رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طلاق

عبدالرحيم عبدالهادى

ما العمل؟ رأسى فارغة، ويملؤنى الغيظ الشديد، أنظر للباب ومن ورائه الشارع، حذرتنى زوجتى كثيرا من تركى الباب مفتوحا وأنا أعمل، «قد يدخل منه قط أو فأر، ويلبد لك فى المكتب» تركته مفتوحا ودخل لى منه فجأة من هو أكبر منهما، وجدته يقف أمامى مبتسما، «فاكرنى يا مولانا» «طبعا يا عريس» «عريس إيه بس، أنا هنا للطلاق» «ليه يا ابنى أنتم كملتم السنة؟» «سبعة أشهر والله يا مولانا لكن ابويا مصمم على خروجها من البيت وبعتنى أشوفك موجود فى المكتب».. «وانت فين رأيك؟» «أنا فى عرضك يا مولانا، من غيرها أموت، بس يكون فى علمك أنا ما أقدر أقوله لأ، لو قال لى طلقها هطلقها، ولو قال لى أمضى فى الدفتر همضى، شوف لى أى مخرج، بس والنبى الحاج ما يطلقنى منها، وأحلفك بالله، الحاج ما يعرف حاجة عن الكلام ده يا مولانا» «لا ما تشلش هم، سأتصرف» «ربنا يخليك لنا» يمسك يدى وينحنى محاولا تقبيلها، أسحبها منه سريعا، يرفع صوته وهو مملوء بالفرح «أنا مروّح أقول له إن مولانا موجود فى المكتب» اختفى فجأة كما ظهر فجأة، حتى إننى لم أتبين إلى أى أتجاه ذهب، لا أعرف ما الذى أوحلت نفسى فيه، ما العمل الآن؟ هل أغلق المكتب؟ أأجعل الأولاد يجيبون أى طارق بأنى غير موجود؟ هل أضحك على نفسى، أم أضحك على من؟ إذا أوقعوا الطلاق عند مأذون أى بلدة أخرى، سأكون مشاركا فى الإثم، خلافا على أن الولد سيملأ البلد كلاما بأننى تخليت عنه، ابن الـ....... عليه أن يتصرف، إن كان يريدها فليحارب، أو على الأقل يحارب معى.

- السلام عليكم يا مولانا

هو مرة أخرى يدخل من الباب، يغمز لى بعينه وهو يتقدم الجميع، ابن الـ.... يفرض على الحرب ويخرج منها، يدخلون وراءه وهم يلقون السلام، فى الركن بجوار الباب، تجلس الزوجة على أول كرسى يقابلها، يجلس أبو الزوج أمامى على المكتب مباشرة، والزوج خلفه، أهز رأسى مرحبا بهم، أنظر للرجل: - خيرا يا حاج؟

يشير بيده – عاوز أطلق ابنى من البنت دى

أنظر ناحية الزوجة، تتجاهل النظر إليه وهو يشير ناحيتها، وتنظر لى، أضحك محاولا كسر التوتر وأنا أقول:

– بسرعة كده يا حاج! لسه الأولاد بيتعرفوا على بعض، لازم نصبر عليهم.

- البيت هيولع إذا الطلاق ما تمش.

صوته بدأ يعلو مع كل كلمة يقولها، والزوجة تستمر فى النظر إليّ، هل أخبرها الولد باتفاقنا؟ ابن..... لم أعد أجد له شتائم فى قاموسى،

- وحد الله فى قلبك يا حاج واهدى،..... قبل أى حاجة، فين أهلها؟

- احنا نعرف لها أهل؟ احنا منتظرين المسئول عنها،

- لا داعى لهذا الكلام يا حاج.

- يا مولانا حضرتك ناسى؟ وقت العقد أخوالها تهربوا من وكالتها.

أنظر إليه بغضب، فيتوقف عن الكلام وينظر للفراغ، يصمت الكل وينظرون للأرض، الوحيدة هى التى رفعت رأسها، تنقل نظراتها بين زوجها وبينى، هل تبعث برسائل إليه وإليّ؟ هل اتفقا عليّ؟ يلمح الرجل ابنه ينظر إليها، يحرك وجهه بين الاثنين، يثبت نظراته فى ناحيتها، فتشيح بوجهها عنه، تقول بصوت عال «أف الجو حار جدا هنا» ينظر الرجل إليّ وكأنه يقول لى» شاهد يا مولانا، أقول بصوت مرتفع

ربنا يهدى الجميع، قل لى يا حاج مش هى قادرة على شغل البيت، ومكفياه فى كل طلباته؟

- من غير ما نخش فى تفاصيل يا مولانا، بتنقل كلام بين الحريم والبيت خلاص النار شبت فيه.

- السلام عليكم، خير يا جماعة.

يلقيها الرجل الداخل علينا موجها كلامه إلى أبى الزوج:

- لا سلام ولا كلام، انتم بلتونا بالهم.

أرد مقاطعا الكلام وعليكم السلام اتفضل اقعد يا أسطى؟

يجلس الرجل وهو يقول نحقق فى الكلام، ولو بنتنا غلطانة نكسر رأسها.

ترد الزوجة بحدة انا بغلط يا خالى؟ ما انت عارف إنى عمرى ما بغلط؟

- عارف يا بنتى.

يمد أبو الزوج يده وهو يحركها بعلامة أخرج ما معك وهو يقول:

- شبعنا تحقيقات فى البيت، والكلام خلص، القائمة معاك؟

يهز الآخر رأسه وهو يخرجها من جيبه، يضعها أمامى على المكتب، ينظر فى عينى

- أمانة معاك لحد ما نرضيهم على بعض

يرجع الزوج بظهره على الكرسى، ينظر لى من خلف أبيه، شفتاه تتحركان ببعض كلمات، فأشيح عنه وأنا أرسم على وجهى الضيق منه، أنظر لزوجته، أجدها تتابعنا وعلى وجهها قلق، أقول بصوت عال موجها كلامى للجميع:

- وحدوا الله يا جماعة إن شاء الله الأولاد لسه لهم لقمة عيش مع بعض.

يرد أبو الزوج بغضب شديد: لا يمكن تعتب باب البيت أبدا

ألمح نظرات التحدى فى عيون الزوجة، تشجعنى نظراتها، أقول وأنا أشير ناحيتها: موضوع الطلاق ملك الأولاد، والقرار لهم، كلنا حتى أنت يا حاج خارج الموضوع.

تتغير نظرات الزوجة إلى الثقة، ألمح شبح ابتسامة فى عينيها، أكمل كلامى وأقول: دى حياتهم وهم أدرى بها.

ينظر الرجل مرة أخرى إلى خال الزوجة ــ وهو يشير بيده علامة القطع ــ ابنى أنا ادرى بمصلحته وبيتى وأنا أدرى به.

يزفر الخال طبعا يا حاج وأنت الكبير وواجب عليك من غلط تعلمه الصح تتحرك الزوجة فى وضعها وتجلس على طرف الكرسى، تقول بصوت حاد مقاطعة خالها

- البيت بيتك صحيح، وتقدر تطرد الكبير قبل الصغير، إنما ما لكش حكم علىّ، واحنا مش هنطلق

- احنا!!.... أنتم مين؟ ابنى كلامه من دماغه.

يلتفت لابنه: ارم عليها اليمين

أنتفض واقفا، أضع يدى على فم الزوج، وأنا أهمس لهما:

- اصبر يا حاج، انت فاهم بتعمل ايه؟ كده الطلاق يبقى رجعى والزوجة تقدر تشتكيكم فى المحكمة.

يزيح الرجل يدى من على فم ابنه ويزعق، يمد يده كأنه سيضربه:

- ارم عليها اليمين

ينكمش الزوج فى الكرسى وهو يقول:

- أنت تؤمر يا حاج، بس بالله عليك اسمع كلام مولانا، احنا مش حمل محاكم.

أهمس مرة أخرى فى أذن الرجل وأنا أضغط على ذراعه: صحيح هى تقدر تبهدلكم فى المحاكم.

أرفع صوتى مرة أخرى إذا كان حتما فيه طلاق، نبقى نخرج من بعض بالمعروف، ولازم نتراضى والطلاق يكون على الإبراء.. أعود للجلوس على المكتب، مشيرا لأبى الزوج أن يجلس فى مكانه، أوجه كلامى لخال الزوجة

- معانا يا خال

يهز رأسه، أنظر للزوجة

- يا ست الكل وجودك هنا معناه أن يتم الطلاق على الإبراء، انت موافقة؟ وقبل ما تقولى إنك موافقة، انت فاهمة يعنى إيه الطلاق على الإبراء؟

- يعنى ايه الطلاق على الابراء يا عم الشيخ؟

- يا ست الكل عند الطلاق الزوجة لها ثلاثة حقوق أولهم المؤخر

يقاطعنى أبو الزوج مش مكتوب فى القسيمة مؤخر

أتجاهله وأكمل ونفقة المتعة ونفقة العدة، وبوجودك هنا ستتنازلين عن كل شىء وعن فلوس كثيرة، أنت موافقة........

تقاطعنى مفيش نوع اجرجرهم به فى المحاكم يا مولانا؟

لم أستطع أن أكتم ضحكتى، أحاول بترها، وأتكلم بجدية مع خالها.

- فهم بنتكم إننا فى طلاق مش فى لعبة.

- يا حبيبة خالك أنت لازم تعرفى، إنك من ساعة ما خرجتى من بيت أهلك وأهل عريسك هم أهلك، أبوه أبوك، وأمه أمك، وبيتهم بقى بيتك، وواجب عليك إنك تراضيهم وربنا فى كتابه العزيز بيقول.......

- يا خالى أنا أعرفهم أكثر منك، كمل لو سمحت يا مولانا أنواع الطلاق.

- الطلاق الرجعى يا ست الكل، ويحصل لما أنت ترفضى الطلاق تماما.

- وأنا رافضة الطلاق يا عم الشيخ، واذا كان أبوه عاوز يطلقنى منه يسلمنى قائمتى بالكامل، ودهبى بالجرام، وكفاية إنى ما شفت يوم عدل فى بيته.

يهجم الرجل على ابنه، وهو يزعق بكل ما فيه من قوة:

- سامع كلامها، عاوز دليل أكبر من كده.

تنزل الضربات على وجه الزوج، أقفز ممسكا ذراعيه، ندفعه أنا والخال بعيدا عن ابنه، بالقوة نجلسه على كرسى بعيدا عنه، لحظات ويهدأ صدره، يبعد أيدينا عنه وهو يهز رأسه بعلامة أنه أكتفى وسيهدأ، تتقدم الزوجة ناحية زوجها، ووجهها يحمل فزعا، ينّزل الزوج رأسه وينظر للأرض، أقول بصوت حاسم:

- يا ابنتى كلامك قفل الموضوع، وبكده الكل يروح لبيته ونفضها سيرة.

ينتش أبو الزوج قائمة المنقولات من على المكتب، أنتزعها منه قبل أن يضعها فى جيبه، أزعق فيه: عيب يا حاج دى فى عهدتى.

لا يجد الرجل ما يقوله، فيغادر المكتب وهو يقسم بصوت عال: والله ما تبات فى فرشتها الليلة.

يخرج الزوج وراءه مباشرة، يشير لزوجته علامة أنه سيكلمها فى التليفون، أعطى القائمة للخال، تشكرنى الزوجة، تخرج وهى تشير لى هل تغلق باب المكتب وراءها؟ أهز رأسى بالموافقة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق