رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كان يرى نفسه صيدا يشوى على السيخ.. فوق النار.. مهيأ للطهى والتقطيع
كافكا.. أكبر أكذوبة فى التاريخ الروائى

عزمى عبدالوهاب
كافكا

صورة الكاتب السوداوى غريب الأطوار رسخها صديقه الصهيونى محدود الموهبة «ماكس برود»




الصورة الشائعة عن الروائى التشيكى « فرانز كافكا» «3 يوليو 1883 3 يونيو 1924» هى صورة رجل متشائم عصابى مريض، هذه الصورة أكبر عملية احتيال فى التاريخ الروائى فى القرن العشرين، اكتشفها نقاد وروائيون، أعادوا قراءة كافكا، ووجدوا أن تلك الصورة الملفقة، أكبر أكذوبة فى التاريخ الثقافى، تم تسويقها على يدى نصاب محترف، واكتسبت مع الزمن صلابة، بسبب التكرار.

من صنع صورة كافكا الملفقة؟ إنه ماكس برود «أردأ من كتب بلغته الوطنية» كما قال الروائى التشيكى ميلان كونديرا، لكن هذه الرداءة، أثرت على المزاج العام على مدى عقود، ما يلقى ضوءا، على قدرة هذا النوع من الاحتيال على التلاعب بالعقول، ويشكل فضيحة، تمس قدرة النخبة على الفحص من جهة، وتشكل إحراجا لمن تعرضوا لكافكا، من جهة ثانية.

أصدرت «دار أقلام عربية للنشر والتوزيع» بالقاهرة «يوميات فرانز كافكا» التى ترجمها إلى العربية عماد منصور، وتتناول الفترة من 1910 إلى 1923 وهى تتداخل على نحو وثيق بين عالمين: عالم كافكا الداخلى شديد الاتساع، وفيه يسرد أحلامه وكوابيسه، وشعوره نحو أبيه، وعلاقته المعقدة به، ونحو المرأة، وإخفاقاته ونجاحاته معها، وشعوره بالعزلة والاغتراب، ونظرته إلى الآخر، وموقفه من اليهود واليهودية، ولا يخلو هذا العالم من تأملاته الشخصية.






العالم الثانى الذى تكشف عنه اليوميات، هو العالم الخارجى الذى يغص بالبورتريهات الشخصية لكل من يقابله، والوصف المكانى الموضوعى، والكثير من المسودات الأولى لقصصه ورواياته، ومشاريعه الأدبية، التى لم تكتمل، وتأثره بشخصيات تاريخية مثل جوته، وتحليله لوقائع كغزو نابليون لروسيا، ونقد لأعمال أدباء مثل تشارلز ديكنز، وصداقاته مع ماكس برود وآخرين.

تذيل اليوميات «حاشية» كتبها ماكس برود، يقول فيها: «حذفت فقرات قليلة فقط، بلا معنى، كما يبدو بسبب طبيعة الشذرات فيها، وفى معظم الحالات لم تكن تشتمل إلا على بضع كلمات، وفى حالات نادرة حذفت أشياء كانت حميمة جدا، كالنقد اللاذع تجاه أناس كثيرين، لم يكن كافكا بالتأكيد ينتوى نشره على الملأ».


ماكس برود


لم يقل ماكس برود إن الفقرات التى حذفها، كانت تخصه هو، وأن الانتقادات طالته شخصيا، فأنت عندما تكتب اليوميات، تدون عادة ما هو متعب، وبذلك يمكنك التخلص من المشاعر السلبية، أما الحالات السعيدة فلا تظهر فى هذا السياق، بل تدون فى حالات استثنائية فحسب، ويمكن القول إن اليوميات تسجل فقط ساعات الحزن الشديد.

تظهر اليوميات أكثر الأجزاء قتامة فى حياة كافكا، وتشكل وحدة أسلوبية، يدون من خلالها الأفكار الأدبية: بدايات القصص، التأملات التى ترد على خاطره، المبادئ التى ترشده، الطريقة التى ينظر بها إلى جهوده الأدبية، لمقاومة العالم العدائى، الذى يحيط به، والوظيفة المكروهة الشاقة والمرهقة.

يدون أيضا الحوادث فى عالم العمل اليومى، وكذلك الأحلام، توجد مسودات أدبية تسيطر فيها الأحلام، وتمثل نقطة بداية للإبداع الأدبى، وعلى نحو استثنائى تكون النتيجة عملا أدبيا مكتملا من جميع الجوانب، من بينها يختار كافكا القليل للنشر، يمكن العثور عليها فى سياق اليوميات، ويمكن رؤية العديد من الفقرات التى كان من الممكن نشرها كشذرات مستقلة.

رواية أمريكا

يظهر «ماكس برود» ثانية فى تذييل رواية «أمريكا» وتدور أحداثها فى الولايات المتحدة، التى لم يزرها كافكا، لكنه جعلها مسرحا لشخصيات قادمة من أوروبا، يوضح «برود» أن: «مخطوط الرواية لم يكن يحمل هذا العنوان، وإن أشار إليها كافكا باعتبارها روايته الأمريكية، وكان مغرما بقراءة كتب الرحلات والمذكرات، ويحن دائما إلى المساحات الشاسعة، والبلاد النائية، وهو لم يرحل إلى أبعد من فرنسا وإيطاليا، ولهذا فإن براءة خياله تضفى على الرواية لونها الغريب».

قضى مرض السل على كافكا، وهو لا يزال شابا، وكانت أعماله تبعا للدسوقى فهمى فى ترجمته لـ «رسائل إلى ميلينا» تضيف إلى الثقافة اليهودية لأوروبا الوسطى، وقد عاش سجينا لجذوره اليهودية، مرتبطا بالخطيئة والفشل والألم والموت، كان كاتبا يحترف تعذيب نفسه، قربانا للإبداع، وكانت تتملكه الرغبة فى الموت.

فى يومياته يرى نفسه صيدا يشوى على السيخ، فوق النار، مهيأ للطهى والتقطيع، رأى نفسه وسط هذه النيران قطعة من اللحم، ومع ذلك لم يكن «التمساح الصغير» كما أطلق عليه أحد مدرسيه، يفتقر إلى الأسنان والأنياب، كان يعمل بضراوة، مستهدفا أن يجثو الآخرون عند قدميه، وكان يحتمى خلف درع من السخرية.

يتساءل الدسوقى فهمى فى تقديمه وترجمته لكتاب «رسائل إلى ميلينا» الصادر عن «دار آفاق للنشر والتوزيع»: «مع تسليمنا بغرابة أطواره، هل كان حقا قد طلب جادا من ماكس برود أن يحرق مخطوطات أعماله؟!» يشير محرر الرسائل «ماكس برود» إلى أن كافكا شطب بنفسه فقرات عديدة، وردت بهذه الرسائل، وفيما يتعلق بمن لا يزال على قيد الحياة ممن تناولتهم الرسائل، كان لابد من حذف فقرات معينة، ويأسف «برود» لاضطراره إلى هذا الإجراء الضرورى، فقد ورد اسمه شخصيا فى تلك الفقرات المحذوفة.

تتصدر الرسائل فقرة كتبها كافكا: «كتابة الرسائل، معناها أن يتجرد المرء أمام الأشباح، وهو ما تنتظره تلك الأشباح فى شراهة، ولا تبلغ القبلات المكتوبة غايتها، ذلك أن الأشباح تشربها فى الطريق» وتكشف الرسائل عن إنسان عذب، زايله توتره، ويتبدى عاشقا قد استرخى، فى غير انتباه، إلى حين.

رجل وقع فى فخ

فى رسالة مؤرخة بتاريخ 12 يونيو 1936 كتب الفيلسوف الألمانى «فالتر بنيامين» إلى أحد أصدقائه: «سأكتب لك بالتفصيل رؤيتى لماكس برود، فكتابه «عن كافكا» يتسم بتناقض شديد بين الأطروحة النظرية، وبين تأريخه لسيرة حياة كافكا، إن شعور ماكس برود بتهافت تأويله لأدب كافكا، جعل منه شخصا شديد الحساسية إزاء أى تأويل آخر، يضاف إلى ذلك سعيه الواضح للحط من قيمة أى شىء يكتب عن كافكا».

فى رسالة أخرى بتاريخ 4 فبراير 1939يقول: «نظرة كافكا للعالم هى نظرة رجل وقع فى فخ، وشيئا فشيئا تتضح روح السخرية عنده، لا أقصد أنه كان كاتبا ساخرا، بل أعنى أن قـدره فى الحياة قد قيض له الاصطدام المتواصل مع شخصيات، اتخذت من العبثية مهنة بدوام كامل، كان يصطدم فى أثناء سيره فى الحياة بمهرجين، لا ببشر طبيعيين، لا سيما فى روايته «أمريكا» التى كانت أشبه بمنزل مهرجين».

النشأة والوصية

ولد كافكا ونشأ فى تشيكوسلوفاكيا لأسرة يهودية، ودرس القانون، ولازمه المرض، فعانى الصداع النصفى والأرق، وفى سنواته الأخيرة أصيب بالسل، وعهد إلى «ماكس برود» بأوراقه ومخطوطاته، وأوصاه بحرقها بعد موته، إلا أن برود لم ينفذ الوصية، وقال إنه عندما طلب كافكا منه حرق أعماله غير المنشورة، رد بأنه يرفض هذا، وأنه عليه تعيين مُنفذ آخر للوصية، إذا كان مصمما على هذا الأمر، كان ذلك عند موت كافكا عام 1924.

هل كان كافكا عاجزا عن حرق مؤلفاته بنفسه؟ كل الوثائق والرسائل والشهادات، تقول إنه - فى وصية مكتوبة - طلب حرق أعمال، لم يكن واثقا من جودتها، واستثنى الروايات الكبرى: المحاكمة والمسخ والقصر وأمريكا ومستعمرة العقاب وغيرها، لكن ماكس برود زعم أنه قال لكافكا إنه لن ينفذ الوصية، والوثائق تثبت كذبه.

عندما هرب برود إلى براغ عام 1939 أخذ معه حقيبة، تحتوى على أوراق كافكا، وكان الكثير منها غير منشور، وحين هرب وزوجته إلى فلسطين، استقرا فى تل أبيب، وعمل هو فى مؤسسة المسرح الإسرائيلى، وعند وفاته، انتقلت الحقيبة منه إلى زوجته، التى احتفظت بأغلب ما فيها، لحين وفاتها عام 2007.

حظيت أعمال كافكا باهتمام كبير، وتجاوزت الحدود إلى العالم كله، ليصير كاتبا إنسانيا، ويتحول اسمه إلى عنوان للون أدبى، يطغى على أبطاله شعور بالاغتراب، وعزلة روحية، ويجسدون تراجيديا عصرية، لا يواجهون فيها أقدارا، ولا يدعون بطولة، لكنهم ينسحبون من مجتمعهم، ليصبحوا ضحايا شرور أكبر من قدراتهم.

خيانة الوصايا

تحدث الروائى ميلان كونديرا عن كافكا فى ثلاثة كتب: فن الرواية، الستارة، خيانة الوصايا، وقدم للعالم صورة حقيقية له، بعد إزالة تلفيقات ماكس برود، الذى يصفه بأنه: «شخصية فاشلة ومريضة ومصابة بهوس دينى، ظهر أنه مزيف، يخفى هوسا أخطر، هو هوس الكذب المرضى، غير المسيطر عليه، وعقدة شعور بالدونية، واستغل علاقته بكافكا، التى خلقتها ظروف إنسانية، تحدث فى كل زمان ومكان، واستغل أكثر موت كافكا المبكر، بل موته مجهولا، من النخبة الأدبية التشيكية، وعزلته عنها».

فى «خيانة الوصايا» يعيد كونديرا الاعتبار لصورة كافكا، التى لفقها برود، وتتعلق بتزوير وصيته، وخلق صورة نمطية له، مستمرة حتى اليوم، إن ماكس برود – كما يرى كونديرا - شخصية سطحية ومحتالة، استغل الهوية الدينية المشتركة مع كافكا، ومعرفته به وعزلته، وادعى لنفسه الكثير من المواهب، ولم يظهر براعة فى أى منها».

وفاة «كافكا»

وجاء موت كافكا هدية غير متوقعة، لأنه كان مقربا منه، بحكم صداقة تعود إلى سنة 1902 وكانا يترددان على أمكنة خاصة للهو والعبث، وهى مرحلة قام برود بتزويرها، لأنها لا تنسجم مع صورة كافكا العصابى والمريض والتوراتى والمعقد والمتشائم والكابوسى.

لم يكن كافكا معروفا من النخبة الأدبية التشيكية، وبالتالى كل ما يكتبه برود لن يتم التأكد من صحته، فصار هو المصدر الوحيد، وتتضح الصورة إذا عرفنا أنه مدفون حاليا فى يافا «توفى فى 20 ديسمبر 1968» وهو صهيونى متعصب، حاول فى أثناء وقوع مذابح دير ياسين، إقناع الروائى الألمانى هيرمان هيسه، بإرسال رسالة للتضامن مع العصابات الصهيونية، لكن الروائى الكبير رفض، كما جاء فى كتابه «عندما تبدأ الحرب».

تلفيق أسطورة كافكا: السوداوى، العصابى، المريض، كان أمرا ضروريا، لتأسيس أسطورة ماكس برود، العاجز عن ممارسة أى فعل ثقافى، إذ كان يراقب كافكا وهو على فراش الموت، ويعد للبشرية كذبة ضخمة، مستمرة حتى اليوم، ولم يكتف بذلك بل قام بحذف فقرات من اليوميات، لمجرد أنها تشير إلى شخصية كافكا الحقيقية، المرحة والطبيعية والسوية، كشخص حساس وعاطفى، لكى يدخله فى نسيج صورة مشوهة تخدمه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق