رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أوبرا «عمر».. حكاية أمريكية صميمة

واشنطن ــ فايزة المصرى

تمثل تجارة العبيد مصدر إلهام للعديد من الأعمال الأدبية والفنية التى تتناول تجارب ضحايا هذه التجارة، من تحولوا فجأة من حياة الحرية إلى ذل الاستعباد، يُباعون ويُشترون ويصيرون ملكية شخصية لأناس آخرين. ومن أحدث تلك الأعمال، أوبرا «عمر» التى تم عرضها مؤخرا ضمن مهرجان «سبوليتو» بولاية ساوث كارولاينا. ولعل ما يجعل هذا العمل أكثر تفردا وتأثيرا أنه مستوحى من قصة حقيقية كتبها صاحبها، واسمه «عمر بن سعيد»، بخط يده باللغة العربية.

كغيره من المستعبدين، كان «عمر» يعيش حرا فيما يُعرف اليوم بدولة السنغال، قبل أن يقع فى شباك تُجار العبيد عام 1807 ويُشحن على متن سفينة عبر المحيط الأطلنطى إلى ولاية ساوث كارولاينا على الساحل الشرقى للولايات المتحدة. يشتريه سيد فظ، غليظ القلب يُسخره فى العمل فى مزرعته الشاسعة. كره «عمر» هذا العمل ووجده شاقا، إذ لم تكن له خبرة فى الزراعة بل كان فقيها فى بلاده. ولا يجد «عمر» مخرجا من واقعه المؤلم سوى الفرار، فيهرب إلى ولاية نورث كارولاينا، لكنهم يلقون القبض عليه ويودعونه السجن. وحيدا فى زنزانته، يجد «عمر» السلوى فى آيات القرآن، فيبدأ فى كتابتها على الجدران. لفت خطه الانتباه إلى أنه عبد متميز، يعرف القراءة والكتابة بلغة أجنبية. وعندما يباع مرة أخرى يشتريه سيد من أسرة «أوين» التى ينتمى إليها حاكم الولاية آنذاك. ويبدو أن معرفة «عمر» للغة العربية وتقواه كانا موضع إعجاب مالكه الجديد الذى أكرم مثواه وعامله معاملة طيبة، كما طلب منه أن يكتب حكايته، فكتب «عمر» قصته فى مخطوطة عام 1831.

هذه المخطوطة ظلت فى بيت عائلة «أوين» تتوارثها الأجيال حتى اختفت، ثم ظهرت حوالى عام 1925، عندما بيعت فى مزاد علني، فاشتراها رئيس جمعية العملات التاريخية. وبعد حوالى سبعين عاما، بيعت المخطوطة ضمن وثائق أخرى عُثر عليها فى خزانة خشبية ببيته بعد وفاته، فاشتراها فى أواخر التسعينيات هاو آخر للمقتنيات العتيقة من أصل إفريقي. لم يكن المالك الجديد يعرف اللغة العربية، لكنه ظن أن للوثيقة قيمة تاريخية، فأهداها لجامعة هارفارد. وهناك انتهت المخطوطة على مكتب أستاذ الأدب الإنجليزى الدكتور علاء عدنان الريس، حيث كان عليه التحقق من المخطوطة والتعرف على كاتبها وترجمتها من العربية إلى الإنجليزية، وأول مشروع يقوم به الدكتور «الريس» بعد حصوله على درجة الدكتوراه فى الأدب الإنجليزى من هارفارد. كانت قصة حياة هذا الشخص الذى قضى معظم سنى عمره مستعبدا موضوع الكتاب، «مستعبد أمريكى مسلم: السيرة الذاتية لعمر بن سعيد»، من تأليف الدكتور «الريس» الذى تمت الاستعانة به أيضا كمستشار لمشروع هذه الأوبرا. وعن ملاحظاته على المخطوطة عندما وقعت عليها عيناه أول مرة، يقول الدكتور «الريس»: «لفت نظرى لغة المخطوطة. فقد كتبها «عمر» بعد حوالى 24 سنة من حياته فى أسر العبودية فى أمريكا، ويبدو أن طول هذه الفترة التى لم يكن يتحدث خلالها العربية أضعفت إلى حد ما من اتقانه للغة. لكنه مع ذلك لم ينس الكثير من تفاصيل حياته قبل الاستعباد بل ضمنها فى المخطوطة. ومن ذلك مثلا أنه أمضى الخمسة والعشرين عاما الأولى من حياته فى طلب العلم والدراسة، بل وقد دون أسماء المعلمين الذين درس على أيديهم. من المفارقات أن السجن الذى أودع فيه «عمر» عقابا على محاولة هروبه من سيده الأول يبعد مائتى متر فقط عن دار الأوبرا التى عرضت فيها قصته».

من المفارقات أيضا أن «عمر»، الذى لم يتزوج، توفى عام 1864 عن عمر يناهر 94 عاما. قبل نحو عامين من إلغاء العبودية رسميا فى أمريكا عام 1865. ويوجد حاليا فى مدينة فايتفيل بولاية نورث كارولينا مسجد يحمل اسمه.

د.علاء الريس

ومن الأمور الاستثنائية أن عمر كتب فى مخطوطته آيات من القرأن الكريم، وقد وظف هذه الآيات فى سرد حكايته والتعبير عما يدور فى نفسه. يقول الدكتور «الريس»: «استخدم «عمر» آيات القرآن لأغراض معنوية ولغوية. ربما لم يكن يستطيع أن يعبر عن آرائه بطريقة صريحة ومباشرة فاستعان بآيات من القرآن الكريم. من ذلك على سبيل المثال استهلاله سرد حكايته بسورة الملك، التى تبدأ بالآية الكريمة، «تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شيء قدير.» فحوى الآية أن الله هو المالك الحقيقى لكل شيء. وعندما يستخدم شخص مستعبد هذه الآية فكأنه يقول بشكل ضمنى لمالكى العبيد، «إنكم لاتملكون ماتظنون أنكم مالكوه، لأن الملك بيد الله وحده».

ورغم أن الدكتور «الريس» كان يتابع مراحل انتاج الأوبرا بوصفه أحد المستشارين الذين تمت الاستعانة بهم لضمان مصداقية العمل ودقته من الناحية التاريخية، فإن حضوره شخصيا افتتاح الأوبرا فى مهرجان سبوليتو ترك فى نفسه انطباعات مدهشة وعميقة، يقول: «كانت جميع الاختيارات موفقة تماما. وتم توظيف كل عناصر العمل من بناء درامى وديكورات وأداء تمثيلى وموسيقى وغناء بأسلوب جميل وباهر بما أسهم فى تحويل شخصية تاريخية إلى إنسان حقيقى له حياته ومشاعره وإرادته».

قام بالتأليف الموسيقى للأوبرا كل من «مايكل ابل» و «ريانون جيدينز» ولعب البطولة التينور «جيمس ماكوركيل» الذى أدى دور «عمر». أشاد النقاد بالطريقة التى تم بها تلحين الأوبرا، من ذلك مثلا أن المؤلفة الموسيقية «جيدنز» اعتمدت على آلة البانجو فى المشاهد التى تدور أحداثها فى بلاد «عمر» البعيدة التى انتزع منها، والمشاهد التى تدور فى خياله عندما يستعيد ذكرياته هناك. نقلت نغمات هذه القيثارة بطريقة مدهشة المشاهدين إلى أجواء غرب إفريقيا بما يجسد الإحساس بالغربة والحنين. أما المشاهد التى يظهر فيها مالكو العبيد البيض فكانت تُستخدم فيها نغمات غربية سريعة الإيقاع بما يتماشى مع شخصية هؤلاء التجار وطريقة حياتهم.

ويذَّكرنا الدكتور «الريس» بأن عمليات خطف العبيد كانت تتم من خلال معارك تشنها عصابات من أهل هذه المناطق نفسها، ويهجمون خلالها على الأهالى الآمنين ويقاتلونهم ويأسرون الرقيق ثم يسلمونهم لمتعهدى الرق الذين يشحنونهم مكبلين عبر المحيط الأطلسي. الطريقة العنيفة التى انتزع بها هؤلاء المستعبدون من مناطقهم المحلية تتركهم يكابدون مشاعر الاشتياق لأوطانهم وذويهم. وقد نجح القائمون على العمل فى نقل هذه المشاعر من خلال بعض الشخصيات المتخيلة التى تمت إضافتها. من ذلك شخصية والدة «عمر» التى لم يأت هو شخصيا على ذكرها فى مخطوطته، لكننا نراها فى الأوبرا وقد قتلت خلال هجوم تجار الرقيق على البلدة، وهى المعركة التى انتهت بأسر «عمر» واقتياده لرحلة الاستعباد. ثم يتكرر ظهور الأم كطيف يلوح لـ«عمر» فى أحلامه وخياله عبر فصول الأوبرا.

ويقول الدكتور «الريس»، «أضفى ظهور شخصية الأم لمسة عاطفية مؤثرة على الأوبرا وترك لدى المشاهدين انطباعا بأن «عمر» إنسان مثلهم كانت له حياته وأناسه، من عاش معهم، من أحبوه وافتقدوا غيابه».

ويلاحظ الدكتور «الريس» أن عرض أوبرا «عمر» يأتى فى توقيت مناسب يزداد فيه الاهتمام بحركة «حياة السود تهم» التى تسلط الضوء على معاناة الأمريكيين من أصل إفريقي. وبالقياس على الاستقبال الحافل الذى لاقته الأوبرا عند عرضها فى مهرجان سبوليتو، يتوقع الدكتور «الريس» أن تحقق أوبرا «عمر» مزيدا من النجاح والشعبية عند افتتاحها فى وقت لاحق من العام الحالى فى دور الأوبرا بعدد من المدن الأخرى عبر أمريكا.

وإذا تركنا جانبا البعد التاريخي، والجوانب الإبداعية المتعددة للعمل، فإننا سنجد أن جوهر أوبرا «عمر» هو سعيه الدءوب للإبقاء على هويته وعلى تاريخه. فرغم تواطؤ القوى والظروف لانتزاع كل ما يخصه، استطاع «عمر» بإرادته أن يحافظ على ذاته. وعلى خلاف أكثر الأعمال شهرة ونجاحا فى عالم الأوبرا والتى تتمحور حول قصة حب بين فتى وفتاة يملكان الجمال والشباب، فإن سر جاذبية أوبرا «عمر» هو بطلها الذى عاش منسيا ومات شهيرا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق