رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«ذهبيات» فوق النيل.. أمجاد وأشجان على ضفاف نهر الحب

دعاء جلال

من أيام «المهدية».. حكايات تستحق أن تروى


تاريخ ثرى للعوامات النيلية ومعمارها الفريد فى مصر [صور ــ أرشيف الأهرام]

ليست مجرد عائمات ترسو فوق صفحة النيل هنا أو هناك، بل هى قطع حية من التاريخ لم تزل تتهادى على أمواج النيل الخالد وكأنها تتراقص مع هبوب نسمات نهر الحب. والتاريخ تتبدل أحواله، تزول بعض سماته ويتم استبدال غيرها بها . ولكن الاستبدال لا يعنى أبدا زوال الأثر. وهكذا هى سيرة «العوامات» التى طالما زينت جوانب عديدة

من شاطئ النيل. والعوامات لغير قاطنيها مجرد صورة أو مشهد فى عمل سينمائي. يمرون من أمامها ويتخيلون الحياة بداخلها، وكأنها حلم. وهى لغيرهم، حياة كاملة لا يعرفون غيرها، وُلدوا وعاشوا فيها. وفى كل الأحوال، وبالنسبة للجميع، فهى جزء من تاريخ قد تمر فصوله لكن لا يغيب أثره.


نجيب محفوظ عائدا إلى شاطئ النيل

كيف بدأت العوامات النيلية؟، وكيف كان أثرها على الواقع الاجتماعى والثقافى فى مصر؟. يقدم الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، ومقرر لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، وأمين عام الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، جانبا كبيرا من الإجابة. فمن خلال تصريحاته لـ«الأهرام»، أوضح بأن ظهور «العوامات» بدأ منذ فترات طويلة، فالأدلة تبرهن على وجودها مع نهاية القرن الـ13 الميلادي. ويضيف شارحا: «غرام الإنسان المصرى بالنيل دفعه للارتباط الفعلى به، فكانت بداية ظهور العوامات بهيئتها البدائية الأولى. وكانت العوامات المتحركة منها، تستمد طاقتها من الفحم. ثم تطورت صناعة العوامات، بفضل إنجازات عصر النهضة الأوروبية وما حققته من تطورات فى مجالات متعددة بلغت بأثرها جوانب العالم».

ويشير شقرة إلى مسمى «الذهبيات» الذى طالما عرفت به العوامات قديما، خاصة إذا ما كانت متحركة يمكن الانتقال بها من موقع إلى آخر. وتميزت العوامات بالرسومات الخلابة التى تزين جدرانها وتخلد معالم عزيزة وجميلة من معالم مصر، فضلا عن معمارها الفريد الذى تلعب فيه الأخشاب دورا فنيا بارزا.

وقد خُلدت بعض عوالم هذه «العوامات» فى ثلاثية الأديب نجيب محفوظ. وقد سبق وعاش محفوظ بإحدى العوامات فى الفترة من عام 1954 حتى بداية الستينيات. وجاءت أعوام تلك «الإقامة» عقب إتمامه كتابة الثلاثية بأجواء تردد شخصية «السيد أحمد عبد الجواد» على إحدى العوامات. وإن يرجح أن تجربة الإقامة المحفوظية بالعوامة، ألهمته لاحقا فى إتمام روايته «ثرثرة فوق النيل» 1966.


منيرة المهدية

وحسب تحقيق سبق ونشرته مجلة «المصور» عن «دنيا العوامات على نيل الكيت كات» فى التسعينيات، وردت تصريحات نجيب محفوظ عن تلك التجربة السكنية الخاصة، قائلا: «الحقيقة كنت سعيدا جدا بالعيش داخل العوامة. وصور الجمال والهدوء التى كنت استشعرها عندما أفتح الشباك فى الصباح واستقبل النيل وأشجار الجازورينا بألوانها البديعة». وذلك قبل أن يكشف عن أنه ما كان يتصور مغادرة منزله العائم يوما ما، لولا أن حادثة مؤسفة وقعت بغرق ابنة إحدى الأسر المجاورة لعوامة وأسرة محفوظ، ما استدعى مخاوف قرينته على بناتها، فكان قرار المغادرة.

وبالعودة إلى شقرة، يوضح أنه فى أغلب وقائع التوظيف الأدبى والسينمائى لدور «العوامة»، تم تجسيدها بأنها مكان للسهر والاحتفال، إلا إنها كانت أيضاً شاهدة على العديد من الأنشطة الوطنية والمشاريع الفنية الفارقة فى تاريخ مصر.

فمن الأشهر فى تاريخ العوامات، كانت تلك الخاصة بالراقصة بديعة مصابنى فى فترة الثلاثينيات والأربعينيات. وكذلك عوامة المطربة منيرة المهدية، المعروفة بالعوامة رقم «165» والتى كانت مصدرا شديد الأهمية لكل أخبار مصر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكان من الممكن أن يُكتب تاريخ مصر فى تلك الفترة من خلال الأحاديث واللقاءات التى كانت تتم بداخلها بين كبار الشخصيات فى المشهد المصري. ويستكمل فيقول: «ومن أشهر الفصول التاريخية التى جرت داخل العوامات، كان الفصل المتعلق بالراقصة حكمت فهمى، والتى دارت بين جوانب عوامتها الشهيرة، أشهر قضية تجسس فى عهد الحرب العالمية الثانية، والتى شهدت تورط حكمت فهمى فى دعم الجانب الألمانى ضد الإنجليز».

ولذلك يقول شقرة: «هكذا كانت العوامات دوما تتمايل على صفحة النيل وهى تحمل فصولا من التاريخ».ويختم حديثه بتأييده فكرة إزالة العوامات المتهالكة، أما العوامات التاريخية ذات السجل الحافل بالوقائع، فيقترح تحويلها إلى مراكز سياحية ومعالم تاريخية. ويضرب فى ذلك المثال بالحال فى جنوب شرق آسيا، حيث إنهم يستخدمون العوامات كأسواق عائمة، تقام بجانبها مهرجانات. كما يقترح وضع لوحات تسجل تاريخ العوامة وتسلسل قاطنيها من الشخصيات البارزة أمام كل عوامة. وكذلك أسماء الأفلام القيمة التى صُورت فيها.

مشاهد من الحياة فوق صفحة النيل


حاضر يحكى ما كان من فصول تعايش الإنسان والنيل [تصوير ــ أحمد عجمى]

تجلس وسط عدد من القطط، أصبحت هى المسئولة عنها منذ أن وطئت قدمها الأرض التى بُنيت فوقها العوامة «77» فتبتسم السيدة ذات الـ88 عاما وهى تقول: «ماتسألنيش عن سنين، أنا يادوب عارفة عمرى كام». بهذه الكلمات بدأت السيدة إخلاص إبراهيم صالح لقاءها مع «الأهرام» وهى جالسة على مقعدها المفضل فى شرفة عوامتها. وتكمل لتحكى : «هذه العوامة ليست الأولى فى حياتى، فقد وُلدت أنا وأشقائى فى عوامة أخرى كانت ملكا خاصا لأبى، فلا أعرف سكناً لى منذ مولدى سوى نهر النيل، فأنا ابنة النيل».

تضحك السيدة إخلاص وهى تتذكر أنها كانت ستغرق يوماً وهى طفلة تلهو فى شرفة عوامة والدها، والذى قفز إلى النيل لينقذها، وتستكمل كيف تزوجت ولكنها لم تنتقل أبدا للاستقرار الدائم بمنزل الزوجية. فقد اختارت وزوجها الاستقرار بعوامة والدها، إذ كان الزوج الراحل عاشقا مثلها للنيل.

فتقول: «قررنا بعد فترة بناء عوامة خاصة بنا، وبدأنا معاً رحلة البحث عن مكان والسؤال عن الإجراءات والأوراق المطلوبة، والتى كانت بدايتها اختيار الأرض ثم استخراج الرخصة، لكن توفى زوجى وبدأت أنا المشوار الصعب بمفردى، ولكننى فى النهاية استطعت الحصول على رخصتى الرى والملاحة، وحافظت على تجديدهما بصفة دورية».

وعن بناء وتصميم العوامة، تحكى السيدة الثمانينية أنها قابلت أحد النجارين أثناء عمله فى عوامة مجاورة، وطلبت منه البدء فى بناء عوامتها، وأخبرته بأنها لا حاجة لها لمهندس ديكور. تتذكر، فتقول: «أحضرت نتيجة حائط ورسمت عليها بيدى الشكل والتصميم الذى كنت أحلم به أنا وزوجى، وطلبت من النجار أن تكون الواجهة كلها من الزجاج، وجميع الغرف تطل على النيل، واخترت للعوامة لون المياه التركواز الأزرق، أما سور الشرفة فكان يحيرنى، حتى عثرت على الشكل الذى أريده عند مشاهدتى أحد المسلسلات الأجنبية فى التليفزيون، ورسمته وأعطيته لنجار لكى ينفذه. أما أطراف السقف فاخترت له الخشب البغدادى الذى دققته بيدى».


عمر كامل قضته السيدة إخلاص داخل عوامتها

ومن العوامة «77»إلى العوامة «56»، حيث استقبل الدكتور علاء الناظر مالك العوامة «الأهرام» فيحكى ذكرياته قائلا: «جدى اشترى هذه العوامة لوالدى فى فترة الأربعينيات، وأنا وُلدت وتزوجت وأنجبت أبنائى هنا، فعمر العوامة يقارب الـ 80 عاماً».

ويكمل الناظر قائلا: « هذه العوامة بنيت فى فترة العشرينيات، ولكن بعد شرائها من قبل جدى، تم تجديدها عدة مرات، ومؤخراً قمت أنا وشقيقى بعمل تجديد كامل لها، وكنا نقوم بزيارة جميع كبار السن المالكين للعوامات لكى نتعرف منهم على طريقة صنعها، وهذه العملية جعلتنى مُلما بمعلومات أساسية عن تصنيع العوامات وكيفية ثباتها على سطح المياه».

ويشرح قائلا: «يوجد عدد من الصهاريج، والصهريج عبارة عن وعاء كبير لتخزين المياه، نصفه تحت الماء، وهذا السبب فى عدم ثباتها واهتزازها قليلاً، ولتحقيق توازن للعوامة، يأتى دور الشاسيه أو «الهيكل» الحديدى، بشكل متشابك بالطول والعرض لكى يحقق التوازن، وبعد ذلك يتم وضع عروق من الخشب فوق الشاسيه بطريقة منظمة، ويوضع بعد ذلك ألواح الخشب الخاصة بالأرضية».


«الناظر» يحكى عن أسرار تشييد العوامات

والطريف فى الأمر، وفقا للناظر، أن هذه الصهاريج ليست ملتصقة بالهيكل، حيث أنه لو حدث ثقب فى الصهريج، سيكون ذلك سببا فى غرق العوامة المتصلة به، ولكى لا يحدث ذلك، فإن التصاقهما يكون فى بداية البناء فقط، وبعد الانتهاء منه تصبح العوامة هى المتحكمة فى الصهريج، ثم تأتى الخطوة الأخيرة وهى عمل التصميم الهندسى للعوامة ذاتها.

ويؤكد: «الشرفة هى حياة العوامة، فهى تمثل حوالى ثلث المساحة الكلية لها، ولذلك يكون الاهتمام بها كبيراً، ووفقاً لمالك العوامة 56 فإن صيانة العوامات لابد أن تكون بصفة دورية. وتكون عن طريق ملء الصهريج بالمياه لكى يهبط قليلا، ثم يتم شده للخارج حتى الشاطئ، لإفراغه من المياه، ونبدأ فى إزالة الصدأ من عليه ودهانه وسد أى ثقوب إن وُجدت، وذلك قبل إعادته إلى مكانه مرة أخرى».

ووفقاً للناظر، فإنه يدحض الاعتقاد السائد بأن أجواء الشتاء داخل العوامة تكون بالغة الصعوبة، موضحا أن بناء العوامات من الخشب يجعلها تحتفظ بالحرارة، مما يبعث الدفء فى أنحائها. ومن أهم الأشياء التى ارتبط بها هو وأسرته هى مراكب الصيادين، موضحا: «هؤلاء الصيادون كانوا دائماً مصدر أمان لى ولأسرتى، وأصبحنا متقاربين معهم، حتى أن والدى كان يوقفهم لشراء سمك يقومون باصطياده مخصوصا لنا».

وفى نهاية حديثه يرجو الناظر، منح فترة زمنية كافية لملاك العوامات قبل إتمام إجراءات إزالتها لترتيب أمورهم، والنظر فى الغرامات الكبيرة التى فرضت عليهم، وأخيراً دفع تعويضات للملاك لما سيصيبهم من ضرر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق