رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرية الفكر فى عالم «أديب نوبل»

مصطفى بيومى

يمثل الفكر الليبرالى محطة مهمة فى تاريخ الحضارة الإنسانية، ذلك أنه ينادى بحرية العقيدة والتفكير العلمى والإبداع، ويرى أن النظام السياسى المثالى هو ذلك الذى يعلى من حق الإنسان فى اختيار ما يروقه بلا قهر أو اضطهاد.

................................

فى «رحلة ابن فطومة»، يصل الرحالة المسلم قنديل محمد العنابى إلى «دار الحلبة»، التى تمثل النظام الرأسمالى بكل ما فيه من سمات وملامح، وفى الصدارة تقديس حرية الفكر وتراجع المؤثر الدينى. بعد فترة قصيرة من وصوله، يسمع قنديل صوت الأذان فيتوهم أنها دار إسلامية، لكن إمام المسجد يقدم شرحا لطبيعة النظام الذى لا يعرفه الرحالة من قبل: «الحلبة دار الحرية، تُمثل فيها جميع الديانات، فيها مسلمون ويهود ومسيحيون وبوذيون، بل فيها ملحدون ووثنيون».

وفى إطار هذه التعددية، تشتعل الصراعات بلا ضفاف بين أصحاب الرؤى السياسية والفكرية المختلفة، وتشهد الشوارع مظاهرات مؤيدة ومعارضة، ذلك أن الحرية المطلقة غير المقيدة قيمة مقدسة، ولا أحد يمتلك اليقين. لا يخلو الأمر من آثار جانبية سلبية بطبيعة الحال، لكن المنهج السائد هو الأفضل فيما يتعلق بحرية الفكر، وهو ما يعبر عنه الوفدى رضا حمادة، فى «المرايا»، بقوله: «الليبرالية هى آخر كلمة مقدسة فى تاريخ الإنسان السياسى».

<<

وفى الحكاية رقم «73» من «حكايات حارتنا»، يتوقف الراوى أمام شخصية مصطفى الدهشورى، ابن السقاء الذى يعمل مدرسا، والموصوف بأنه من «القلة الراسخة فى العلم فى حارتنا».

صداقة المدرس مع والد الراوى تتيح له أن يعبر عن الكثير مما يعتمل فى أعماقه، وتفضى إلى التعرف على جملة الهواجس والشكوك التى تسكنه. المحور الأساس يتمثل فى السؤال البسيط المراوغ: «ما معنى الحياة؟»، بكل ما يترتب على السؤال من تداعيات. الإجابات التقليدية الموروثة لا تقنع الدهشورى ولا ترضيه، ومصير الكائن البشرى يزعجه ويؤرقه، ومن هنا تتوالى الأسئلة الكاشفة عن الحيرة والقلق والشك.

هل يتسع المجتمع التقليدى المحافظ لرجل مثل المدرس المثقف الذى يمارس حقه المشروع فى التفكير؟. حديثه عن الإبداع والإرادة والاقتراب من الكمال، واستشهاده بعمر الخيام وأبى نواس، يتغافل حقيقة لا ينبغى إهمالها أو نسيانها، يعبر عنها الأب فى حدة مبررة: «أهل حارتنا غارقون فى هموم الحياة اليومية، يطحنهم الفقر والجهل والبطش والعداوة».

كيف للعاديين والبسطاء من الناس، الغارقين فى طوفان الهموم المادية اليومية، وهم الأغلبية الساحقة، أن يرتقوا إلى المرتبة التى يراودها الدهشورى؟. إنه ظاهرة استثنائية فى واقع لا يتسع لأمثاله من أصحاب الأفكار الفلسفية المعقدة، المجافية بنخبويتها لمعطيات الحياة اليومية. لا مصادرة، على الصعيد النظرى، لحقه فى التفكير، والمدرس نفسه يعى الأزمة ويتسلح بالحذر والحرص فلا يبشر علانية بأفكاره الغرائبية، لكن القليل الذى يتسرب منها إلى الناس يشوه سمعته ويثير اللغط: «يُفصل بسببه من وظيفته وتتجهمه الحياة فى حارتنا».

الازدراء الشعبى عقوبة اجتماعية، والفصل من الوظيفة قرار سياسى يمثل ردعا عنيفا لأفكار محدودة الانتشار والتأثير، والتهمة هى مخالفة السائد المستقر.

<<

ويتسع عالم نجيب محفوظ لعدد من ضحايا المجاهرة بالأفكار والرؤى التى تخالف الكتلة الشعبية العريضة، منطلقين فى مواقفهم المهلكة هذه من إيمانهم بحرية الفكر.

الدكتور إبراهيم عقل، فى «المرايا»، واحد من هؤلاء. عقلية فذة يمكن أن تقود ثورة فكرية فى الحياة الثقافية المصرية، تتعرض للإجهاض المبكر بفعل وشاية يرددها شخص لا خلاق له زاعما بطعن الدكتور فى الإسلام عبر رسالة الدكتوراة التى قدمها للسوربون. تشتد الحملات على الرجل، وتعلو الأصوات مطالبة بفصله من الجامعة: «واهتز الدكتور من جذوره حيال الحملة العاتية، ولم يكن ذا طبيعة مقاتلة، ولا قِبل له بتحدى الرأى العام». ويستسلم إبراهيم عقل ويتراجع ويسير فى الركب التقليدى، ذلك أن المناخ السياسى والثقافى يضع سدودا وعوائق أمام حرية الفكر والإبداع، وليس ميسورا أن يقوى أصحاب المبادئ المغايرة على الصمود فى مواجهة التيار العارم المتمثل فى السلطتين السياسية والاجتماعية معا.

ومصير أكثر قسوة يواجهه غريب عدنان فى قصة «أسرة أناخ عليها الدهر»، مجموعة «الشيطان يعظ». يقرر الرجل ذو الثقافة الفرنسية أن يكون حر التفكير، وينشر كتابا عن الدين المقارن ينتهى به إلى السجن وفقدان الوظيفة، وتتعرض أسرته بعد موته للتشرد والضياع.

السلطة السياسية لا تحتكر العقاب الرادع، وليس أدل على ذلك من كتمان كمال عبدالجواد، فى «قصر الشوق»، لأفكاره المتمردة خشية إغضاب والديه، ولاتغيب مخاوفه، فى «السكرية»، عندما ينشر مقالاته الفلسفية فى مجلة «الفكر»: «وكان يخاف هذه المرة الناظر والمدرسين أن يسألوه عما يعرض فيها من فلسفات قديمة وحديثة تنقد أحيانا العقائد والأخلاق بما لا يتفق ومسئولية المدرس».

هل يمكن للمثقف المسكون بالخوف على هذا النحو المريع أن يكون فاعلا مؤثرا؟.

<<

فى «يوم قُتل الزعيم»، يذهب سليمان مبارك إلى أن الأزمة الحقيقية للمجتمع المصرى، التى تقود إلى اغتيال السادات فى حادث المنصة، تنبع من غياب حرية الفكر، فعندئذ يستشرى التعصب المقيت ويغيب التسامح. يقول لابنته رندة: «البلد مريض بالتعصب يا رندة، أين أيام «لماذا أنا ملحد؟». يريدون أن يرجعونا أربعة عشر قرنا إلى الوراء».

الكتاب الذى يشير إليه سليمان: «لماذا أنا ملحد؟»، ينشره الدكتور إسماعيل أدهم فى نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، وينبرى معارضوه للرد عليه بالكتب والمقالات، دون أن يلحق به الأذى. المسألة هنا لا تتعلق بالكتاب المثير للجدل، لكنها فى المناخ الذى يستوعب المخالفين ويتسم بالكثير من التسامح.

أين تلك الأيام؟، وهل يمكن استعادتها وإحراز المزيد من التقدم فى ساحة حرية الفكر؟.

هذا هو السؤال!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق