــ من قبل ــ آخرون.

صار بحرى فى حال غير التى كان عليها.

رأيته على المقهى المواجه لباب الجمرك رقم ستة، حدست ــ من نظراته المتلفتة ــ أنه ينتظر قادمًا من داخل الميناء. عندما يغادر الحلقة، يخترق الشوارع الجانبية والحارات، حتى يصل إلى الركن الأيسر فى مدخل قهوة الزردونى، لا يغادرها إلا لأداء الصلاة فى مسجد المسيرى القريب، أو للعودة إلى البيت آخر الليل.

طالعنى ثانى يوم ــ فى انحناءة الطريق من المسافرخانة إلى صفر باشا، سرى فى ظهرى ما يشبه الارتعاشة. تابعته، وهو يعبر الطريق إلى فرن حبيب. السروال الواسع الطويل، يعلوه قميص وصديرى بأزرار. يضع على عينيه نظارة سوداء، سميكة، لا تبين عن اتجاه نظراته. تنفرج شفتاه عن ابتسامة عصبية، تظل أسنانه مطبقة، كأنه يتوعد.

خرج من الفرن، بيده كيس بظ منه الخبز. عدل من سيره ناحيتى، واتجه إلى باب الجمرك رقم واحد. بدا مشغولًا بما لا أعرفه، فلم يلحظ وقفتى.

تيقنت من ملامحه فى انصرافه من نقطة الأنفوشى، هو هو بقامته الممتلئة، وخطواته المتقافزة، وعباءته الكشمير البنية، وخفه المغربى. للرجل حياته الخفية التى لا يريد أن يظهرها. يكثر تردده على النقطة للإبلاغ عن خصومات، وحالات اختفاء.

تابعته وهو يمضى فى موازاة الشاطئ، عدت إلى الميدان بعد أن غيبته انحناءة الطريق إلى شارع قصر رأس التين.

جلس إلى طاولة على ناصية الشارع، فى طرف القهوة، ربما يتيح لنفسه رؤيتى طيلة الوقفة أمام الحلقة، ولأعرف أن ذلك ما يريده.

تابعته ــ من وقفتى على باب مسجد نور الإسلام ــ وهو يمضى مبتعدًا فى اتجاه قصر رأس التين، حتى أخذه الأفق.

تناهى من ميدان أبو العباس ــ اختلاط أصوات تلاوات وأدعية ونداءات، سرت فى اتجاه الأصوات. سرادقات الإنشاد والسيرك والمراجيح وكشك الطهور وحلقات الذكر وحصان المولد وعروسة الحلاوة ولاعبو الكرات الملونة، الصغيرة، وقاذفو السكاكين فى الدائرة، والسبح والمناديل المحلاوى والمصاحف الصغيرة وكتب السيرة وأحقاق النشوق وأعواد البخور والمسواك والطواقى المنقوشة وأقراص الحمص والسودانى والسمسمية وحب العزيز والمشبك وقطع الهريسة والبسبوسة والترمس والشموع .

فى صخب المولد، أعدت التصويب بالمطواة فى دائرة النشان، كررت المحاولة حتى علت الأصوات من حولى بالتهليل. رشق السكين توسط الدائرة الخشبية تمامًا. عدت إلى وقفتى أمام النشان، أقذف بالمطواة، حتى تعلو الأصوات بالتهليل، أغالب ــ فى انصرافى ما لا أتبينه، ملامح غائمة وما يشبه الأطياف.

أزمعت ــ وانا أخلف المولد ــ أن أفعل ما يقفز إلى ذهنى، أفكر فيما أريد، أفعل ما أريد، لا أناقش ولا أتخيّر. ضغطة الزر تحدث الفعل. تقافزت أفكارى، لم تثبت على تصرف ينبغى أن أفعله، ولا مكان أتجه إليه. تعددت همسات الاعتذار فى احتكاكى العفوى بالقادمين من الناحية المقابلة، أخذتنى الملاحظات والصيحات المؤنبة والتوبيخات، اختلطت الأمكنة والأزمنة فى ذهنى، وتداخلت.

القبة العالية، المستديرة، تحيطها النقوش والمقرنصات، الخطوط المتداخلة تزين أفاريز الصحن. المقام المغطى بالخضرة، يحيطه سور من النحاس اللامع، فوقه الشموع ومناقد البخور. من حوله المريدون والمحاسيب، يقدمون النذور، يلتمسون التبرك والدعاء، وطلب الشفاعة والنصفة والمدد.

كتمت هاجسًا بأن أجول فى القصر المسحور، أدير رتاج الحجرة الواحدة والأربعين، المغلقة، أنزع العصابة من عينى تمثال العدالة فى واجهة سراى الحقانية، تبصران المضمر قبل أن تنطق حكمها، أصعد إلى الدرجة الأخيرة فى مئذنة على تمراز، أرفع الأذان فى غير موعد، مجرد أن أتجه إلى السماء، أمتطى سحابة تمضى إلى ما وراء الأفق.

أدرت ظهرى لوسط المدينة، اتجهت نحو المينا الشرقى. زرقة البحر وزرقة السماء تتماهيان فى نهاية الأفق. تناهى من موضع قريب ــ اختلاط تلاوات ونداءات وأدعية.

سرت فى اتجاه الأصوات.

مئذنة أبو العباس تجد ــ بالكاد ــ منفذًا بين البنايات العالية، العلم المتآكل الأطراف على قلعة قايتباى، صيادى السنارة فوق المكعبات الإسمنتية، حلقات الجرافة ترافقها الأغنيات التى حفظت إيقاعاتها وإن لم أفهم الكلمات، باعة الفريسكا والفستق والمتناثرين فى الرصيف والكورنيش الحجرى، المجموعات المتقاربة، يتناولون الغداء فى الحديقة المجاورة لمستشفى الأطفال. أسطح البنايات، والطوابق العليا، ومناشر الغسيل، وأرايل التليفزيونات، وأطباق القنوات الفضائية.

السماء المثقلة بالغيم تستدعى مشاعر حزن إلى نفسى، لا أعرف السبب، لكن مجرد الجو الملتف بالضباب، يضعنى فى حالة من الحزن.

الهواجس تناوشنى، تختلط، تطاردنى، أحطم الأشياء من حولى، أنهال عليها بما تصل إليه يداى. أفر من الريس معوض إلى السكون والفناء. أستلقى على السرير، أضع يديّ ــ مكتوفتين ــ على صدرى، أحدق فى السقف، أنتظر ما أتوقعه. أضواء السيارات المتصاعدة من الطريق، تتحرك ــ مختلطة ــ فى السقف والجدران. أضاعف حبات الدواء التى تساعدنى على النوم، تأخذنى إلى ما يشغلنى. تمرق السيارة أمامى، لا أتراجع بصدرى ولا ساقى، يحدث ما أتصوره. يصيبنى دوار وأنا أطل من البلكونة المطلة على شارع صفر باشا، كأنى أهم بإلقاء نفسى.

لماذا لا تكتمل اللحظة؟

هل ألقى نفسى من فوق السطح؟ أشعل النيران فى جسدي؟ أفرى بطنى بالمبيد؟ أغطس فى المالح؟ أرتمى تحت عجلات الترام؟

لم يكن تهيئى للموت اختيارًا. بدت أنفاس الموت قريبة منى، عرفت أنه حان رحيلى من الدنيا. أغمضت عينى حتى لا أرى ما أمامى، أتصور الآتى فى الروايات التى ترافقنى منذ الطفولة: الهيكل العظمى يحصد الروح بما يشبه المنجل، ثبات نظرة العينين، خطوات الجنازة، منذ الإعداد لمفارقة الدنيا، التكفين، والصلاة، والتلقين، حتى يصطدم الجسد بظلمة القبر، وتتسرب الأتربة من شقوق المجاديل.

تجمدت فى وقفتى آخر الكورنيش الحجرى، المطل على مرسى القوارب، تشاغلت - حتى أستعيد نفسى بمتابعة انفلات فلوكة خارج مجموعة القوارب.

مضى الريس معوض إلى الناحية المقابلة. جاوز قهوة الصيادين فى انحناءة الطريق نحو المينا الشرقى.

لم أعد أعرف ماذا يشغلنى، ولا ماذا أريد، ولا تدبرت ما ينبغى فعله، وإن تحسست جراب السكين المتدلّى من الخصر..

وعبرت الطريق.


محمد جبريل

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق