رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

يوم من أمشير

علا عبدالمنعم

تسليمات شيخ الجامع تنبئ بانتهاء الصلاة فتأهبت وقد اتخذت وضعًا يوحى بالتهالك واتشحت بالوجه الذى يدفع كل من يراه لأن يَدُسَّ يده فى جيبه ويخرج ما قسم به الله ويسارع ليخبئه بين جنبات يديها المتصنعة للمسكنة، لا أستطيع منع عينيّ من مراقبتها ولا أدرى لذلك دافعًا منطقيًا وأتحرق شوقا للحظة التى يطلب فيها عمى منى أن أذهب إليها لإحضار الجنيهات المعدنية التى تحصلت عليها قبل مغادرتها مكانها الذى تحتله دائما فى وقت الصلاة للتسول، تحصيهم بحركة آلية، بينما عيونها الحاضنَّة لا تفتأ أن تمارس هوايتها القديمة معى وكأنها تدعونى لترك العالم كله والمضى معها إلى ما لا أعلمه أو أدرك كنهه لكنها تعرفه تمام المعرفة.

وكعادتى لا أنتبه لما تحصيه أمامى فقط أعطيها ما تطلبه وأنا كما المخدر أو الصوفى المجذوب الذى يدور فى فلك منفصل عن كل ما يحيطه من عوالم وأكوان ومثل كل مرة يؤنبنى عمى ويخصم المبلغ الناقص من راتبى على أمل أن يساهم عقابه فى زيادة انتباهى وتركيزى، أشاهدها بينما تنصرف وقد تعمدت أن تتهادى وتتمايل وكأنها ترانى بعين ثبتتها فى ظهرها فتخبرها بعينىّ اللتين كادتا أن تخرجا من محجريهما وقد تصبب العرق من كل جسمى وانتابتنى رعدة دائما ما أرى ابتسامتها الماكرة عندما تلاحظها، أعرف أنها ستعود مع تكبيرات صلاة العصر قبل أن تستقر فى وقت المغرب والعشاء عند بوابة المسجد الكبير الواقع فى وسط المدينة.

كانت العاصفة بالخارج شديدة كما المعركة الحامية الوطيس وقد قرر الربيع أن يركل الشتاء بكل تبعاته فأرسل إليه رياح أمشير العاتية وقد كنست فى طريقها كل ما وجدته من رمال وأتربة وأكياس بلاستيكية ملقاة فى الطرقات وحملته لطبقات السماء حتى لايمكن للواقف فى شرفة منزله أن يمسك إحداها بكل يسر وسهولة، استغلت انشغال زوجة عمى بجمع الغسيل المنشور على الحبال حتى لا تفسده الأتربة العالقة فى الهواء وحملت طفلها الوادع فى مهده وخرجت على أطراف أصابعى بعد أن جمعت بعض ملابسى على عجل فى إحدى الحقائب الصغيرة ومضيت فى طريقى وقد وجهت وجهى شطرها، وكأننى ضربت لها موعدا وأنا لا أدرى فقد وجدتها فى انتظارى رغم أننى قد تأخرت عن موعد انصرافها بساعة كاملة وقد بدأت السماء فى الإفصاح عما تحمله بعد أن ناءت به فتساقط المطر علينا بوابل كبير القطرات، كانت تعلم بأن التسكع على الطرقات يستهوينى كما تبهرنى فكرة أن يأتينى المال وأنا فى مكانى لا أحرك ساكنا ولذلك كنت لها مكسبا كبيرا لمعت عيناها بشدة عندما رأته وقد أُلْقيَ فى حجرها بلا تعب أو مشقة وقد جاء حاملا فى معيته رضيعا كأداة جديدة لمكسب أكبر.

رغم الخطين الأزرقين المتعامدين فى رسغها كانت تتعمد أن تتشح بنقاب أسود ولا أدرى هل كان اتقاءً لعيون ربما تعرفها أم رغبة فى كسب أكبر من أمام مساجد تدرك بذكائها الفطرى أن معظم من يخرجون منها لا يجذبهم ويدفعهم للتعاطف إلا كل خدَّاع كاذب، لكنى ورغم كامل إدراكى لحقيقتها انجذبت لها وربما أحببتها وقد فضحتنى عيناى كثيرا أمامها حتى بات لا سر لى فى حضرتها تلك التى ما إن ترانى حتى أفقد القدرة على النطق بينما هى تبتسم بعد أن قرأت كل ما جال بعقلى وافصحت به قسماتى، أنتبه على صوت سيارة الشرطة من شرودى لاكتشف اختفاءها وكل من كان معها فى المكان بينما أنا من ضُبِطَ متلبسا بجرمه وسرقته، وفى قسم الشرطة وأمام الضابط المختص وقفت وقد بلل المطر رأسى وملابسى بينما الصغير الذى دثَّرته قبل هروبها فى كيس بلاستيكى كبير فقد بقى على حاله جافا بغير سوء وقد ارتسمت على قسمات وجهه ابتسامة ماكرة ورغم عدم إجادته بعد للكلام إلا أن إشارة من إصبع الضابط أنطقته فحكى واستفاض فى قصِّه بكل ما كان منى ومنها وأنا أنظر إليه وقد اتسعت عيناى فى ذهول وقد تدلى لسانى وفقدت القدرة على النطق ولم يقطع تلك الحالة إلا ذلك المحقق الذى ختم كلامه بعبارة « وشهد شاهد من أهلها»، قالها فعاد الرضيع لطبيعته بينما أنا من ظل على حاله وقد أطبق عليّ الصمت وشخصت عيونى بينما الكل من حولى عاديون وكأنهم لم يلفتهم ذلك الذى نطق بغير سابقة كلام.

يلتفت إليّ الضابط وقد بدأ فى توجيه اتهاماته مشيرا بيده إلى أحد العساكر ليقودنى إلى الحجز الملحق بالقسم، فى طريقى للخروج ألمحها وقد جلست فى مكان مميز وكأنها شاهدة وليست كباقى المتهمين مثلى بالتسول والتستر على جريمة اختطاف الطفل، تتلاقى عيوننا فتضحك وتشيح بوجهها عنى وكأن نظراتى تعيقها عن إكمال حديثها المهم، أصرخ بصوت عالٍ علَّ الضابط ينتبه لى فأخبره بحقيقتها لكنه لا يسمعنى أو لنقل يتجاهلنى فكيف لا يسمعنى وقد وصلت صرخاتى لبعضهم وبدأوا فى التفاعل مع صوتى المزعج بتبادل الركلات واللكمات والعجيب أن الرضيع كان أحد من يوجهون اللكمات إلى وجهى لكن صفعة على قفاى جعلتنى أنتبه وأتوجه برأسى كلها ناحيته، كان عمى يصرخ فى وجهى بعد تكرار إتيانى بنقود منقوصة من تلك المتسولة كعادتى بينما أنا أصرخ وأهتف أنها من دعتنى للتسول معها وكانت بجوارى وقت وصول الشرطة للمكان، كان صوتى عاليا لدرجة جفل معها الرضيع المستكين على صدر أمه فجعلته يتوقف عن الرضاعة ويغوص فى نوبة من الصراخ بصوت ربما أعلى من صراخى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق