رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

على عبد الخالق… حياة تشـبه «أغنية على الممر»

علا الشافعى
على عبدالخالق

  • «أغنية على الممر» تجربة ملهمة وفريدة في السينما المصرية.. أعطت دروسًا أهمها الرغبة في العمل والإخلاص والصدق
  • حمل كاميراه على كتفه هو وأبناء جيله من جماعة «السينما الجديدة» وصرخوا: «سنقاوم ولن نتوقف»
  • لم يستسلم لحظة لهزيمة يونيو.. وتسلح بالمقاومة بعد استيعاب الصدمة




كانت المقاومة بكل أشكالها هى سبيله الوحيدة إلى الحياة، وكان ذلك هو أهم درس يستخلصه كل من يقرأ أو يتعرف إلى مشواره السينمائى عن قرب… إنه المخرج الكبير على عبد الخالق (1944 - 2022)، أحد الحالمين من جيل ثورة يوليو، الذين تشكل وعيهم وعاشوا مرحلة الصبا والشباب مع الحلم الكبير، ونشوة الانتصارات، وكانوا جزءًا من تحولات مجتمعية كبرى، وكذلك عانوا وجع الانكسار.

..........................

لم يكن عبد الخالق واحدًا ممن استسلموا لتلك الحالة، بل عرف منذ اللحظة الأولى وبعد أن استوعب الصدمة، أن المقاومة هى السلاح الوحيد.. حمل كاميراه على كتفه، هو وأبناء جيله من جماعة «السينما الجديدة» الذين صرخوا جميعًا «سنقاوم ولن نتوقف».. وأعتقد أن مخرجنا المبدع الكبير صاحب الإنجازات المتنوعة ظل مقاومًا للحظات الأخيرة.

لا أعرف عدد المرات التى بكيت فيها كلما شاهدت فيلمه المتفرد البديع «أغنية على الممر» الذى أنتج عام 1972.. أتأمل تلك الحالة الإنسانية والسينمائية الخالصة.. تلك القدرة الباهرة لرواية الحرب والبشر من خلال هذا الممر الضيق الذى انعزل فيه خمسة جنود مصريين عن باقى الجيش المصرى بعد الانسحاب من سيناء فى حرب الخامس من يونيو 1967.. كيف عزفوا تلك الأنشودة الحزينة.. كيف كان ذلك الممر الضيق يشبه خشبة مسرح مليئة بالحركة والصخب والهدوء، وبنفس السلاسة نراه شريطًا سينمائيًا شديد الثراء والغنى..

عندما نقول إن الفيلم «متفرد» ليس فقط لتميزه على المستوى الدرامى والبصرى، ولكن لظروف إنتاجه وتفاصيل عرضه، فنحن أمام نص مسرحى للكاتب على سالم من فصل واحد.. ملامح أبطاله أقرب إلى أبطال الملاحم.. الظروف التى يجدون أنفسهم فيها هى أجواء ملحمية دون مبالغة.. خمسة جنود من أبطال الجيش المصري: محمود مرسى، ومحمود ياسين، وأحمد مرعى، وصلاح قابيل، وصلاح السعدنى، يجدون أنفسهم فى مواجهة العدو بعد أن تقطعت بهم سبل الاتصال.. لم تصلهم أوامر الانسحاب، فكان عليهم الصمود، رغم تناقص الماء والطعام والذخيرة.. وتحت قصف دبابات وطائرات العدو، يتمسك الجنود بمكانهم.. يواجهون مصيرهم.. يجدون أنفسهم فى مواجهة العدو، وكل ما يملكونه فى سبيل تلك المواجهة أرواحهم ودماؤهم يقدمونها طواعية وحبًا لأرض الوطن.. العدو يهدد ويتوعد وأحلامهم المنكسرة وأطياف حياتهم تتراءى لهم.. تشريح كامل للمجتمع وتساؤلات حول أسباب الهزيمة.. أفكار فلسفية حول الحياة والموت والتضحية والفداء، دون لحظة ملل واحدة.. إيقاع لاهث ولحظات من الصمت تضع أبطال العمل فى مواجهة مع أنفسهم وبعضهم البعض.. لحظات من الضعف الإنسانى المبرر فى تلك الظروف.. رغبة فى النجاة، وفى المقابل إصرار على المقاومة والتمسك بالأرض رغم إغراءات العدو، ولكنهم فى النهاية هم أبناء مصر الذين ينتمون لبيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ولكنهم لم يختلفوا أبدًا على دفع الثمن، والتضحية بأرواحهم ، فى المعركة الأخيرة التى يعرفون نهايتها الحتمية، خصوصًا عندما يرفض الشاويش محمد «محمود مرسي» الاستسلام قائلا: «ما بخدش أوامر من العدو».. تلك الوجوه الخمسة التى باتت تشبه صخور سيناء المقدسة، وكأنهم تماهوا معها وأصبحوا جزءا منها، فضلوا أن تروى دماؤهم تلك الصخور. سيناريو الفيلم الذى صاغه الكاتب المخضرم الراحل مصطفى محرم بشكل جديد ومختلف عما كان يقدم فى السينما المصرية والعربية فى ذاك الوقت، قام بالربط بين «الفلاش باك» وما يحدث داخل كهف الممر وخارجه.. التناقض ما بين حياة هؤلاء الأبطال الذين بدوا وكأن الزمن قد توقف بهم عند تلك اللحظة، والمجتمع الذى يسير بشكل عادى وطبيعى.. لم يختل إيقاع الفيلم لحظة واحدة، حيث كل الأحداث التى تدور زمنيًا فى ساعة ونصف الساعة، تسير بالتوازى، كاشفة للكثير عن حاضر هذه الشخصيات وماضيها.. هذا المونتاج المتقن والتمثيل الباهر، والصورة السينمائية المختلفة و»الكادرات «النابضة بالحركة، رغم سكون المكان، وزوايا الكاميرا وضيق الكادر فى تأكيد معنى حصار أبطاله، سواء الحصار المكانى أو النفسى.. معها شريط صوت شديد الغنى والإبداع، قياسًا لظروف السينما المصرية التقنية فى هذا التوقيت.. أيضًا من اختيارات على عبد الخالق الفنية والواعية.. إننا لم نر العدو فقط، بل سمعنا صوته المليء بالوعود تارة، أو الذى يقوم بالترهيب والتهديد. المفارقة أن فيلم «أغنية على الممر» يصنف كفيلم حربى نوعيًا، لكننا لم نر إبهارًا فى عدد الآلات الحربية والمعدات العسكرية، ولا أعدادًا ضخمة من الجنود، ولا أبطالًا خارقين.. فقط «بنى آدمين» يناضلون ويقاومون من أجل الوطن.. شاهدنا الحرب والمجتمع وتحولات ما بعد الهزيمة من خلالهم، ورغم تأكدهم من استحالة النصر، لم يفكروا سوى فى التضحية.

وإذا كان «أغنية على الممر» تجربة ملهمة وفريدة فى السينما المصرية، فإن ظروف إنتاجه أيضًا تعطينا دروسًا مهمة للغاية، أهمها الرغبة فى العمل والإخلاص والصدق لأنهما الطريق للسينما الحقيقية، حيث يذكر الكاتب مصطفى محرم فى كتابه «حياتى فى السينما» أن الفيلم «صادف عقبات إنتاجية فى مؤسسة السينما، ووقتها اقترح المخرج على عبد الخالق للخروج من هذا المأزق أن تقوم جماعة «السينما الجديدة «بإنتاجه، ودعم هذا الاقتراح الناقد سمير فريد، وأضاف أن يتم ذلك بمشاركة مؤسسة السينما، وتشارك الجماعة بأجور العاملين فى الفيلم، وقامت المؤسسة وقتها بتقديم قيمة تكاليف الفيلم، وتم دفع 25% من الأجور، ثم بدأت مع المخرج فى مقابلة الممثلين وترشيح الأدوار. والمفارقة أن الفنان الراحل أحمد مظهر كان مرشحًا لدور الشاويش محمد ولكنه رفض اعتراضًا على أن يقوم بإطلاق النار على العدو أحد أفراد الموقع وليس هو الضابط القديم فى الجيش والمعروف بفروسيته ودقة التصويب بالأسلحة». ويضيف محرم: «حاولنا أن نقنعه بأنه لا يمثل شخصيته، وإنما شخصية الشاويش محمد، ولكنه أصر على التغيير، فاعتذرنا له، ثم جاء الاختيار على محمود مرسى، ومحمود ياسين، وصلاح قابيل، وصلاح السعدنى، وأحمد مرعى، ووافقوا جميعًا، وتم دفع 400 جنيه لعلى سالم ثمنًا للمسرحية». تكلف الفيلم 19 ألف جنيه ــ بحسب تصريحات تليفزيونية سابقة للمخرج على عبد الخالق ــ حيث حكى عن كواليس فيلم «أغنية على الممر» مشيرًا إلى أنه كانت توجد سيارات إسعاف بجانب دور عرض فيلم أغنية على الممر، بسبب حالات الإغماء لتأثر الجمهور. لافتًا إلى أن أجور الفنانين فى فيلم «أغنية على الممر» كانت قليلة جدًا مقارنة بالوقت الحالى، مشيرا إلى أن الفنان محمود مرسى حصل على أعلى أجر فى فيلم أغنية على الممر وهو 4 آلاف جنيه، واستغرق عرض الفيلم فى سينما ديانا نحو 8 أسابيع بدعاية ضخمة من النقاد والكتاب، ولم يكتب عن فيلم مصرى فى تاريخ السينما مثلما كتب عن هذا الفيلم، حتى إن المقالات فى بعض الأحيان كانت تتصدر الصفحة الأولى من الجريدة، وأتى لمشاهدته وزير الحربية الفريق محمد صادق، وسيد مرعى، وعبد القادر حاتم، فى عرض خاص بسينما ريفولى، وحصل الفيلم على عِدّة جوائز محليّة ودولية أهمها جائزة مهرجان كارلو فيفارى الدولى. وصارت أغنيته « تعيشى يا ضحكة مصر أبكى.. أنزف.. أموت، وتعيشى يا ضحكة مصر.. وتعيش يا نيل يا طيب.. وتعيش يا نسيم العصر» التى كتبها الراحل عبد الرحمن الأبنودى، واحدة من أهم الأغانى الوطنية. ولن نبالغ إذا قلنا إنها صارت مرادفًا لمعنى الوفاء والتضحية.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق