رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ألمانيا فوق «برميل بارود اجتماعى»

رسالة فرانكفورت أحمد عبد المقصود

عنوان هذه الرسالة مقتبس حرفيا من تصريح المستشار الألمانى أولاف شولتس للقناة الأولى الألمانية ARD فى وقت سابق، تصريح يعكس مدى القلق الذى تشعر به الحكومة من ردود أفعال المواطنين على الارتفاع غير المسبوق لأسعار غاز التدفئة للمنازل بشكل قد يؤدى الى عجز شريحة كبيرة من المواطنين عن دفع فواتير استهلاكها.

وبالرغم من تراجع شولتس عن هذا التصريح « المخيف» وتأكيده، أنه لا يتوقع «حصول اضطرابات اجتماعية عنيفة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، لأنه بلد مزدهر يقدم الرعاية الاجتماعية لمواطنيه» فإن ذلك لا يمكن بأى حال من الأحوال ان يغير حقيقة تخوف الحكومة والأحزاب وجميع القوى السياسية من حدوث احتجاجات يستغلها اليمين المتطرف بالتلاعب فى بوصلة توجهها ليجعلها أكثر عنفا.

وذلك لأن جميع القوى وعلى اختلاف توجهاتها تعلم جيدا أن أسعار الكهرباء والغاز سوف تتضاعف بشكل مخيف بحلول شتاء عام 2022، وقد تصل على حد تعبير شولتس نفسه إلى بضع مئات من «اليوروهات» وهذا ما يجعل السياسيين الألمان على المستوى الاتحادى ومستوى الولايات يشعرون بالقلق بسبب تقلص إمدادات الغاز الروسى ويدرس هؤلاء اتخاذ إجراءات بعيدة المدى لتوفير الطاقة من خلال وقف إنارة الشوارع وخفض درجة الحرارة فى المبانى العامة. كما أنهم يناشدون المواطنين والمواطنات بشكل متزايد للحد من استهلاكهم للطاقة.

ولكن بالطبع جميع هذه الإجراءات لن تحل المشكلة ولن تؤدى إلى خفض فاتورة الغاز للمنازل والتى من المتوقع أن تصل إلى أرقام خيالية، وهذا ما عزز بالطبع فرضية احتمال وقوع احتجاجات خلال فصل الشتاء المقبل.

ويرى الخبراء هنا أن جائحة كورونا والحرب الروسية ــ الاوكرانية والتضخم أرهق الطبقة الوسطى بشكل كبير وأصبحت مهددة بالفعل بعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وهو الأمر الذى ينذر بالخطر، ويفتح المجال للشعبويين اليمنيين باستغلال الموقف وطرح أفكار جديدة تغازل بها شرائح المجتمع الواسعة والمتضررة من الأزمة الاقتصادية.

ولا تكمن الأزمة فى ارتفاع فاتورة غاز التدفئة فقط بقدر ما تكمن أيضا فى ارتفاع الأسعار بشكل عام إلى أربعة أمثالها وربما إلى غير رجعة، حيث أثرت هذه الأزمة وبشكل عنيف على قدرة الشركات الألمانية على المنافسة أمام الشركات الصينية والهندية والشركات من الدول الأخرى التى تحصل على مصادر الطاقة الروسية والإيرانية وغيرها بأسعار تقل بنحو 20 إلى 30 بالمائة عن مثيلتها فى الأسواق العالمية. وبالتأكيد هذا الأمر سوف تكون له عواقب قاسية على الأيدى العاملة بهذه الشركات والتى بالتأكيد ستعمل على خفض الرواتب وتسريح عدد كبير من العاملين، ولذلك يرى كثيرون أن عواقب لا تحمد عقباها تواجه شرائح واسعة من سكان ألمانيا.

إذن نحن أمام تحول خطير ربما يؤدى الى تراجع المكتسبات الاقتصادية التى حققتها المعجزة الألمانية خلال العقود الماضية، ويؤثر على مستوى الرفاهية التى تعود عليها الشعب الألماني. المستشار أولاف شولتس أكد أن كل التوقعات تشير إلى أننا سنتمكن من العودة إلى مستوى ما قبل كورونا خلال فترة قصيرة، شريطة عدم اتساع رقعة الحرب فى أوكرانيا وحدوث انهيارات اقتصادية عالمية لا يمكن السيطرة عليها.

وبحسب خبراء الاقتصاد فإن التطورات الاقتصادية الدراماتيكية التى تشهدها ألمانيا منذ اندلاع الحرب فى أوكرانيا على صعيد ارتفاع أسعار مصادر الطاقة والمواد الأولية والأغذية تجعل التطورات المستقبلية مفتوحة على كل الاحتمالات وتهدد المزيد من الشركات بالإفلاس.

وعلى الرغم من أن الدعم الحكومى الأخير بقيمة 30 مليار يورو للنقل العام واستهلاك الطاقة خفف بعض الشيء من وطأة جنون الأسعار، فإن نطاق الخوف من الفقر وعدم القدرة على دفع فواتير الطاقة والتدفئة وتكاليف الحياة اليومية مع حلول الشتاء المقبل أضحى كابوسا يؤرق ملايين الألمان هذه الأيام.

ويزداد القلق أكثر عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وقسم كبير منها مؤسسات عائلية، والتى توفر أكثر من ثلثى فرص العمل فى ألمانيا، وقد أصبحت تقف على حافة الإفلاس بعد أن عجزت عن توفير المواد الأولية اللازمة للإنتاج بأسعار مناسبة، مما أدى إلى إحجام المواطنين عن شراء منتجاتها، وهذا بالفعل ما توقعته دراسة لمؤسسة «اليانس ترايد» والتى رصدت بدقة ارتفاع عدد الشركات التى سوف تشهر إفلاسها خلال العام الحالى لتصل الى 14600 ، ليرتفع هذا الرقم الى أكثر من 16100 شركة خلال السنة المقبلة 2023.

ويجمع المحللون على أنه لولا الدعم الحكومى بعشرات مليارات اليورو منذ اندلاع جائحة كورونا والحرب الروسية ـ الأوكرانية لكانت حالات الإفلاس أكثر وأسرع، ولكان نطاق الفقر أوسع ولأصبحت المظاهرات والاحتجاجات أمرا واقعا.

ولعل تصريح ماركوس زود رئيس ولاية بافاريا لمحطة التليفزيون الالمانية الاولى ARD حول خطر حصول فوضى بسبب إصابة الاقتصاد الالمانى «بسكتة دماغية» مما سيؤدى الى معاناة الملايين من الفقر خلال فصل الشتاء، يلخص التخوفات من وقوع اضطرابات واحتجاجات، خاصة أن الدعم الذى تقدمه الحكومة أصبح يقترب من نهايته فى ضوء الالتزامات والأعباء المتراكمة التى استنزفت احتياطات الدولة خلال فترة كورونا والحرب فى أوكرانيا.

وربما تكون معاناة المواطنين الألمان من ارتفاع الأسعار وترقبهم لما سيحدث خلال فصل الشتاء المقبل فى ظل الارتفاع الجنونى لاسعار غاز التدفئة، وراء تراجع شعبية المستشار شولتس فى احدث استطلاع للرأى أجراه معهد «إينسا» لقياس مؤشرات الرأى ، على عينة من ١٠٠٢ مواطن بتفويض من صحيفة «بيلد أم دونتاج» الألمانية الأسبوعية، حيث أعرب نحو 62% عن عدم رضاهم عن أداء شولتس، مقابل 25% فقط أدلوا بتقييم إيجابي،وبحسب بيانات صحيفة «بيلد أم زونتاج» فقد تراجع بذلك تقييم الألمان لشولتس، عن استطلاع شهر مارس الماضى، الذى حصل فيه على نسبة عالية من رضاء الألمان عن سياسته حيث بلغت نحو 46%.

يبدو أن ردود أفعال المواطنين الألمان خلال فصل الشتاء المقبل أصبحت محل قلق لدى الحكومة الألمانية، وبالتأكيد هناك بعض الجهات تعمل بكل جهدها لدراسة الموقف، ولكن المؤكد ان الجميع يراهن على وعى الشعب الالمانى الذى لديه قناعة بأن حكومته لن تخذله ولن تتركه وحيدا فى مواجهة أزمة لا قبل لهم بها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق