رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ضحكة قبل الموت

على حليمه

كنت أقف عند رأس زوجتى، وأنا أتأمل صمودها بإعجاب.. انتصبت من مرقدها، دون عون من احد وانحنت للأمام بنصفها الأعلى. حتى وضع النصف جالس.. بعد أن انقشعت غيبوبتها، أطلت من عمق عينيها إشراقة حياة.. لم يلحظها سواى.. اقتربت شقيقتها الكبرى بمقعدها من طرف سريرها غير مصدقة وهى تتأمل مجمل حركاتها، الصامتة، بشىء من الحيرة.. قطعت ترددى بالجلوس على طرف مخدعها، ملاصقا لكتفها الايمن، ثم شرعت فى مداعبتها بلمسات حانية، وأنا أغالب قدرا من الخجل لنظرات بعض المحيطين من أقاربها بالقاهرة، الذين يروننى لأول مرة فى هيئة شعثة، بالرغم من أن ذكرى كان يتردد على ألسنتهم فى بعض المناسبات.. أحطت كتفيها بذراعى الأيسر.. جفلت وهى تتأملنى بنظرة كأنها تقول: «وهل هذه مناسبة؟!».. وددت لو أحتضنها أمام جميع المحيطين وأشبعها تقبيلا.. لم أقو على الفكرة.. دون إرادة جذبها ذراعى الأيسر بهمزات متشنجة صوب كتفى الملاصق.. تطوحت قليلا، ثم استندت بظهرها كاملا على دعامة من الصدر الأيسر، والقلب ابتسمت دون خجل.. عاجلتها بإبتسامة مماثلة من جانبى، وتساؤل ملهوف، كأنى أسابق الزمن:

ــ مازلت غائبا عن عالمك؟!

ردت بهمس ودلال واضح:

ــ دعك من الفلسفة.. هل هذا وقته؟!.. قم واجلس مع الآخرين.

ــ لن أجلس مع أحد قبل أن أسمع منك.. من انا؟!

ــ يا سلام!!.. أنت «على» أبوزيد زمانة..

ثم ضحكت.. فأفرغ المحيطون شحنة من الضحكات المحبوسة.. تشجعت أختها:

ــ «على» طيب وعلى نياته..

أشارت زوجتى بطرف سبابتها تجاهى بنزق متساندة على قلبى.

ومرح الآخرين..

ــ هذا!!.. هذا!!. أه منه أه..

ثم قهقهت بصوت شد الانتباه.. تأكد الجميع من عمق الصحوة.. وأردفت الأخت:

ــ ليس لك حق فى هذا.. «على» لا يتحمل عليك أنفاس الهواء الطائر، بالأمس كان حالة حال.. بعد ان سمع كلمات الطبيب بأن يستمر العلاج.. ثم التفت إلى حشد أقاربها المبتهج لتقرر بفخر:

ــ علاج.. أى علاج هذا!!.. الاستمرار يا أخوتى بهذه الطريقة يعنى الخراب.. تصوروا علاج اليوم الواحد يكلفنا ألفا من الجنيهات.. ألم يكفهم أجر مستشفى الخمس نجوم هذا.. أما الان، فإن عينى لا تخطئ.. لم تعد فى حاجة لكل هذا، وأنا أراها ما شاء الله.. عينى عليها باردة.. لقد قالت هذا بالأمس الدكتورة «ماجدة» بنت عمنا..

ثم التفتت إلى مدفوعة برغبة جامحة فى المداعبة:

ــ عفوا يا على.. سأحكى لها حكايتك..

أخجلنى الإطراء.. وخشيت أن تتطرق لحكاية الأمس، التى أضحت مصدر اشفاق وتندر على حالى.. مجرد التذكر يصيبنى بوخزة ألم لا يحسها غيرى فما بالك بالإفصاح.. خيمت سحابة من الصمت والكآبة شدتنى بعيدا إلى فراغ مطبق طوقتنى بداخله وقائع الأمس الكريه من كل جانب.

ــ 2 ــ

كأنى فى حلم ترائى لىء أنى كنت أسير منوما، وقد ملكنى دوى الحقيقة المؤلم الذى سمعته لتوى من الطبيب المعالج.. أصداء «أرتال» السيارات المندفعة خلف بعضها البعض كأنها فى مطاردة أزلية كانت تصلنى كهدير أمواج البحر، وقد حفل بها جانبا الشارع المواجه، الطويل العريض ذو الاتجاهين، المتقاطع افقيا مع الشارع الهادئ نسبيا الذى اجتازة.. توقفت قليلا، ريثما أجد ثغرة بين العجلات المندفعة، لأعبرها.. قبل أن أضع قدمى عليه، لطمتنى سيارة من الخلف لطمة خفيفة، أطاحت بى إلى قرب منتصف الجزيرة. لم تتوقف السيارة وسمعت سائقها، وهو يسبنى بأقذع السباب.. «فتح يا أعمى»..

ــ 3 ــ

ما هذا؟!.. قد لا تسلم الجرة فى كل مرة.. حقيقى هل توجد ثغرة؟!.. من يتأمل حياتى فى تلك اللحظة لا يرى بارقة أمل.. إنها كحائط أصم يحجب ما عداه.. عبورى وأنا فى شبه غيبوبة، حتى خط المنتصف، لا يعنى أنى أفلت لقد نفذ معينى، ولا أجروء على البوح.. قبل أن أهيم على وجهى هكذا بحثا عن دواء باهظ، نادر «كلبن العصفور»، كان عليا أن أتأمل مليا قول الطبيب، إنه يقطر يأسا ونفاذ صبر.. تنبهت مازلت قابعا وحدى على مساحة من العشب الأخضر، وبدنى يتمطى لا إراديا دفعا للإرهاق.

اصطدمت نظراتى بقوام فارع ممشوق، يطل على من أعلى، دون أن تصدر منة نأمة، ووجه علته أبتسامة متوارية خلف غلالة من الدهشة.. ها قد جاء المنقذ من أعماق الحلم.. إنه المهندس «هشام» ابن اخ زوجتى.. تردد قليلا قبل أن يبادرنى:

- ماذا ألم بك؟!.

- ..............

- كيف جئت إلى هنا وحدك؟!.

- ..............

من الغريب أن تجد ما تبحث عنه بسهولة، فى بلد كهذه.. صدفة سعيدة أنى عثرت عليك..

- ..............

- أنهم هناك يريدون عودتك يردون عودتك، لتراجع نفسك، وتعيد حساباتك، قبل شراء الدواء، فقد حضرت الدكتورة «ماجدة» قريبتنا بنفسها، وأحتجت على طريقة العلاج.. قالت إن علاجها بهذه الفداحة يعنى أنه لا أمل.. هذه عربتنا فى أنتظارك..

وأشار بيده صوب الرصيف المقابل.. لم أحر جوابا.. خنقتنى العبرات وأنا أندفع صوب إشارتة لأجد عربة شبيهه بعربتة بتحلق حولها جمع من الشبان فى عمر «هشام».. سلمت على الواقفين وحدا وحدا. ونزل الأخرون للشد على يدى بتحفظ، ووقار. وقفت أنتظر مقدم « هشام» وأنا أعجب من وقوفه بعيدا عنا.. ناديت عليه.. حضر فى تراخ، وأوما برأسه تحية للجميع، قال وفى ظنه أنهم من معارفى:

- ماهذا؟!.. تأخرنا.. هل تنتظرون شيئا؟.. العربة هناك..

سمته يشى بأنه يجهل ما يدور أمامه برقت بذهنى خاطرة بأن لبسا قد حدث.. وأننى أصبحت فى موقف لا أحسد علية.. أسقط فى يدى.. بدأت أدبر للأنسحاب من المشهد بأقل قدر من الحرج سحبت «هشام» من يدة، وانا اومئ لهم بأبتسامة خجلى.

ــ 4 ــ

تنبهت من شرودى لأجد الشقيقة الكبرى قد تخطت حاجز الصوت وقطعت، دون عائق شوطا لا بأس به، من حكاية الأمس، حتى اشرفت على النهاية، وسط موجات متعاقبة من الضحكات الخلية، التى يتربع على عرشها زوجتى، التى احمر وجهها انفعالا، وأصبحت فى حالة نسمح لها بتعقب مداخل كل ملحة، ورموزها الخبيئة.. كانت المبالغة سيد المواقف، يزجيها الصوت الرخيم برتابة محببة.. الأمر الذى جعلنى أعبر آلامى فى سلاسة، وأذوب فى المشهد برمته.

وكان ختاما لاذعا:

ــ لكم أن تتصوروا الموقف وهو يعانق الواحد منهم تلو الآخر كأنهم من باقى العائلة و«هشام» غارق حتى أذنيه فى نصف ملابسه.. وهو لا يفهم من الأمر شيئا.

علت نوبة من الضحكات مؤطرة بالمأثورات والهمسات المتوجسة:

ــ اللهم اجعله خير..

ــ عينى بترف..

وأحسب أنه كان يمكننى أن أشارك الحشد بهجته، فقد هدأت النفس، ولم يعد هناك من شىء يعدل برهة حظ موفور من سعادة، حتى ولو كانت مجلوبة قسرا بغرائب «القفشات»، وتهاويل المبالغات، التى شكلت نوبة لايمكن احتواؤها، الا بذلك الصمت الذى ران على الجميع، على أثر سماع طلقات مدوية من قهقهات غريبة على الآذان اندفعت من صدر زوجتى، الذى بدأ يعلو ويهبط فى نوبة مفاجئة.. أفضت الى نوبة أخرى من التشنجات والدموع والهمسات المؤلمة:

ــ ألم أقل لكم أنى أعيش مع خائب.. طول عمره خائب..

تراخى بعدها الجسد بثقله على راحتى، وهو يتمتم بأصوات واهنة تنم عن الخيبة الشاملة، آتيه من أغوار سحيقة لا يسمعها غيرى.

ــ 5 ــ

فوجئ الطبيب بالحشد المذعور، وقد اعتراه القلق:

ــ حالة ارتشاح بالمخ.

ــ تخلى المريضة فورا الى غرفة الانعاش..

انفض الجميع، ووجدت نفسى اتجول وحيدا بغير هدف بين طرقات القسم.. قادتنى قدماى لصالة الاستقبال.. اخترت مقعدا فى ركن قصى.. يطل على حديقة المستشفى.. أشعلت لفافة، لم أدخنها قط، فقد تكفأت بوجهى على المخدع الجانبى للمقعد.. ثم صحوت, من سنينى التى تصورتها دهرا مليئا بالكوابيس على هزات من يد عابر.. لأجد جمر لفافتى المشتعل وقد اشتبك بنسيج المقعد، وجزء من سروالى.. وثمة صدى لاصوات صراخ وعويل يأتينى. من أغوار بعيدة, عبر الممر المفضى لغرفة الانعاش.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق