رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبد الحميد الديب.. شاعر أضاعه العبث!

محمـد بركـة
عبدالحميد الديب

إذا أردت أن تلقن أحدهم درسا مستفادا فى تضييع الموهبة الساطعة وسفك دم الإبداع مجانا على أبواب الليل ودروب العبث وشوارع اللامعقول، فليس عليك سوى عرض موجز حياة الشاعر الكبير عبد الحميد الديب التى تعد نموذجا عظيما فى إهدار مشروع إبداعى مدهش!

ولد الرجل فى شهر يوليو من عام 1898، أى أنه عاصر طه حسين وعباس العقاد و زكى مبارك وعبد القادر المازنى، وبينما استقر الحال بهؤلاء الرواد فى سماوات المجد، لم يبق من «الديب» سوى صرخات فى فضاء الشكوى والبؤس والنقمة على كل شىء حتى بلغ به الحال أن يردد :

يا رجال الفن و الشعر الرصين

لعن الله أباكم أجمعين!

صحيح أن الرجل كان ينتمى لعائلة فقيرة تتبع «كمشيش» فى محافظة المنوفية، لكن متى كان الفقر عائقا عن قطف النجوم من سماوات العظمة؟ كان أبوه يعمل مربيا للمواشى وتاجرا للحوم، لكن مكسبه كان موسميا يعتمد على المواسم والأعياد بحكم واقع الفلاحين الاقتصادى البائس فى ظل الاحتلال البريطانى. أرسل الأب ابنه إلى المعهد الدينى بالإسكندرية ، فقد كان يحلم بأن يصبح ابنه يوما «شيخ عمود» فى الأزهر، أى يلتف الطلبة حول عمود يُعرف باسمه فى الجامع.

فى عروس البحر المتوسط، استسلم الشاب الموهوب لنغمة المظلومية وأن الحياة لم تنصفه بسبب المبلغ الشهرى البسيط الذى كان يرسله له الأب ليعينه على نفقات «الغربة». لقد كان موهوبا بالسليقة، ونهل من أشعار المتنبى وأبى نواس والمعرى وابن الرومى، لكنه وجد نفسه أكثر فى أشعار رثاء الذات والبكاء على ظلم الدنيا وكأن الكون يتآمر عليه، فنراه يقول وهو دون العشرين:

أنا لا أرى فـى شـبــابيَ لذة

لهــفـى على مرحِ الشبابِ وعُجبـهِ

مـن كـان توءمَـهُ الشقـاءُ وصنـْوَهُ

فشـبـابُهُ حـربٌ عليهِ كـشَـيْـبـِهِ!

هذه الموهبة المتفجرة كان ينقصها شىء من العزيمة والكثير من الإيمان، أن يؤمن المبدع بنفسه أولا فيجتهد ويطالع و يثرى فطرته الإبداعية، لكن صاحبنا استقر به المقام طالبا فى كلية «دار العلوم» ليس حبا فى موادها التى تميل للتراث و اللغة والآداب وإنما سعيا وراء مكافأة شهرية تمنحها الكلية لطلبتها.

لم يطل الأمد بالرجل، فسرعان ما توفى عام 1943 عن عمر يناهز الخامسة والأربعين لتنتهى حياة مليئة بالصعلكة والتشرد و الأزمات المالية التى لا تنتهى دون أن يسعى صاحبها لتحسين وضعه الاجتماعى.

وبدلا من البحث عن كرامة العيش، نراه يعلن فلسفته العبثية فى تلك الأبيات الشهيرة:

دع الشكوى وهات الكأس نسكر

ودعـك مـن الزمـان إذا تـنكّر

وهـام بـى الأسى والبؤس حتى

كـأنـى عـبـلة والبـؤس عـنـتـر

ولم يكن غريبا أن تنتهى حياته بدخول مستشفى الأمراض العقلية والسجن أكثر من مرة بتهم متنوعة منها الامتناع عن سداد الدين، فضلا عن السكر والعربدة. ويكفى ما قاله عنه صديقه «فتحى رضوان» فى كتابه «عصر ورجال»: كان كسولاً يكره العمل ويضيق بالنظام والرتابة، ويعشق التجوال، ولم يكن يصبر ليُتِمّ عملاً، حتى على نظم شعره»!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق