رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حليب مر

شوقى مصطفى

يقولون أن الغُسل بالحليب المرُ يسُخر الشٌيطان، أفرغت على جسدى لترين من الحليب وانتظرت أن أراه، مرت ساعة كاملة ولم أجد نارا ترمى بشرر أو دخُانا كثيفا أو طيفا أزرق برأس له قرون أو أثر أظلاف أوحوافر قذرة تخمش الأرضية، راقبت الردهة والغرف الثلاث والمرحاض، لا شيئا غير عادى، نبشت بين الكتب عَلنى أجد شيئًا.. لا شىء غير الغبار، جلست بجانب الجرامافون وأشعلت سيجارة ونفثت دخانها فى الظلام.

 


همس أنفاسه كاد يلامس شحمة أذنى، لم ينتبنى الفزع، نظرت إليه بقسوة كان يرتدى سترة إنجليزية مهترئة، ورابطة عنق منتفخة من أزمان غابرة، وقبعة سوداء فاحمة، عيونه زرقاء متلألئة تضوى بلون أرخبيل يونانى مشقوق بين جبلين، رجل ربعى الجثة ربعى الجبهة بشعر أشقر وأنف معقوف.. كانت خشخشات الجرامافون تعبئ الأجواء وصوت أديث بياف ساحرًا.. استمعنا قليلا قبل أن يباغتنى قائلا.. لا الحليب المٌر ولا النبيذ الحٌلو ولا الركوع بجوار المرحاض تجعلنى أتجلى بالظهور لبشرى من طين، ولكنى مُطلع على القلوب، وأعرف السٌر.. ما الذى أردته منى ها أنا هنا بالمادة التى خلقت منها، نار تحمل وجيعتها نار تحمل تغيظها، نار ترمى بشرر!

كنت أنفث الدُخان من منخارى وأنا فى حال إنسان أطل على الدنيا وسط كثيرين ممن اجتازوا المخاض.. قطعة خشب تمضغها الأمطار.. كانت الأفكار تنتحر فى رأسى تندفع من اللاوعى إلى الوعى المُطلق.. اعتدلت فى جلستى وقطعت الصمت بسيف الحياء، أبى آدم خرج من الجنة بخدعة ماكرة لماذا كتب علينا هذا المصير الذى صرناه، فنزلنا من الملكوت إلى الأرض، قتلة وسفاحين ونابشى قبور.. أطال التفكير وخمش فروة رأسه بسبابته قبل أن يقيدنى بنظرة واحدة من عينه اليسرى..

كانت النجفة ترتعش والإضاءة تضوى وتنطفىء وهو يصٌدح فى أذنى كالرعد حين يداعب الجبال، أنا لم أكفر قط أيها الصلصال أيها الحمأ المسنون.. أنا أول المؤمنين فى الملكوت وآخر المؤمنين فى حضرة الرب.. لو لم يبق فى الكون سوى مؤمن واحد لن يكون سواى أنا.. مغرور، كذاب، مُتمرد قلتها بصوت مبحوح وأنا أختنق.. الغرور والكذب والتمرد صفات من ذاق وعرف أحب وعشق، أنا تمردت حبا أما أنت فتمردت بغضا وجفوة وجحودا.. لولاك ما سفكنا الدما ولا أكلنا المال والتراث ولا نبشنا القبور ولا نهشنا الفروج.. لولاك.. لولاك!

أنا لست إلا مرآة مصقولة تعكس الصورة المُحرمة بداخل كل منكم، لولاى أنا لما أخذت الدنيا زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها.. أنا الفرحة واللذة والنشوة القصوى، أنا الأحزان العادية واللذة المتعدية، أنا رعشة المتعة وخٌمر العاشقين، أنا من علم المجذوب السير ملكا فى الطرقات، أنا محراب زكريا وطست يحيى، أنا الزاهد أنا المتخلى عن الأنا عن الذات أنا الذى ذاق فعرف وعرف فاغترف.. اغترف من الإفك لا تحدثنى بلسان العارفين.. كان الثقل يزداد على صدرى يعتصرنى عصرآ.. أنا من أوحى إلى العارفين وعلم المُنجمين كيف هى المداواة بلا أدوية.. أنت وهم، محض كذب وافتراء، قمر مطمور وألف شمس زائفة، تتخفى وراء القدر وتستعين بالقدرة، ولكن القدر مثل فرجار دائر لا يعرف أحد مركزه.. مثل هذا السٌر يعظم فى هذا الطريق والبحر لا يتسع لقطرة واحدة منه.. عندما سمع الصوت تمرغ على الأرضية ظل يئن ويتمرغ كالمجنون وسالت الدماء من عينيه.

ما أكثر الأرواح التى يمكن أن تدمى من مثل هذا الحزن.. إننا لا يمكننا تغيير قدرك قط، لذلك وجب عليك النواح طويلا بذل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق