رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سناء البيسى: عندما أٌغلق باب مكتبى لأصاحب القلم لا أكون أنا.. والفكرة تجعل وسادتى شوكا

حوار : أسـامة الرحـيمى
سناء البيسي

  • جمال حمدان قال: أسلوبها يشبه خيوط التريكو لاتقبل أن تجذب منها غرزة واحدة حتى لايتبدد البنيان
  • تجربتى فى القصة كانت بلا سبق إصرار أو ترصد وبلا تخطيط وتبعًا للإلهام والإطار والمكان والزمان والانجذاب والبوح والفضول

 

  • إذا كنت يومًا ما نبتة ففى الغد بموهبتى وإصرارى أغدو غصنًا وبعدها شجرة وارفة ثم غابة غنّاء تقاوم التصحر والفناء
  • لم يكن أحد من جيلنا يتخيل أن تجمع حروف المطبعة اسمه ليُذيل تحقيقًا أو حوارًا ولو بأصغر بنط. ويوم أن نشر اسمى لأول مرة تخيلت العالم كله قد رآه وأثنى عليه

 

  • نجيب محفوظ: لم يسألنى أبدا عن المقابل المادى لروائعه التى نشرت فى نصف الدنيا وهى لم تتعد300 جنيه شهريا وكان طيب الثرى والصيت والقول والفعل يردد:«ملاليم الست سناء عندى أفضل من ملايين تأتينى من الخارج»

 

  • لا يكتمل عملى دونما عرضه على لجان التحكيم، القراء، فالأوراق لا تُورق دون سقياها، ولا كيان لزهرة بغير شذاها، ولا فحوى لسطور دون بلوغها هدفها ومبتغاها، ولا لفعل دون رد فعل، ولا مسار لفكر دون ميدان، ولا لسطر لا يستصلح أرضا شرقانة، ولا غناء دون سميّعة، ولا مركز بلا دائرة، ولا رسالة للهواء الطلق، ولا حب بغير حبيب، ولا كانت كتابة دونما رفض أو عتاب أو استحسان. أكتب وأنتظر. أكتب لمتعتنا معًا. أكتب لى ولهم.

 

  • هشام ابنى وصديقى ومؤنسى ومنقذى وعابر بى مسافات الآلام والمحن لبر السلام، وأبدًا لم أقم بكتابته، فقد شغلنى عنه العمل كثيرًا وطويلا فاعتمد على نفسه ليصنع رجلا عصاميًا مثقفًا وطنيًا واعيًا متدينًا كريمًا منحنى هدية عمرى، الأحفاد، الذين ورثوا حنان أبيهم وسِعة صدره، فيأخذون بيدى الآن فى مجاهل التكنولوجيا ويصبرون على ترددى وأخطائى كتلميذة متوطنة فى سنة أولى.

 

  • عندما يعانق القلم الأوراق تتفتح الأبواب التى أظنها موصدة، ويملى الإلهام الذى أظنه مسافرًا، ويتسيَّد الموضوع الذى ظننته غائمًا، ويحضر الغائب ليقيم، فيقيم الحرف ويقعده، وتقتلع العزيمة النباتات المتسلقة، ويجر الوصف شقيقته، والجملة مرادفها، والتعبير تاجه، والشخصية بصمتها، والتنوع قوس قزحه، والدين جلاله، والتغلغل دروبه، والتفاصيل حدودها، والمقتبس مصدره، والذكريات شخوصها، والأماكن أركانها، والإيجاز دقّته، والسرد وقفاته، والنقاط موضعها، والإعجاب رونقه، والنقد حنانيه، والتعبير سلاسته، والتكرار موضعه، والدهشة واجبة، وفى العادى لابد من جديد قشيب، البداية بدقّات مسرحها، والنهاية كما لم أعد مسبقًا تأتينى ومضة على طرف القلم.


أسامة الرحيمى يحاور سناء البيسى - تصوير ــ محمد ماهر

ذات يوم فى بداية تسعينيات القرن الماضى. وجدنى صديقى العزيز «عبد اللطيف نصَّار» حائراً فقال لى: «اعمل شُغل لنص الدنيا، لتعيش منه، لغاية ما تبيع سيناريو، وحكاية السينما دى تِسلك».

لم يحدث بعدها شيء غير ارتهان الصحافة لى. إلى الآن!

صباح اليوم التالى، سلّمته موضوعا مكتوبا بآلية السيناريو. راوحت فيه بين شقاء امرأة أجيرة من قريتنا، رحلت قبل سنوات، اسمها «نعمت»، وبين الأميرة ديانا نجمة العالم وقتذاك.

قبل أن يكمل قراءته هرول إلى مكتب رئيسة التحرير، أستاذة «سناء البيسي»، وبعد ثُلث ساعة تقريبا، فوجئت بها تقف على باب غرفته بنفسها. كان بصحبتها، فسألته: «فين أسامة يا عبداللطيف»؟

لم يكن فى الغرفة غيري! فوقفت، وقدمنى إليها بفرح!

سلّمت عليّ ببشاشة: «انت معانا يا بنى خلاص»!

ذُبتُ لفرط الخجل. ولمّا عجزت عن الرد. بادرتني: بس عاوزه شغل من ده على طول..فكرة جديدة خالص!

لطف أمومتها لا يزال مطبوعاً بقلبي!

بعد أيام. رأيت الموضوع منشورا، فأدركت أننى أصبحت داخل آخر مدارس الصحافة!

عملت بدأب حتى نسيت السيناريوهات التى كانت تملأ جعبتى. ولا تزال!

ومن تعاملاتى معها وجدتنى أمام واحدة من ألطف الناس خُلقاً، وأكرمهم مهنية!

دخلت مكتبها لأمر ما، فوجدت الناقدة الكبيرة «صافى ناز كاظم» التى أحبّ كتاباتها، فمددت يدى للسلام عليها بفرح. فقالت: لا أصافح. وقفت حائراُ، ونسيت يدى ممدودة، فأسرعت إليّ أستاذة سناء بابتسامتها الدائمة، قائلة: «أنا يا بنى بصافح، بكلتا يدى». فأنقذتنى بحنو بالغ من حرجٍ مفاجئ!

واستوعبت توجيهها لى طوال الوقت دون إحراجى، وأحببت محاولات تليِّينها عنادى بلا تعنيف، وتهذيب ريفيتى بلا تململٍ ولا توبيخ، وكلما رشَّحت ليّ موضوعاً جيداً تشعرنى بأننى من اقترحه عليها.

وحين اطمأنت، ومنحتنى ثقتها، كلّفتنى بتدريب بعض طلاب الإعلام، رغم إخبارها بأننى خرِّيج حقوق!

مع الرئيس السادات

ولم تَقْصُر «نصف الدنيا» على قضايا المرأة كما كان تصور البعض، حيث أتاحت أفقاً رحيبا لمختلف تجليات الصحافة، فنهل فريقها النشط من كل نبع، وفتّشوا فى كل صوب، فنقلوا مشاغل الناس باحترام، وشاغبوا واقعهم بمحبة.

لم تعلِّمنا الصحافة وحدها!!

فلم تسمح لأحد باقتراف نميمة، ولا اجتراء على غائب، ولا استقواء على ضعيف، فكم بادرت بردِّ الغيبة، وحماية المستضعفين حتى اشتد عُودهم، ورعاية الموهوبين إلى أن اكتمل ريش أجنحتهم.

وتنشغل وسط هذا كله بسطر مقالاتها الحلوة، بسلاسل من فِضّة خالصة، مُندَّاة بعذوبة خاصة، وجملٍ ممدودة، كأنفاسِ مبتهلٍ مطمئنة.

وتقود الاجتماع الأسبوعى، وتراجع كل موضوعات المجلة، وتُشرف على توضيب صفحاتها بنفسها، وتختار صورة الغلاف، وتطمئن على شمولية الريبورتاج، وعدم تجاوز الاسئلة الحوار، والتعريف بمدارس الفن العالمية المختلفة، ومسار رحلات صحفيى نصف الدنيا الذين ترسلهم حول العالم وتحرص على ركوبهم الطائرات، وتنظر حتى فى الأبراج، ووصفات الطبخ، وباترون التفصيل، وصور الزفاف. فلا تفوتها نأمة. لإدراكها قيمة المسئولية عن كل كلمة تحويها المجلة. ما تسبب باتساع شعبية المجلة، ومحبتها فى قلوب القرَّاء.

وبعد سنوات، قرَّرَت إصدار ملحق شهرى للمجلة، اسمته «النصف الآخر» (الرجل)، وفى الاجتماع المخصص له فوجئ الجميع بتكليفها لى بالإشراف عليه. وتولّيته لسبعة أعداد، بكل احترام لآليات وتراتبية العمل داخل المجلة. ولاقى نجاحا كبيرا، وأحدث ردود فعلٍ طيبة واسعة.

فى 1999 انتقلت إلى جريدة الأهرام بموافقة الأستاذة ومساندتها، بعد ست سنوات قضيتها فى أحب مكان عمل إلى قلبى. مدرسة «نصف الدنيا» وصاحبتها المُلهِمة «سناء البيسى»!

وعرفاناً لجميلها. ظللت على اتصال بها، لا أكفّ عن متابعتها، فإذا أبعدنى السفر، اتصلت بمقالاتها.

واليوم. أعود لمحاورتها لأُطلع عموم القُرّاء على معانى أستاذيتها، وجمالها الإنسانى، وجدارتها المهنية.

إنها الأم الرائعة للمحترم «هشام منير كنعان» المثقف العذب. والصحفية المخضرمة، والأديبة المدهشة، التى أمتعتنا بآلاف المقالات، ومجموعات القصة القصيرة. والفنّانة التشكيلية التى تعتقل البهجة فى لوحاتها. وستمتعنا بمعرض قريب!

وأدعو محبيها لترقُّب سِفْرَين بديعين عن «الصحافة» و«الفن التشكيلي» انتهت من غزلهما بالكامل، وباتا قيد الطبع. ولها الحق وحدها بإعلان عنوانيهما فى الوقت المناسب!

مع نجيب محفوظ

أستاذتى الفاضلة «سناء البيسي». متّعك الله بالصحة وطول العمر والإبداع المتصل!!


كنت ضمن أول دفعة من خريجى قسم الصحافة بجامعة القاهرة، فكيف ترين من قمتك الحالية دور جيلكم فى الصحافة المصرية عمومًا، خاصة أن كثيرا منهم باتوا أسماء لامعة عبر العقود اللاحقة؟

{ كانت لنا أيام. كان جيلا دخل الصحافة، لأنها كانت حلمًا يُبتغى، وكان نجومها بالنسبة له آلهة يسكنون أعالى «الأولمب»، ويغلقون عليهم أبواب صوامعهم بأبواب من فولاذ، لا يستطيع اختراقها إلا الندرة التى تفترش البسطة فى المدخل لكى يتسع المجال لأن تطير خارجه بدفعة مشمئنطة فى أى وقت يشاء ملك الزمان والمكان. كان صعبا ووعرا وبعيدا عن العين الوصول إليهم، بينما كنا نهيِّمُ بهم ونتابعهم وننهل من كتاباتهم بشغف بالغ، لكننا فى الوقت نفسه نغار منهم ونحسدهم ونحسبهم بمثابة السد والعائق والجدار فى طريقنا لبلوغ مكانة ما فى بلاط صاحبة الجلالة، لم يكن أحد من جيلنا يتخيل أن تجمع حروف المطبعة اسمه ليُذيل تحقيقًا أو حوارًا ولو بأصغر فونط. ويوم أن نشر اسمى لأول مرة تخيلت العالم كله قد رآه وأثنى عليه، أنا اسمى مكتوب؟!! وتفرقنا كل إلى جريدة ومؤسسة ومجلة، وهبط إلينا نفر من ساكنى الأبراج العاجية ليُنير لنا الطريق. تتلمذنا على أيدى بعض الكبار لنُصنّف تبعاً لمدارسهم ورؤاهم وسياساتهم بحكم التواجد والمحيط والتلقى، أو تبعًا لرغبة دفينة فى النفس وجدت مسارها. وحقيقة إذا كنت بلغت مكانة ما فى عالم الصحافة فهى تعود إلى جُهد مبذول بمتعة وعمل دؤوب برويّة وصحة ذابت فى بوتقة الشغف، وتلك المسيرة العسيرة الطويلة مشى خُطاها زملاء الدفعة الأولى، وغابت منها أسماء، ولمعت أسماء ربنا يعطيهم طول العمر، فأعمارنا فى مهنة البحث عن المتاعب. تعيش انت!

هل دراسة الصحافة أكاديميًا تكون كافية لإتقانها، أم تحتاج لثقافة عامة كرافد، وموهبة فى الكتابة، أم أن التكرار يُعلِّم الشُطار، كما نرى فى مختلف الأنحاء الآن؟

{ أية دراسة أكاديمية تنفع صاحبها كبنية أساسية للمثقف عامة، ولمن يُعد نفسه للدخول فى سلك الأستذة الجامعية بمراحلها المتدرجة من الماجستير للدكتوراة، لينذُر صاحبها نفسه للمهنة الشريفة المقدسة «إنارة عقول النشء» ممن يجلسون إليه فى المدرج بمدارك مفتوحة وشغف للجديد، واستعداد لتلقى علمه ومعارفه ورحيق الكتب والمراجع التى استوعبها وهضمها لينقل إليهم فحواها. أما الدراسة بالنسبة للصحفى فهى بمثابة وريد رئيسى لابد منه، يتبعه النزول للميدان، الحادث والمؤتمر والمعركة والعلوم والفنون والرياضة والصناعة والزراعة والكشف والسياحة والجريمة والقضاء والمعارف والكتب والمناخ، والوريد لابد له من دعامات متوالية وثقافات متسعة واتصالات ومشاهد وصداقات وروابط وأسفار ورجل الشارع وقاطع الطريق وإمام مسجد وراهب كنيسة ومدمن المخدرات وبواب العمارة والساكن قصادى وحاجب محكمة وكاتب حسابات وملجأ أيتام الخ. وبدون الموهبة لا فعل ولا وجود ولا كيان ولا ظل ولا مأوى ولا سمع ولا بصر ولا أمر ولا نهى. أمّا عن التكرار، فحقيقة لمسته لدى بعض الشُطار، وأكرر الشُطار، وهو قد يأتى بنتائج باهرة فى بعض الأحيان، وقد يأتى بما لا تشتهى السفن.


مع بنت الشاطئ

عملت رئيسًا لقسم المرأة فى جريدة أخبار اليوم، ثم انتقلت إلى الأهرام رئيسًا لقسم المرأة أيضًا، وأصبحت مساعدًا لرئيس تحرير الأهرام، ثم نائبًا لرئيس التحرير، ثم رئيسًا لتحرير أول مجلة نسائية تصدر عن الأهرام «نصف الدنيا» فماذا أكسبتك تلك المواقع مهنيًا وثقافيًا، وهل كانت لدينا فعلا مدارس صحفية مميزة، وأين ذهبت الآن؟

{ جميع تلك المواقع سرقت عمرى، وكل منها كان يمثل عبئًا جديدًا يقع على كاهلى، وأبدًا لم أكن سعيدة يومًا بتصنيف موقعى داخل الجدران الحريمى، لكنها كانت بمثابة المكانة الروتينية المعهودة دومًا إذا ما تفوقت إحداهن ولو فى مجال الثقافة والأدب والفن. دوغرى يوكلون إليها كل ما يتصل بالمرأة ومشاكلها وطبيخها وحماتها وهدومها وتطريزها وعيالها ومزاج السيد زوجها وجمعياتها وتمريضها وحقوقها وصراعها تجاه المساواة. وإذا ما كنت زُرعت قسرًا فى تلك المواقع فقد حوّلتها بكل ما فى وسعى إلى صحافة راقية يقرؤها الجميع وليست سطورًا رائحتها طبيخ ولا أدرج دولاب عايزة تنظيم، وعندما اخترت شعارًا للمجلة جعلته «نصف الدنيا لكل الدنيا». وعن مسألة المدارس الصحفية فلم يعد المجال ولا الإطار متاحًا لها ولا مأهولا بعدما تسيّدت «مدرسة السوشيال ميديا» بعاميتها وسطحيتها وروّادها ونجومها وفضائحها لتغلق الكثير من الصحف الورقية لانحسار الإعلان الذى وجد له منافذ أخرى أكثر وأوسع ترويجًا، وبقية الصحف الآن فى مهب الريح العاتية والمناخ المتقلب، وأصبحت تلقى على جميع الأصعدة من يقول لك: «هو انت لسّه بتقرا الجورنال؟!!».

انتُخِبِتِ عضوًا بمجلس نقابة الصحفيين، وفى جمعية الأدباء، وعملت خبيرة بالبنك الدولى بواشنطن، وعضو اتحاد الكتاب، وعضو لجنة تخطيط الإنتاج المسموع بمجلس الأمناء باتحاد الإذاعة والتليفزيون لسنوات، وعضو لجنة الهلال الأحمر، وعضو لجنة القراءة للجميع. فلأى مدى أفادتك تلك الخبرات ككاتبة ورئيسة تحرير، وهل إدارة مطبوعة مهمة مثل «نصف الدنيا» وفريق كبير من الصحفيين يحتاج لمهارات معينة، وخبرة تشبه السياسيين؟

{ تاريخ ما أهمله التاريخ. وإن كان لى مصدر ومنبع ومنهل أكسبنى ثقة وثقافة واتساع رؤى ودوائر مختلفة من المعارف والعلاقات والأصدقاء فى جميع المجالات. ورئاسة أى عمل ليست فى حاجة إلى سياسة واقتصاد وجغرافيا وتاريخ ودبلوماسية وتهذيب وإصلاح. وعندما يُوكل لى أى عمل أُشمِّر عن ساعد الجِدّ لأغدو للعاملين معى المثل والقدوة التى تُحتذى، لتظل الخلية شغّالة بكامل طاقتها صبحًا ومساءً لتنتج عسلا فيه شفاء للناس.

مع العالم الكبير أحمد زويل

أنت صاحبة «أطول وأنعم جملة فى الصحافة المصرية» بوصف زميلنا «محمود الكردوسي» رحمه الله، وتنعم مقالاتك بشعبية كبيرة ورواج دائم، وهناك رسالتا دكتوراة حول أسلوبك إحداهما من جامعة مدريد بالإسبانية، وأخرى بالفرنسية من جامعة الإسكندرية. فكيف يفلت الكاتب من ترهلات الإطالة، ويحافظ على شغف القارئ إلى النقطة الأخيرة فى مقالته؟ وهل أسلوبك يرجع لمهارتك الفردية وموهبتك، أم أنه تكنيك عمدى راكمته لديك التجربة، والتعامل مع قراء مختلفين من الأخبار إلى الأهرام ثم نصف الدنيا إلى الأهرام مرة أخري؟

{ يذكرنى قولك بوصف المؤرخ «جمال حمدان» عندما سُئل عن سطورى فقال: «إنها تشبه خيوط التريكو المتماسكة التى تصنع ثوبًا كاملا متناسقًا، ولا تقبل أن يُجذب منها غرزة واحدة حتى لا يتبدد ذلك البنيان». وأرسل لى صاحب نوبل «نجيب محفوظ» خطابا مُذيلاً بتوقيعه فى 21 ديسمبر 2003، قال فيه:«قرأت مقالك وسعدت به كل السعادة ولكن هيهات أن أبلغ ذروة البلاغة التى تتمتعين بها». كما كتب الشاعر «فاروق شوشة» صاحب «لغتنا الجميلة» عن أسلوبي:«لحن منفرد له شخصيته وتمايُزه وسمته ومذاقه، وهى النافرة الشاردة المستعصية المتأبية على التصنيف، لأنها ببساطة لا تشبه أحدًا ولا تسعى إلى الاقتراب من لغة أحد، ولا نهاية لإعجابى الذى يزداد يومًا بعد يوم باللغة التى تكتب بها هذه الكاتبة الكبيرة التى اعتصرت كل خبراتها الحياتية والإنسانية متأملة وناقدة وساحرة لتسكبها فى لغة أقل ما يُقال عنها، إنها لغة بنت عصرها وزمانها، حاملة لأسلوب غير معهود فى الكتابة، لا تقلد فيه أحدًا من السابقين أو اللاحقين». ومن أبرز الشخصيات التى أعتز بتقريظها لى على الدوام فى العالم العربى وفى عموده اليومى بجريدة الشرق الأوسط الكاتب اللبنانى الكبير «سمير عطا الله». ولا يتصور أحد قدر سعادتى عندما يُسمعنى أحدهم قوله: «قرأت مقالك أكثر من مرة»، والمقال عادة على صفحة كاملة من الجريدة!!

وما الفروق بنظرك بين المادة المقدمة لقارئ «أهرام الجمعة» أيام قسم المرأة، وقارئ «نصف الدنيا» الاجتماعية الأسبوعية، وكذا قارئ «الأهرام» اليومية الآن، وهل كنت تتحسبين لهذا أثناء كتابة مقالتك فى المراحل الثلاث؟

{ فى كل منها كنت أنا نفسى، وكان قلمى الحُر ذاته الذى يكتب أين ما كنت وكان ويكون، وأبدًا لم يحددنى إطار، أو يُملى على قلمى اتجاه، أو تكبلنى قوالب، وإن كانت المساحة المتاحة للنشر هى التى تحكمنى بالطبع.

موضوعاتك متنوعة، تُراوح بين المدهش غالبًا، والعادى أحيانًا، لكن أسلوبك يجعلها ممتعة دائمًا، فكيف تختارين فكرة المقالة، هل من حدث آنى، أم أفكار تستحق الكتابة وتخايل ذهنك لفترة، أم أنك تفضلين الشخصيات المميزة كثيرًا؟

{ عندما يعانق القلم الأوراق تتفتح الأبواب التى أظنها موصدة، ويملى الإلهام الذى أظنه مسافرًا، ويتسيَّد الموضوع الذى ظننته غائمًا، ويحضر الغائب ليقيم، فيقيم الحرف ويقعده، وتقتلع العزيمة النباتات المتسلقة، ويجر الوصف شقيقته، والجملة مرادفها، والتعبير تاجه، والشخصية بصمتها، والتنوع قوس قزحه، والدين جلاله، والتغلغل دروبه، والتفاصيل حدودها، والمقتبس مصدره، والذكريات شخوصها، والأماكن أركانها، والإيجاز دقّته، والسرد وقفاته، والنقاط موضعها، والإعجاب رونقه، والنقد حنانيه، والتعبير سلاسته، والتكرار موضعه، والدهشة واجبة، وفى العادى لابد من جديد قشيب، البداية بدقّات مسرحها، والنهاية كما لم أعد مسبقًا تأتينى ومضة على طرف القلم.


سناء البيسى وهشام كنعان مع فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب

هل يتعذب الكاتب الصادق أحيانًا أثناء الكتابة، وهل يكون عذابًا ممتعًا أحيانًا، وهل تكتبين مقالاتك على مراحل، وتعيدين ضبطها أكثر من مرّة بالحذف والإضافة والتعديل حتى ترضى عنها، وتقررى نشرها، أم أنها متعة خاطفة كالتى يُحسها القارئ؟

{ عذاب الكتابة توأم لخروج الجنين حيًا من اختناقة الرحم ـ وإن كان عذابًا منسيًا مع كل امتلاء وإنجاب ـ الرأس ثم الأكتاف، ومن بعدها الساقان، ثم أقدام تسعى لتجد لها مكانًا ومكانة. وكثيرًا ما يموت الجنين وهو لم ير النور بعد لعدم اكتمال أعضائه، أو لأنه حمل كاذب أو لنموه خارج الرحم، أو لمناخ يفقده المناعة، وقد يلفظ أنفاسه لامتلاء الرئتين بالهواء على أرض الواقع لعدم تأهيله لصدمة اللقاء المباشر بالأجواء المحيطة، أو ربما لأنه أتى فى خلق جديد أحدث صدمة بحكم التعاطى المستمر للمألوف والمعتاد والدارج، فبات الجديد بمثابة ذنب لا يُغتفر يحق عليه الإنكار والتشفير والوأد، وإذا ما جاء ذكره عرضًا فاللعنات مجهزة ـ للعاق المارق ـ تحت الطلب.

وبعد كل هذه الخبرة فى الصحافة ودُربة الكتابة، أما زلت تنتظرين ردود فعل القراء على كتاباتك، كتصفيق الجمهور للفنان على الخشبة، أم لا تلتفتين إليها، وتكتفين برضاك عنها لحظة الانتهاء منها؟

{ لا يكتمل عملى دونما عرضه على لجان التحكيم، القراء، فالأوراق لا تُورق دون سقياها، ولا كيان لزهرة بغير شذاها، ولا فحوى لسطور دون بلوغها هدفها ومبتغاها، ولا لفعل دون رد فعل، ولا مسار لفكر دون ميدان، ولا لسطر لا يستصلح أرضا شرقانة، ولا غناء دون سميّعة، ولا مركز بلا دائرة، ولا رسالة للهواء الطلق، ولا حب بغير حبيب، ولا كانت كتابة دونما رفض أو عتاب أو استحسان. أكتب وأنتظر. أكتب لمتعتنا معًا. أكتب لى ولهم.

 وهل المحبة شرط للكتابة عن الشخصيات، لأنك تغزلين مقالاتك عنها بدقة وبلا كلل حتى تكملى صورة مبهرة للشخصية، مثل مقالاتك عن «الإمام عليّ»، أو عن الموسيقار «محمد عبد الوهاب»، أو «سلفادور دالي»، وغيرهم. وهل يمكن للكاتب أن يستمتع بالكتابة عن شخص لا يحبه؟ وهل تطاوعه الكتابة؟

{ بداخلى ممثل يُجيد تقمص الشخصية التى أكتب عنها بعدما أستوعب أبعادها وجهاتها الأربع تاريخيًا واجتماعيًا وعاطفيًا وثقافيًا وسياسيًا، ومن هُنا أحبها لشدة قربها، ولأنها تعدو معبّرة عن ذاتي/ذاتها فأجدها تحتوينى، تملؤنى، تُملى عليَِّ، تحرِّك مدادى، تستدعينى لأكتب، تلازمنى لأعبِّر، تأخذنى لأستسلم، تُجبرنى فأخضع، وألهو معها فى طفولتها، وأرقب شطحات مراهقتها، وأُمنطّق قفزات شرخ شبابها، وأذهب معها لآخر المشوار، وأسألها متى وأين وكيف وهل؟ ولكنى أبدًا لا أسأل فى حوارى معها ذاك السؤال المتجنى «لماذا؟»، فشخصياتى غير مطلوب منها تبرير أفعالها، وأنا آخذها كلها على بعضها بحلوها ومرها، بأزهارها وأشواكها، بعسلها وصبّارها، بسكونها وثوراتها، بصمتها وضجيجها، ببراءتها وطغيانها، بجدواها وقلّة حيلتها، بحيويتها ومواتها، بخمودها وبراكينها، بقشرتها وأغوارها، بمسامها ومساميرها، ببكائياتها وأشجانها، بآهاتها ومزاميرها، بصقيعها وحرائقها، بأمها وأبيها، بالخلق من حولها، بملائكتها وشططها، بغرقها وشطآنها، آخذها بالراحة والمهاودة والصبر والطبطبة وتقبيل الجبين والرأس والعين، آخذها بالأحضان وعلى أجنحة الطير ووسائد ريش النعام ورجع البلابل ونسيم الفجر ونهاوند الكمان ودعاء الكروان. أما إذا. لم يتم مع أى من الشخصيات خيط الوصال. أجدنى حيالها جدباء مقطوع عنى الماء والهواء. ألاقينى تجاهها مشفرة سلبية التلبية، وجميع آذان استشعارى محروقة أطرافها، والمحبة معدومة والمُبدع المطروح لا يصلنى إبداعه. أدرك أن الإرسال مقطوع تمامًا وإلى أجل غير مسمى. ساعتها أضع القلم. و..بلاها الكتابة!!

مع الأديب العالمى باولو كويلو

هل يمكن أن تحرمك «فكرة مقالة» من النوم، أو توقظك، أو تأتيك فى الحلم مثلا؟ وهل حدث لك هذا؟ وكيف تتعاملين مع أرق الكتابة، وهل تكون الكتابة الحل الوحيد للتخلص منه؟ وهل يمكن نفض الفكرة والانصراف عنها؟

{ السيدة نفيسة رضى الله عنها جاءتنى فى الحلم فاستيقظت بشوق بالغ لزيارة ضريحها والكتابة عنها، وكنت على يقين مسبقًا بعدم وجود أى مراجع عنها فى مكتبتى، لكنى بمجرد الاقتراب من رفوف الكتب وجدته لدهشتى مطلا من بينها خارجًا من الصف دونًا عن الآخرين، وكأنه يستدعينى، وفتحته بوجل شديد لأجده كتابًا محتواه كل ما قيل حول نفيسة العِلم بنت الحسن ابن الإمام عليّ بن أبى طالب. وكتبت عنها وزرت ضريحها وغدوت واحدة من ملايين محبيها.. و..عمومًا فإن النوم عليّ عزيز.. والفكرة ما أن تُعشِّش تغدو وسادتى شوكًا، وسلطان النوم يخلع عمامته وقلنسوته وتاجه وطربوشه وقبعته. وعندما أستسلم لقلمى أغدو فى رحابه نِعم الأسيرة الطيّعة الغلبانة المحرومة فى سجنه من أمانها وأمنها، المتخشِّبة فى حضرته تحت المطر والطلّ، المزروعة تحت إمرته فى مهب الريح، المقرورة بسحبه تيار الكهرباء منها إليه، الغارقة فى السحاب السابحة فى الجو.

عندما أغلق باب مكتبى لأصاحب القلم، لا أكون أنا، ولا يكون ردى هو الرد، أو طبيعتى على طبيعتها، أو هندامى كما ينبغى، أو تجاوبى مثلما سبق، أو كان حضورى قائمًا، أو غيابى له وزن، أو أمومتى لها أجنحة، أو صحبتى لها طعم، أو كيانى له وزن، أو وقتى مِلك يمينى أو نظرى ثاقبًا، أو رأيى فى محله، أو رادارى استشعار، أو نبوءتى صادقة، أو لسانى حصانى، أو سلامى أشواق، أو ابتسامتى حبور، أو حضورى حضور.. معذرة يا ابنى يا أختى يا خالى يا عمى يا صاحبى يا حبيبى يا جارى يا رفيق الدِّرب، أنا مش أنا، أنا كنت هنا ومشيت وبكرة جاية تانى. إلى أن أكتب الخاتمة. دعواتكم أن يُحسن الله عبارتى وخاتمتى.

كتبت القصة القصيرة بجانب المقالة، ليقول عنك د. يوسف إدريس: «إذا كانت عندهم فرانسواز ساجان فتوجد فى مصر سناء البيسي». ألم تتهيبى كتابة هذا الفن وسط رموزه المعروفين، وهل شجعك أحد منهم حين نشرت إبداعك فى المرات الأولي؟ وهل تعدد الفروع والثمار من سمات جيلكم وحدكم، أو أنها عابرة للأجيال مع اختلاف الظروف؟

{ القصة القصيرة كتبتها ولم تزل تسرق قلمى، لكننى أغلق عليها جانبًا لتسيّد المقال الذى بلغ الآلاف. ودائمًا يحتوينى الشعور بأنه لا شخص ما أو مخلوق على وجه الأرض لا يصلح لأن يكون بطلا لقصة قصيرة تحضرنى فى الحال بدايتها مع تركى نهايتها مفتوحة، فكل ما حولنا فى تغيُّر وبلا ثبات، إن لم يكن اليوم فغدًا أو بعد غد. وعندما مكثت أعوامًا طويلة أكتب أسبوعيًا فى الأهرام قصة قصيرة تحت عنوان هو وهى التى تحول بعضها إلى مسلسل تليفزيونى بطولة سعاد حسنى وأحمد زكى الذى قال لى أمام الجميع إنه لو تُرك لاختياره لظل يقوم فقط وإلى ما لا نهاية ببطولات جديدة من قصص من هذا المسلسل الثرى وبعدها عرضت عليّ إحدى الجهات الفنية التفرغ لمدة عام كامل واستضافتى بأحد الفنادق الكبرى، وبمقابل مبلغ ضخم لكتابة ما يجود به القلم من القصص لتحويلها إلى مسلسلات، فرفضت قيود الإلزام ومكانة الطير داخل قفص ذهب، ومبلغ لست أعرف إذا ما كنت سأوفيه حقه تبعًا لطبيعة تخاصم الروتين، ولا تعرف متى وأين وكيف تغدو غزالتها رايقة للكتابة!!

ونشرت لى مجموعات القصة القصيرة «امرأة لكل العصور» و«فى الهواء الطلق» و«الكلام المباح» و«الكلام الساكت» و«مصر يا ولاد» و«أموت وأفهم» التى كتب الأستاذ الكبير أنيس منصور مقدمة طويلة لها عام 2002 جاء فى بعض سطورها المشعة حول شخصيات القصص:«الشخصيات فى أعمال سناء البيسى من نوع خاص، لأن المؤلفة من طراز خاص، أسلوبها خاص، متميز، ليس له نظير فى الأدب العربى المعاصر، وإذا قرأته لن تخطئ فى أن تعرف من أين جاء، ومن هى صاحبة التوقيع فى النهاية». وأضاف: «إن لها أسلوبًا أدبيا رقيقا هامسًا فياضًا ينساب فى وحشية من أول القصة إلى آخرها حتى ليصبح من الصعب عليك أن تلاحقها، وإنما تجرى وراءها وقد امتلأت أذناك بالموسيقى وعيناك بالصور، فقد انفردت بمثل هذا الأسلوب الأدبى بين الرجال والنساء».

أما عن سؤالك حول تعدد الفروع والثمار والشعور بالهيبة فى طرق المجال بين الرموز المعروفة، فتجربتى فى القصة كانت بلا سبق إصرار ولا ترصد، وبلا تخطيط، وتبعًا للإلهام والإطار والمكان والزمان والانجذاب والبوح والفضول. ثم إذا كنت يومًا ما نبتة، ففى الغد بموهبتى وإصرارى أغدو غصنًا وبعدها شجرة وارفة ثم غابة غنّاء تقاوم التصحر والفناء.

مع الأستاذين مصطفى أمين وإبراهيم سعده

وكيف تكتبين قصة قصيرة لا يكون بطلها هو أو هى، بل أى كائن كما تقولين؟

{ لقد كتب الأديب الروسى «نيكولاى جوجول» قصته الشهيرة «المعطف» عام 1842، وتدور حول معطف رجل يدعى «أكاكى أكاكفيتش» وقال «دوستويفسكي»:«كلنا خرجنا من معطف جوجول». وفى القرآن الكريم جاء فى سورة البقرة قوله تعالي: «إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها»، فالأمثال القرآنية تضرب فى مخلوقات صغيرة يعتقد الناس ضعفها وحقارتها وقلة شأنها، وهو تفكير ساذج، فالحقيقة أن تلك المخلوقات عظيمة الخلق، عجيبة التفاصيل، لكل منها معجزة، وربما احتوت فى تفاصيل خلقها على أعضاء وأجهزة أعقد بكثير جدًا من المخلوقات الكبيرة، فالبعوضة على سبيل المثال لها لسان وشفتان وأكثر من فك، وفى صدرها ثلاثة قلوب، لكل قلب أذينان وبطينان، وتمتلك جهاز رادار ومستقبلات حرارية لا تمتلكها أحدث الطائرات، وفى تركيبها جهاز لتحليل الدم، فليس كل دم يناسبها، ولديها معمل للتخدير بحيث لا يُشعر النائم بالألم لحظة لسعة خرطومها لسحب الدم إلا ما بعد عملية النقل التى تقوم خلالها بتمييعه ليتيسر له المرور عبر خرطومها الدقيق، وللطرافة ـ كما يقال عن بعضهن ـ أن البعوضة الأنثى وحدها مصّاصة الدماء، أما الذكر فطبيعته طيبة مسالمة، وحدث ولا حرج عن معجزة النظر عند ذلك المخلوق التافه، فكل عين من العينين بداخلها آلاف من العدسات المرتبة صفوفا هندسية لتجعل الرؤية تفوق الإنسان بالكثير. وبعيدًا عن «هو وهي»، لدينا «كليلة ودمنة» وقصصها تدور فى عالم الحيوان. وألم يقع على عاتق حمار الحكيم مجمل آرائه الفلسفية، وأليست هناك أفلام كاملة أبطالها من الكلاب الناطقة، وفى أحدث أفلام هوليوود التى نالت جائزة الأوسكار هذا العام يلعب الدب دبدوب القطنى دورًا رئيسيًا بين طاقم الممثلين البشر، وكان حصان الحنطور رفيق «عبد المنعم مدبولي» فى فيلم «مولد يا دنيا» ليغنى له: «زمان وكان ياما كان.. كان الزمان صاحبى، أيام ما كان إنسان..».. وتجولت ريشة الفنان سلفادور دالى إلى السريالية فى فيلم سينمائى من داخل حقنة دواء فى الوريد لتسجل دراميًا عملية ضخ الدماء فى الأوردة والشرايين والقلب وتوزيعها على المخ والأطراف ليقوم المريض على حيله ويمشى مشوار حياته!!

البيسى بريشة زوجها الفنان: مــنير كنعـان

لماذا خص الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ «نصف الدنيا» فى عهدك بنشر قصصه الشهيرة الأخيرة «أحلام فترة النقاهة» هل لثقته فى شخصك وتاريخك المهنى، ورواج المجلة وقتها، حين كانت الأوسع انتشارا وتوزيعا، أم لأسباب غير تلك؟ وما تفاصيل الاتفاق بينكما على النشر التى لا نعرفها إلى الآن، وهل ناقش معك المقابل المادى لنشر قصصه، أم ترك الأمر كله لثقته فيك وتقديرك وحدك؟

{ عندما بدأت الشروع فى إصدار «نصف الدنيا» ذهبت إليه بحكم المعرفة والمودة الكبيرة التى حزتها بصداقتى الحميمة بأحد أضلع الحرافيش وهو الكاتب الساخر محمد عفيفى الذى كان يروى الكثير عما يدور فى محيط الجلسات التاريخية التى ضمت بجانبهما النجم أحمد مظهر وعادل كامل والمخرج توفيق صالح والكاتب الكبير أحمد بهاء الدين والعبقرى صلاح جاهين.الجلسات التى أينعت من أعمال محفوظ الخالدة ثرثرة على النيل والسمان والخريف وميرامار. وعدنى نجيب محفوظ وكان بالوعد وفيًا طوال حياته، بأن تكون «نصف الدنيا» وحدها من يعهد إليها بنشر جميع أعماله القادمة، وكتب لنا العديد من القصص القصيرة، ثم أتت فاجعة الاعتداء الإرهابى عليه الذى ترك أثره المزلزل على أصابع الكف المعطاء فتوقف جريان نهر الإبداع عن صفحاتنا لفترة، إلى أن أرسل لى يومًا بخط أصابعه المصابة باقة من الترنيمات أطلق عليها اسم «الأغاني» فعهدت للفنان «العناني» برسم لوحاته لتُزيَّن الصفحات فى عودة حميدة لمن حفظه الله لنا، وبعدها تواكبت «أحلام فترة النقاهة» التى قام برسم لوحاتها الفنان «محمد حجي» فى عناق إبداعات الفرشاة والقلم. وظلت جميع الصحف والمجلات الأدبية فى مصر والعالم العربى تحسدنا على دُرّة تاجنا على صفحاتنا حتى الحلم رقم 146 عندما أُقصيت عن القلم عام 2005، فتركت الجمل بما حمل ليواكبنى فى الانحسار صاحب نوبل الذى مضى يكتب أحلامه لا للنشر وإنما ليوسدها درج مكتبه الذى أطلق عليه اسم «درج الست سناء» وهذا ما جاءنى بصوته الكريم فى تسجيل أهدانيه الكاتب الصديق «محمد سلماوي» وفيه يقرظنى كاتبى العظيم بما يرفعنى لعنان السماء ـ ومكثت الأحلام فى غياهب الدرج تسع سنوات إلى أن قامت كريمتا الأديب فاطمة وأم كلثوم لتعيدا ترتيب أوراق الوالد من بعد وفاة الأم فاكتشفنا تلك الثروة الأدبية التى لا تقدر بمال فعهدنا بها إلى دار الشروق ليطلب منى صاحبها الأستاذ «إبراهيم المعلم» كتابة مقدمتها بمثل ما قمت به مسبقًا عندما قام بنشر الأحلام التى ظهرت على صفحات «نصف الدنيا» فى كتاب خاص، وكان محفوظ قد اشترط قبل توقيع عقد النشر بحضور الأستاذ «محمد حسنين هيكل» ألا يكتب مقدمة الكتاب سواى، ولهذا اتبع المعلم وصية الكاتب فيما اكتشف من أحلام جديدة لأكتب مقدمتى الجديدة بعنوان مفعم بالشجن «العودة إليه».

وتسألنى عن المقابل المادى لروائعه التى كان يُرسلها لى على يد سكرتيره الأستاذ صبرى فى ظرف حكومى كبير تتوسطه تحياته مع توقيعه العالمى الذى تسبقه كلمة «المخلص» ـ ومازلت محتفظة بالعديد من تلك الأظرف ـ فأبدًا لم يسألنى مقابلا، إلا أنه بحال من الأحوال لم يكن يتعدى الـ300 جنيه شهريا، بأوامر من رئيس مجلس الإدارة. وكان طيب الثرى والصيت والقول والفعل يردد:«ملاليم الست سناء عندى أفضل من ملايين تأتينى من خارج مصر».


لك اهتمام كبير بالفن التشكيلى أيضًا، قمت برسم العديد من اللوحات، ولك كتابات نقدية مشهودة ومتعددة فى الفن التشكيلى، وكنت زوجة الفنان الكبير الراحل «منير كنعان» رحمه الله، فلأى مدى لعب التشكيل دوره فى حياتك، فهل مازلت ترسمين؟ وما أهم انحيازاتك الفنية؟ وهل هذا كان سبب إصرارك على توضيب صفحات «نصف الدنيا» بنفسك كما رأيت بعيني؟

{ حكايتى مع الفن بدأت منذ الطفولة عندما استشعر والدى موهبتنا فى الرسم أنا وشقيقتى آمال فاستعان بصديقه الفنان الحسين فوزى ليصقل تلك الموهبة بدروس متتابعة، وكنا أيامها نحتفظ برسوم الفنانين فى المجلات والصحف المختلفة كل منهم فى ألبوم خاص، وأذكر منهم كنعان وبيكار وجمال كامل وعزيزة وسميحة وديفيد رايت ومن رسامى الكاريكاتير صاروخان وبرنى وبرنار وكان كنعان على رأسهم والذى شاء القدر أن ألاقيه على الطبيعة لأغدو تلميذته فى الرسم من أولى جامعة ثم زوجته ثم أم ابنه الوحيد، وعلى مدى سنوات العمر لم أنقطع عن اللوحة والفرشاة بجوار القلم، وكنت فى شرخ الشباب قد أقمت معرضًا لأعمالى افتتحه الدكتور عبد القادر حاتم، وبعده آخر افتتحه الأستاذ يوسف السباعى، ومعرضًا فى واشنطن عندما كنت أعمل كخبيرة فى البنك الدولى.

وحول انحيازى الفنى فهو لجميع مدارسه الفنية المختلفة، ومن هنا جاء حرصى أينما اتسع لى الوقت للكتابة النقدية عن رموز المحلية والعالمية، وقد قاربت على الانتهاء من إعداد موسوعة فنية فى مجلد كبير يضم أكثر من خمسين فنانًا مع نماذج ملونة من أعمالهم، بعدما لمست ندرة المؤلفات والمراجع حول الفن التشكيلى بالعربية، وأيضًا أقوم الآن بالإعداد لإقامة معرض لأعمالى التى ازدحم بها مرسمى ولم تر النور بعد. أما عن مشاركتى مسبقًا الفنان القدير الدكتور «عادل صبري» المدير الفنى لنصف الدنيا فى رسم صفحات المجلة، فذلك لاهتمامى بكل صغيرة وكبيرة فى العمل وخاصة المظهر والرونق إلى جانب المخبر بالطبع ناشدة الجمال. والكمال لله وحده.


أتذكر جيدًا مقالتك عن «سلفادور دالي» الذى بدا أنك مفتونة بأعماله، ومندهشة لأحواله العجائبية، فلأى مدى شغلتك أعمال الفنانين الكبار وحياتهم، وهل هناك فاصل بين الفنان وأعماله بتقديرك؟ هل تستمتعين بعمل فنان سيئ الخلق؟ أم ليست هناك علاقة؟

{ لنترك حكاية فنان سييء الخلق هذه جانبًا، فما ننشده هو إبداع الفنان الذى يتركه من بعده لننعم به ويضيء متاحفنا وجدران بيوتنا، وإذا ما كان سلفادور دالى أهم فنان فى القرن العشرين قد قام فى حياته بتصرفات تدعو للعجب فذلك جزء من شخصيته الاستعراضية التى أطال فيها شاربه ليصل قوساه إلى عينيه، ويفتح معرضًا له مرتدياً بدلة غوص، ويملأ سيارته الرولز البيضاء بخمسمائة زهرة قرنبيط ليقودها من إسبانيا لباريس الخ. لكن دالى نفسه كتب أقوالا فى مجال الفن تعد منهجًا ومرجعًا مثاليًا فى الفن التشكيلى. وعمومًا فإن مجال الحُكم على تصرفات فنان ما وأخلاقياته يحكمه الكثير بحكم الزمان والمكان والإطار والعادات والرعاية والنجاحات ودرجات الاكتفاء والعوز المادى. وفى تلك النقطة بالذات كان من رأى الفنان كنعان أن جموح الفنان ومفاجآته وخروجه عن الصندوق والنص كلها جميعها تكون داخل عمله الفنى، أما حياته الشخصية والعائلية وعلاقته بالمجتمع فلابد من أن تكون طبيعية وبلا خروج عن المألوف.

تكتبين أحيانًا فى موضوعات سياسية آمنة، مثل مقالتك «الكردى المخذول» وكأنك انتهزت فرصة إهداء الكاتب «فؤاد مطر» روايته عنه إليك، فهل اختيار مثل هذه الموضوعات يكون لاعتبارات ما لديك؟

{ من الواضح أنك لم تقرأ لى «غير الآمن» أيضًا!.. ثانيا إذا ما كنت قد قمت بعرض كتاب مهم لكاتب مهم مثل فؤاد مطر، فهذا ليس معناه أننى آخذ موقفه، بدليل أنه قد سبق له أن أرسل لى فى القاهرة من بيروت بروفات كتابه عن الرئيس السادات لأكتب له مقدمته، فلما وجدت فى المحتوى تجنيَا على صانع مجد أكتوبر الذى أفخر دائمًا بالكتابة الإيجابية عنه، اعتذرت عن مقدمة الكتاب، فما كان ممن يحترم الرأى الآخر إلا أن يضم كتابه من بعد النشر مقالا لى أمدح فيه السادات على غير النسق الذى جاء فى بقية الصفحات.

أما بخصوص تعليقى على الكتاب المذكور فهو من منطلق تعاطفى مع شعب تعرض للعديد من المحن، ليس فقط فى العراق وإنما فى كل من سوريا وتركيا وإيران التى تقوم بشكل مستمر بالهجوم عليه بالصواريخ والطائرات بواسطة الحرس الثورى الإيرانى والهجمات التركية، وكيف لا أكتب عن الكردى المخذول وأنا كمصرية فى الرايحة والجاية عيونى على قلعة صلاح الدين الأيوبى الكردى مؤسس الدولة الأيوبية فى مصر، والذى حرر بيت المقدس ووحد العرب. ولا يخفى لا أحد التعاطف المصرى مع الحالة الكردية خاصة من بعد مذبحة الأكراد على يد صدام حسين بالأسلحة الكيماوية، ومن وجهة نظرى أن العراق الموحد هو حدود العالم العربى الشرقية، وأبدًا لا يترك مخيلتى هارون الرشيد والعصر الذهبى للدولة العباسية ورموزها فى العراق، وإن تسليط الضوء على معاناة الأكراد والاعتداء الوحشى على إقليم كردستان يصب فى مصلحة سيادة العراق بهدف استقراره ووحدة أراضيه، وأبلغ مثال لذلك الآن أن الرئيس الحالى من أصل كردى.

قلت ذات مقالة: «مادام العم سام يمحو فى الليل معسول الكلام الذى يقوله فى النهار، ومن دون أن يرف له جفن». لِم تهتمين بموقف العم سام، أم كانت مصادفة؟

{ وكيف لا أهتم أنا وغيرى والعالم أجمع بالعم سام متمثلا فى الولايات المتحدة الأمريكية!!! وقد عملت زمنا كمستشارة للبنك الدولى فى واشنطن واقتربت من الشعب الأمريكى ولى عدة صداقات فيه، ولمست عن قُرب أوجه التشابه الكبيرة بين الشعبين المصرى والأمريكى متمثلة فى حضور البديهة وخفة الظل وحميمية الصداقة. أما فيما يتعلق بالسياسة المتأرجحة دومًا فهذه قضية أخرى قال فيها السادات بأن 99 ٪ من أوراق اللعب كلها فى يد أمريكا، وأتى مبارك ليقول بل كلها فى يدها وبما أن علاقتنا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة على امتداد أربعين عاما فلا بأس بالترحيب بعسل نهارات العم سام، وشجب ما قد يأتى به المساء. ثم إنك يا سيدى لم تفصح عن مكان ولا زمان ولا سياق كتابتى لهذه المقولة التى ابتسرتها بتعنت وابتلعت رأسها، وواريت نهايتها التراب دونما معرفة بقصدها الآنى أو مقصدها التالى مثل «لا تقربوا الصلاة» و«اقرأ الحادثة» أو زعقة الحاجب «محكمة». وإننى لأراك هنا قد نهشت ما بين السطور لتعرضه فى ثوب الحرج بما يتماشى مع وجهة نظر مسبقة، ولم تأخذ فى الاعتبار أن مثل تلك الجملة قد تكون فى سياق فقرة عاطفية يعد فيها الواد ميمو الأمريكانى حبيبته بزبدة الكلام تحت ضوء القمر، وتطلع عليه شمس النهار يسيح!

هل تكتبين مذكراتك الآن وهى مهمة للكثيرين، وتسعدنا؟ أم لا تزال فكرة فى ذهنك؟ أم لا تفكرين فيها؟ وإذا كانت قيد التنفيذ فهل يمكن أن تنشريها مسلسلة قبل جمعها فى كتاب؟

{ مذكراتى معروضة على الساحة من خلال كل كلمة وجملة وفقرة وموضوع ومقال وقصة كتبتها، ففى كل منها جزء من حياتى وأيامى وأهلى وناسى وصداقاتى ومعارفى ورموزى وكوابيسى وأحلامى وأمانى ودينى وإيمانى، وكلنا يعيش الآن زمن التكنولوجيا تحت المجهر والأقمار والرادارات والتتبع والتسجيل والرصد ووسائل الاتصال والكاميرا المعلنة والخفية، فليس هناك ما أخفيه لأكشفه أو أغلقه لأفتحه، أو أنتشله لأعرضه، أو أؤجله لحين ميسرة. وقسمًا بالله أننى الآن أفاجأ بما قد سقط سهوًا من دقائق حياتى يذكره الآخرون برخامة وصلف على وسائل الاتصال. لذا فالاعتماد على قلمى لسرد مذكراتى غير مأمون الجوانب ولا هو كالنقش على الحجر محفور على جدران الذاكرة التى ساحت مثل الشيكولاتة وراحت مطرح ما راحت!!

مؤكد أن أهم شخص فى حياتك ابنك «هشام كنعان» فهل تعتبرينه أفضل ما كتبتيه على الإطلاق، أم أنه أفضل من كل الكتابات، وكيف تتفاعلين مع أحفادك، وكيف تتفاهمين مع اهتماماتهم التكنولوجية بحكم ثقافة جيلهم، وهل منهم من يهتم بالكتابة والصحافة مثلك؟

{ هشام ابنى وصديقى ومؤنسى ومنقذى وعابر بى مسافات الآلام والمحن لبر السلام، وأبدًا لم أقم بكتابته، فقد شغلنى عنه العمل كثيرًا وطويلا فاعتمد على نفسه ليصنع رجلا عصاميًا مثقفًا وطنيًا واعيًا متدينًا كريمًا منحنى هدية عمرى، الأحفاد، الذين ورثوا حنان أبيهم وسِعة صدره، فيأخذون بيدى الآن فى مجاهل التكنولوجيا ويصبرون على ترددى وأخطائى كتلميذة متوطنة فى سنة أولى، فى مجال الفن ورث حفيدى عمر جده الفنان منير كنعان لأظنه سيخلفه إبداعًا وموقعًا، وعاشقة أنا لحفيدتى نورا الدارسة لعلم النفس والقارئة النهمة التى تراسل مؤلف الكتاب على بُعد قارات ليُجيبها باهتمام لإدراكه وعيها لما بين سطوره فى المجالات المختلفة.

 

 

 

رابط دائم: 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق