رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التسول الإلكترونى.. نصب «أونلاين»

تحقيق ــ مـحمـد فـودة ــ بسمة خليل
التسول الإلكترونى

  • مواطنون: البعض يدعى مروره بأزمة صحية ويستغيث ثم نكتشف أننا «ضحايا»
  • علماء النفس والاجتماع: ظاهرة عالمية تتغير أنماطها وتستدر العطف بطرق مبتكرة
  • رجال القانون: أقصى عقوبة فى القانون لا تتجاوز الحبس 6 شهور
  • خبراء التكنولوجيا: صفحات وهمية ينشئها محترفون للحصول على تبرعات

 

 

«ساعدينى يا بنتى بأى حاجة الله يكرمك» .. «ابنى مريض ومحتاجة حق الدوا» .. «أرملة وباجرى على يتامى ساعدونى يا ولاد الحلال».. هذه العبارات وغيرها باتت طرقا تقليدية لاستعطاف المواطنين للحصول على أموال دون مجهود، ولأنه ثبت أن أغلبية الذين يطلبون المساعدات بهذه الطريقة لا يستحقونها، فقد ازداد وعى المواطن، وأصبحت تلك الطرق مكشوفة وتقليدية، لذا أخذ التسول طابعا جديدا ومتطورا ليواكب تغيرات العصر، فظهر تسول الكترونى بإنشاء صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعى لاصطياد ضحايا من خلالها بقصص وحكايات إنسانية تلعب على مشاعر وعواطف المصريين، تجعلهم يرسلون الأموال بالطريقة التى يطلبها هؤلاء النصابون، سواء بالتحويل على أحد الحسابات المتروك أرقامها أو إرسالها عبر «الفيزا» دون التعرض للإحراج من قبل الرافضين للتبرع، كما يحدث مع «متسولى الشارع».«تحقيقات الأهرام» استمعت لبعض ضحايا التسول الالكترونى وعلماء النفس والاجتماع ورجال القانون وخبراء تكنولوجيا المعلومات لمعرفة أشكال هذا النوع المستحدث من النصب والتسول وأساليبه وكيفية اكتشافه والعقوبة التى تنتظر مرتكبيه.

فى البداية يشكو أحمد سالم - تاجر - من تعرضه لعملية نصب من إحدى السيدات ادعت أن ابنتها فى حالة حرجة، وأنها تناشد أصحاب القلوب الرحيمة مساعدتها فى إجراء عملية خطيرة فى المخ، وبالفعل تواصل معها وطلبها على رقم هاتفها المسجل على الفيس بوك، فطلبت منه مساعدتها وإرسال أى مبلغ مالى فى نفس يوم اتصاله بها لأن ابنتها - وفقا لروايتها - سوف تدخل غرفة العمليات بعد وقت قصير، وهى فى حاجة شديدة للمبلغ فأرسل لها المبلغ عبر خاصية «الدفع الكاش» عبر هاتفها، وبعد يومين طلبت منه مبلغا ماليا آخر، وعندما طلب عنوانها للذهاب إليها وإعطائها المبلغ المطلوب تهربت منه وأغلقت هاتفها، وهنا أدرك أنها عملية نصب تعرض لها، لذلك يطالب بسرعة فرض عقوبات قانونية وتجريمها للقضاء على عمليات النصب المماثلة لمنع تكرارها مع ضحايا آخرين.

ظاهرة عالمية

ويوضح الدكتور وليد هندى - استشارى الصحة النفسية – أن التسول ظاهرة عالمية قديمة قد تختلف بطبيعتها وأنماطها وآلياتها من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر، لدرجة أنها فى العصور الوسطى كانت حرفة ولها نظام اجتماعى معترف به، وكان يتم التعامل مع أفرادها كمتسولين، ويتم منحهم بيتا ومعاشا ولهم شارات للتعرف عليهم، وفى عصر النهضة اعترفت بهم الحكومات فى إسبانيا والمكسيك، فالتسول لم يكن جريمة يعاقب عليها القانون، حتى المجتمع المصرى من العصر الفاطمى الى النصف الثانى من العصر الحديث كانت السلطة الحاكمة تميل لإقرار هذا النظام وتقسم أعضاءه لطوائف وتفرض عليهم الضرائب التى تجمعها من رؤسائهم، حتى إنه فى العصر المملوكى كانت الضرائب عليهم إجبارية.


ويضيف هندى أن التسول زاد بصورة كبيرة جدا فى الآونة الأخيرة ولكن بعد دخول الإنترنت أصبح العالم قرية صغيرة وظهر مجتمع مواز ومتسع، فلجأ المتسول لوسيلة أكثر ارتقاء ومناسبة لهذا العالم الموازى، وزاد التسول الإلكترونى والذى بعد كل البعد عن الأشكال التقليدية للتسول كبيع البخور بالمواصلات والمناديل الورقية، وبدا المتسول الجديد «شيك» لا يدعى الخرس والإعاقة ولا يحمل صغيرا على كتفه، فتجد أن سيكولوجية المتسول اختلفت، فقديما كان يستدر العطف ويتدنى ويتحمل الإذلال والمهانة والزجر والضجر من الآخرين، بينما الآن يتسول عن طريق الإنترنت، وعند شعوره بغضب الطرف الآخر يقوم بعمل «بلوك» ، فأصبح لديه استعلاء نفسى. ونتيجة لأن العلاقات الإنسانية أصبح لها عالم مواز أصبح من السهل اصطياد ضحاياه، وأصبح المتسول الإلكترونى مثقفا يقوم بدراسة الضحية جيدا، فيبحث عن طبيعة عملك وقدرتك المالية، بالإضافة الى أن الناس سئمت من الوسائل التقليدية للتسول، فالمتسول التقليدى حصيلته المالية أقل، أما المتسول الإلكترونى فيجلس أمام الكمبيوتر ويوفر جهده، ولا يسير بالشوارع، ولا يتفنن فى استخدام نبرة صوت معينة ولا يسير كأنه عاجز، ولكنه يتسول من وراء الشاشة وبالتالى هو أقل تكلفة، ولا يدفع إتاوات ويمارس نشاطه فى عالم رحب ومتسع وأقل خطورة، فهو غير معرض لحملات المباحث للحاق به، ويسهل عليه أن يتخفى فى حسابات وهمية ومضروبة، ويحصل على مقابل ضخم وليس له مواسم.

ويؤكد د. هندى أن التسول الإلكترونى يحتاج الى عقد علاقة مع صاحب الـحساب «account» ثم يطلب منه مبلغا ماليا أو يرسل له كارت شحن أو يقوم بإنشاء صفحة لجمع المساعدات لحالات إنسانية وهمية، وله حصيلة خاصة، ويبعد عن الفضيحة، ولا يشترط الحصول على مال، إنما يقبل بتبرعات بأدوية أو مستلزمات طبية باهظة الثمن أوسيراميك ومواد بناء، لذلك ننصح الناس بأن يفرقوا بين التصدق والزكاة للمصارف الثمانية الشرعية، فيجب التحقق من الشخص الذى يطلب الصدقة وعدم دفع الأموال إلا للجهات التى تحصل على تصريح رسمى من وزارة التضامن، وبعض الجمعيات الأهلية، وألا نتبرع إلا بعد الحصول على إيصال مختوم يضمن حقنا، وأوجه رسالة لرجال الأعمال: إذا كنت مشغولا يمكنك التبرع من خلال الأرقام المعلنة والصريحة لمستشفيات السرطان والحروق وسداد ديون الغارمات، فحذار من الوقوع فى براثن التسول الإلكترونى من خلال حساب «account» وهمى مضروب.

الإبداع فى التسول

ووفقا للدكتور وليد رشاد - أستاذ مساعد علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية - فالتسول له أنواع كثيرة، ولكن يوجد تسول مرتبط بالإبداع، فقديما كان يسير رجل يعزف بالبيانولا، وهناك من يستخدم الحيوانات كالقرد ويحركه ويلتف حوله الناس لإعطائه أموالا، وهناك من يستعرض مواهبه كاللعب بالنار أو أكل الزجاج، فالتسول كفعل اجتماعى له أشكال تعتمد على فكرة الابداع، وهى موجودة بمعظم دول العالم.

ويشير الى ظهور أشكال مبتكرة من التسول مرتبطة بالـ«سوشيال ميديا» بعضها بالسياق العام فى «البوستات» التى تحتوى على عدد تعليقات عالية تجد بالتعليقات من يتسول لعرض مشكلة أنه مريض وبحاجة للعلاج أو يريد من يساعده للإنفاق على أسرته، أما السياق الخاص فيظهر من خلال ارسال رسائل لبعض الأشخاص «على الخاص» لطلب المساعدة، أو رسائل على الواتس اب وهو ما يطلق عليه «التسول الرقمى»، ويؤكد أن التسول الحديث يعتمد على الاخفاء والمناورة، فلو كان الشخص يسكن فى المنطقة التى يتسول بها يريد التخفى كيلا يعرفه أهل المنطقة، فلو امرأة ترتدى النقاب لتتستر وراءه من فعل التسول، ومن تكشف وجهها تجدها تركب قطارا أو مترو لتبعد عن المنطقة التى تعيش فيها، والتسول كفعل اجتماعى أنواع، أولا تسول إبداعى يعتمد على اظهار المهارات، والثانى يعتمد على الإعاقة، وأحيانا نجدها إعاقة حقيقية وأخرى مصطنعة، وهناك تسول يتم باستخدام الأطفال وتسول باستخدام كبار السن، وهناك من تجدهم يرتدون ملابس غالية جدا ويطلبون منك المساعدة والنتيجة تحقيق مكاسب طائلة.

ويرى رشاد أن أشكال التسول ليست وليدة اللحظة، وغير مرتبطة بالظروف الاجتماعية الحالية، وإنما هى سلوك ومهنة يتربح منها ويعيش من دخلها من يمارسها.

الأوضاع الأسرية والفقر

أما الدكتورة يمنى السيد - استشارى الطب النفسى – فترى أن ظاهرة التسول ترجع لانخفاض الأوضاع الأسرية والفقر، حيث تفكك الأسرة أو كبر حجمها، والمشاكل الأسرية ومنها المشادات والمشاحنات المستمرة بين الزوجين أو قسوة الوالدين التى تدفع الأبناء للهروب للشارع ، وبالتالى يصبحون صيدا سهلا لمافيا وعصابات التسول التى تلتقطهم وتجعلهم يمتهنون التسول فى مناطق مختلفة، أمام دور العبادة ، أو فى الحدائق العامة، أو أمام المولات الشهيرة، فلكل عصابة أو مافيا منطقة خاصة بها، ولهم قائد يعمل على توزيعهم.


التسول الإلكترونى

وتضيف أن من أهم أسباب التسول التسرب من التعليم وانتشار عمالة الأطفال، فضلا عن التكاسل وعدم السعى للرزق الحلال، وترى د. يمنى أن الحل فى بناء مشروعات حقيقية للمتسولين تكفل لهم حياة كريمة، والتشجيع على التعليم ، ودعم الراغبين فيه لحل مشكلة التسرب منه، مع ضرورة وضع تشريعات قانونية رادعة لمعاقبة مافيا التسول أو أى شخص يعمل على تنظيم مجموعات للتسول ، واستغلال الأطفال وكبار السن لضعفهم وحاجتهم.

ضرورة تغليظ العقوبات

ومن الناحية القانونية يطالب أيمن عبدالله - محام - بضرورة تغليظ العقوبات على عصابات التسول، والعمل على حماية المتسول الصغير من تلك المافيا، ويقول إن نص القانون رقم (49) لسنة١٩٣٣من قانون العقوبات «قانون التسول» فى مادته الأولى: «يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز شهرين كل شخص صحيح البنية ذكرا كان أم أنثى يبلغ ١٥سنة أو أكثر وجد يتسول فى الطريق العام أو المحال العمومية ولو ادعى أو تظاهر بأداء خدمة للغير أو عرض العابا أو باع أى شىء»، ويعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر كل متسول فى الظروف المبينة على المادة الأولى تتضح منها الإصابة بجروح أو عاهات أو يستعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الغش لاكتساب عطف الجمهور، ويشير إلى ان القانون فى مادته الخامسة «يعاقب بنفس العقوبة كل متسول وجدت معه أشياء تزيد قيمتها على مائتى قرش ولا يستطيع إثبات مصدرها». أما فى مادته السادسة فيعاقب بنفس العقوبة كل من أغرى الأحداث الذين تقل سنهم عن خمس عشرة سنة على التسول وكل من استخدم صغيرا فى هذه السن أو سلمه لآخر بغرض التسول، وإذا كان المتهم وليا أو وصيا على الصغير أو مكلفا بملاحظته تكون العقوبة بالحبس من ثلاثة أشهر الى ستة أشهر. ولذلك يطالب أيمن بضرورة وضع تشريعات قانونية جديدة رادعة لمعاقبة مافيا التسول لإنهاء تلك الظاهرة والتى تكثر مع شهر رمضان الكريم والأعياد بغرض استعطاف الناس بطرق غير مشروعة أو قانونية.

صفحات وهمية

ويرى أحمد عصمت - استشارى تكنولوجيا الاعلام والتحول الرقمى - أن شكل التسول تطور ليصبح إلكترونيا مستغلا رغبة المصريين فى عمل الخير، ويأخذ عدة صور وأشكال كاستغلال أسماء جمعيات ذات شهرة لعمل الخير، والتسول من خلال صفحات وهمية، لذلك أنصح المواطنين بضرورة التحقق من تلك الصفحات قبل الوقوع فى الفخ من خلال البحث فى تاريخ انشائها ومعرفة مؤسسها، وهو مدون بالجزء الخاص بالتعريف عن الصفحة، خاصة وأن البعض يقوم بشراء صفحات ويقوم بتغيير أسمائها، ويظهر ببيانات الصفحة تلك المعلومات التى تحمل أسماءها التى حملتها عبر السنوات المختلفة مما يجعلك تشك بالصفحة، أو من خلال التحقق من العنوان وأرقام التليفونات المدونة بتلك الصفحات من خلال وضعها على «خريطة جوجل»، والتأكد من أن العنوان لمقر مؤسسة أو السؤال عن اسم حامل الصفحة خاصة أن جميع مؤسسات المجتمع المدنى والجمعيات ذات الثقة تقوم بعمل إعلانات طوال العام، ويحذر من الصفحات الوهمية التى ينشئها محترفون للنصب الإلكترونى فهم يستطيعون توثيقها من الفيس بوك كصفحات الفنانين، ويتم بعدها جمع متابعين «follwers» ثم بيعها وتوثيقها، فعملية التوثيق عملية ورقية يتم فيها ارسال ورق يتم الموافقة عليه ولا تكتشف الا بعد الإبلاغ عنها.

ويرى أن أوجه الخير كثيرة فيجب أن نبتعد عن المصادر المشكوك فيها ، ونلجأ للمصادر المعروفة التى تكتب رقم اشهارها للتأكد من صحته ، أو من خلال التبرع للأقارب «فالأقربون أولى بالمعروف»، ويشدد على الابتعاد عن فكرة الموضة والتباهى التى تضيع الثواب، فهناك صفحات معروفة ومشهورة تساعد على وصول الصدقة لمستحقيها ويجب على تلك المؤسسات توثيق صفحاتها حتى لا يقوم بتهكيرها بعض المحتالين.

ويوضح عدة طرق للمواطن عليه ان يتبعها إذا تعرف على احدى الصفحات الوهمية ويريد اغلاقها.

فأولا يقوم بعمل «ريبورت» عن الصفحة مما يعطى إنذارا «للفيسبوك» أن تلك الصفحة تعرض محتوى غير صحيح، فيطلب وقتها الفيس بوك ورق الاشهار للتأكد من سلامة الصفحة قبل اغلاقها خاصة أنه على «الفيس» يستطيع أى شخص عمل صفحة، وثانيا ابلاغ مباحث الانترنت، وثالثا اخطار شكاوى مجلس الوزراء حتى يوقف انتشار هذا الوباء ويمنعه عن نفسه وغيره.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق