رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأصولية فى الفــكر وأزمة الإنسان

شوقى جلال

الأصولية فى الفكر خاصية بشرية مقترنة بنشأة اللغة الرمزية المميزة للإنسان: الكلمات الاصطلاحية: البديل التمثيلى عن ظواهر الواقع، نشأة اللغة الرمزية هى علة الأزمة «الأصولية» فى علاقة الإنسان مع الواقع والوجود.

ذلك لأن الكلمة، التى هى تسمية لظاهرة أو واقعة هى محاولة للامساك بالظاهرة، وتفترض بقاءها، بينما الظاهرة حياة متغيرة ابدا.. نحن حين نستخدم كلمة: الكون أو النهر أو اسم شخص ما ونكررها عقودا أو مئات السنين كأننا اختزلنا الوجود فى هذه الكلمة/ الرمز المفردة، البديل التمثيلى فى الذهن، بينما المدلول أو المسمى فى تغير أبدى لحظى... ومع كل اكتشاف جديد تتغير صورته الذهنية، أو هكذا هو المفترض.

وتتجلى قسوة الوضع حين يقع الإنسان أسير نص لغوى يصف سلوكا أو ظاهرة، ويظل يتعامل معه وكأنه هو هو بدلالته على الرغم من اختلاف الزمان، والمكان ودون اعتبار للسياق، وهذا هو ما عبر عنه البعض بقولهم: النص ثابت محدود احادى الدلالة، لحظى أو وقتى المفاد أو المعنى، بينما الواقع متغير متعدد متنوع لا متناه يعجز الإنسان عن ملاحقته بلغته الاصطلاحية، الواقع هو الزمكان «الزمان المكان» فى امتداده وتغيره، ولهذا فإن الوجود غنى بالاستثناءات التى هى واقع مهم لفهم جديد، وتفسير جديد، ولغة أو اصطلاحات جديدة... ومثل هذا الواقع يستلزم إنسانا ديناميا فى فعله وفكره، لا يركن إلى ثابت أبدا، وإلا أفلت منه الواقع واغترب عنه.. والنص حين يثبت يصادر مفهوم التغير، ويغفل حقيقة أن الرمز أو الكلمة الاصطلاحية هى محاولة للإمساك بالظاهرة لأسباب اجرائية عند التعامل معها اجتماعيا، والحديث عنها، وليست تجميدا لها، الفكر/ اللغة تجريد من واقع محدود بقدرة وبإمكانات الذات العارفة، وبحدود الزمان والمكان، لذا الفكر نسبى، ويظل الواقع واقعا متغيرا، بينما التجريد منعزلا لا يحمل خصوصية الواقع المتجدد، ومن ثم يكون فكرا مطلقا، ولهذا نجد فكر الإنسان/ المجتمع الممارس العملى فكرا مرنا قابلا للتغيير، أهلا للتكيف على عكس فكر الإنسان/ المجتمع السكونى النظرى المجرد.

ولهذا فإن المجتمعات العاملة المنتجة لوجودها، التى تعيش من خلال عملها حوارا فاعلا نشطا ومتصلا مع الطبيعة لإنتاج وجودها وفكرها هى مجتمعات دينامية، اصوليتها انتقالية، هذا على عكس المجتمعات السكونية أو الاستاتيكية، فإنها بحكم جمودها وتعطل فعلها، ومن ثم تحجر فكرها واستسلامها لإطار فكرى نظرى، أى أسيرة الكلمة الموروثة المجردة المستقلة مع غياب السياق الحياتى المتغير، فإنها تعيش أسيرة أصولية فكرية/ ثقافية أى أسيرة المطلق.. النص ثابت مقدس.. والتجديد الفكرى هوامش وحواش على النص المقدس... ويتعطل الإبداع فى الفكر والفعل.

الوجود من حولنا، ومنه الإنسان، فيض دافق من الأحداث والتحولات، يعج بالاستثناءات، ومن هنا وجه الاستحالة فى أن يحتويه إطار أو نسق معرفى صاغه الإنسان بقدراته فى زمان ومكان ما... لذا الاصولية حين تثبت تصبح ضربا من ضروب الفرنجة، وحطا من قدر الإنسان، إن يفقد الإنسان معها أهم خاصية مميزة له، وهى اعمال العقل فى كل ما يحيط به او يؤثر فيه من وقائع جديدة تحثه على التكيف وابداع الجديد.. الأصولية، أو الانصياع لإطار أو رصيد موروث تحميه أوهام قداسة من شأنها أن تجعل الحياة أطرادا عشوائيا فى حالة تعطل لخاصية التكيف.

وأزمة الأصولية التى هى ثبات لا تغير، احتدمت وتفاقمت فى عصر الصناعة، ثم زادت أزمتها مع مرحلة المعلوماتية الناشئة. إذ إن طوفان المعارف يستلزم ملاحقة مذهلة، ومن ثم امكانات استيعابية وتوظيفية جمعية، وقدرة تكيفية غير مسبوقة، وأهلية للانفصال عن القديم بعد فقده وفرزه، واختيار الملائم منه فى ضوء استيعاب الجديد المتمثل فى وقائع جديدة وفعالية جديدة..

والملاحظ أن التغير الثقافى الذى نشأ فى البداية كسلاح أو آلية للبشرية لملاحقة التغيرات الجديدة فى الواقع وتعويضها عن التغيرات الجينية البطيئة، أصبح على الرغم من مرونته الكبيرة، غير قادر على استيعاب التغير التكنولوجى المتسارع وتأثيراته المتلاحقة وتجلياته الفكرية، ولعل هذا يمثله فى حالة العجز عن الملاحقة، ظاهرة التمسك بالموروث والتعصب له، أى أصولية دفاعية عن الذات الجامدة، ولكنها فى الوقت نفسه هى تشبث بردة، أو توقف عن حركة أى لاعقلانية مغتربة عن الواقع الحى أو أزمة مخاض لميلاد عقل وفعل اجتماعيين جديدين، واحسب أن من تجليات هذه الازمة تجدد الصراعات العرقية فى العالم، وكأنها ردة اصولية وتبلغ ذروتها فى المجتمعات المتخلفة إذ ترى طوفان الجديد المستحدث من معارف وانجازات تكنولوجية مصدر صدمة وجدانية وفكرية لأبناء المجتمع السكونى، وتكون الاستجابة تطرفا سلوكيا عدوانيا يفاقم من حالة الاغتراب.

لم يتوقف ابداع الإنسان عند اختراع الفأس مثلا، الذى كان ثورة فى مصر، وثورة فى الفكر، وفى الاجتماع، إذ كانت الأداة.. الفعل هى أساس الاجتماع.. ومحتوى الأداة فكر ذو طابع اجتماعى مرحلى.. والفكر فى جوهره حال اقترانه لزوما بالعمل الاجتماعي/ الأداة هو فكر متمرد/ متجدد.. وكلاهما... الفعل والفكر هما الإنسان/ الذات الفاعلة العارفة/ الهوية التى تأبى البقاء أسيرة قيد ما حتى، وإن كان الإنسان هو صانعه.. أو وارثه تقليدا عن سلف.

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق