رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اشارة

محمود فطين

الصدفة هى التى وضعتنى هناك بحيث أحضر يومه الأخير فى المستشفى، وزعت فى دورة الجراحة التخصصية على قسم المخ والأعصاب بلا رغبة، الرغبة لا تفرق كثيرًا فى الحقيقة لان دورى كامتياز لن يتجاوز الأعمال الصغرى التى يمكن أن يكلف بها عمال عاديون لولا التكلفة التى سيقتضيها ذلك، أحضر أكياس الدم للمرضى، أحجز لهم طلبات المعامل والأشعات، أوصلهم إليها، كائن أبيض متجول صاعد هابط فى الأدوار يتشمم أى معلومة ليلتهمها، فى المهنة عمومًا وفى سواها خصوصًا خلافًا للباقين، صحيح أن لى ولعا قديما بالكلام وحكاوى الناس، إلا أن ما جرى ذلك اليوم تحديدًا ضاعف بداخلى الرغبة الكامنة فى التنقيب، بلا حد واضح أقف عنده، إذ ربما لا تكشف الخبيئة إلا إذا جاوزت مواقع البحث المألوفة، إلى أن تنبش القبور إن لزم.

فى مدة الدورة كوّنت لدى تصنيفا سكّنت فيه أغلب من تعاملت معهم كما اعتدت سابقًا فى كل موقع أحط فيه، قاومنى قليلا فى ذلك ولكنه ليس تمامًا مستعصيا على التوقع، هو مختلف عن النماذج المعتادة لكنه ليس من يقدر على أن يفاجئك بصفة دائمة، أعرف فى غالب الأوقات تعبيرات وجهه واضحة بلا لبس، وكان منطقيا أنه كنائب صغير بالقسم كلما أراه أجده إما منهكا أو محبطا أو جائعا أو خرمانا، ولكن مع مسحة من إيمان غامض لا يزال باقيًا، يعينه على الحياة قدر من التأملية ومن الغوص فى كل شىء إلى قلبه، بشكل جعلنى أرى فيه شبهًا منى وإن لم أكن بنفس كآبته، وتُعينه مع تلك السمات جرعات يومية ثابتة من العقاقير المضادة للاكتئاب، التى قدمت نفسها مع شهادات تطوعية من بعض زملائه كقرائن مجانية جاهزة على كونه غير لائق بالاستمرار فى العمل بالقسم فور أن رأوا الاستغناء عنه عقب الحادثة، فصلّوه من القسم كالشعرة من العجين بأن منحوه إجازة مرضية لشهور أنهاها ليخرج من المستشفى تمامًا وتنقطع أخباره فلا أعرف عنه بعدها شيئًا قط، بل إن وجوده ذاته فى ذلك المكان يومًا قد غطته طبقات كثيفة من النسيان المتفق عليه ضمنيًا، وكأنه لم يكن قبلًا.

كانت أيام المغفرة قد انقضت للتو، والفجر قد أذن قبل قليل حين وصل مُصابا مع المسعفين إلى الطوارئ، تركت زملائى يقيسون علاماته الحيوية ويزيلون عن وجهه ولحيته البيضاء كتل الدم الآخذ فى التجلط نازفًا من قمة رأسه وذهبت للقسم لأسلم الإشارة باستدعاء طبيب جراحة المخ والأعصاب إلى الطوارئ «عاجل جدا»، كان النائب جالسًا فى الحجرة يقرأ قليلا، لم يكن فيها سواه حيث السينيور يؤم بقية النواب فى صلاة طويلة لا تنتهى إلا قبل الشروق بقليل وعلى الأرجح كان هو ينجح غالبًا فى أن يجد لنفسه مبررًا ليسحب نفسه منها، أخبرته بفحوى الاستدعاء فقام معى دون أن يقرأ الإشارة أو يوقع عليها فأعدت الورقة إلى جيبى وتوجهنا إلى الطوارئ متعجلين، سألت رجال الإسعاف عن ملابسات الإصابة بينما هو يفحصه مبدئيًا فأفادوا بعدم وجود أهلية للشيخ المصاب وأنهم قد أخذوه من مسجد قرر الناس فيه أنهم فى السجدة الأخيرة من صلاة الفجر سمعوا جلبة من صوت هتاف «لله الحُكم» وصوت مكتوم لارتطام شىء لين بمعدن قاس ثم وقع أقدام تجرى سريعًا فى الخارج ولما انتهت الصلاة وجدوا الشيخ فى وضع السجود وحول رأسه بِركة صغيرة من دماء قاتمة فاتصلوا بهم ليأخذوه، وجد الجرح القطعى نافذًا برأس الشيخ الصامت المغمض عينيه نصف إغماضة، من الجانب الأيسر إلى أعلى منتصف الجبهة، يبدو منه نصل مغروز فيها كسر فى طريقه جزءا من عظام الجمجمة مخترقًا أغشية الدماغ التى تنزف منها بؤر صغيرة لامعة، أمر الشيخ بالقبض على يده إن كان يستطيع سماعه لتقييم درجة وعيه، ففاجأه أن قبض على يده بعزم فتى يخلع باب حصن، وهمس: «يا بنى احفظ عنى: أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العُجب»، شرد قليلا وبدا أنه يسأل نفسه أين سمع تلك الكلمة من قبل أو قرأها، قبل أن أخرجه من تساؤله فور أن ناديته ليجيب على سؤالى الذى لم أكن قد طرحته فى اللحظة التى لمحه فيها على وجهى، أرسل الشيخ ليجرى أشعة مقطعية على الرأس وأبلغ العمليات لاستقباله وبعث بمن يأتى بالسينيور يلحق به فى غرفة العمليات، ثم أخذ يشرح لى أن الحالة لا بأس بها واحتمال تدارك الإصابة بأقل الخسائر هو الأرجح طالما كان الوعى سليمًا لا يزال «قُل يا رب»، وعدّد الخطوات التى ستجرى فى العمليات بإزالة الجسم الغريب والأنسجة التالفة فى أقل الحدود الممكنة ثم إعادة تخييط الأغشية، فى نبرات سريعة مرتبة مترابطة المضمون، كعادة الجائعين إلى الكلام.

بالطبع لم يكن دورى فى القسم يسمح لى بأن أدخل إلى العمليات، ولكنى تمكنت من معرفة بعض ما جرى عندما حاول النائب بعد ذلك أن يخرجه إلى العلن، غير أنى أعرف السينيور من قبل وعلى خلاف النائب استطعت بسهولة أن أحيط بأغلب تفاصيل حياته منذ تعيينه فى المستشفى أيام والده ملك الأمراض العصبية فى المحافظة ورئيس القسم الخاص بها لفترة طويلة قبل أن يغادرها لينشئ مستشفاه الخاص فى مدينتهما الجنوبية الصغيرة التى تبدو وكأنها عائلة واحدة، كان النائب قد أنجز الخطوات الأولى من العملية وفتح رأس المصاب لتستقبل السينيور الآتى من بعد انتهاء صلاته قبل الشروق بدقائق وخلفه النواب الآخرون، وُسّع له مجال الرؤية ليشرف على الخطوات الباقية، امتدت يده فوق أيديهم سخية فى الاستئصال، تكوى ذات اليمين وذات الشمال الأوعية النازفة، تسرى مبسوطة فى خامة الدماغ الرقيقة تُزيل منه كل ما يُقلق، توتّر النائب فى وقفته وسأل بصوت خفيض لم يُميّز هو فيه الاستنكار للوهلة الأولى: «هو حضرتك بتعمل ايه؟»، ابتسم السينيور ابتسامته النصفية التى لا يبدو منها أثر يُرى على بقية وجهه المغطى بالكمامة الجراحية إلى ما تحت عينيه المحايدتين بقليل، وبدأ يشرح بلهجة أبوية خطواته القادمة فى عملية استئصال الفص الأمامى، فأطلق النائب مبهور الأنفاس بصوت أخذ يعلو شيئا فشيئا دفعة متوالية من كلمات عن كون تلك العملية قديمة ومليئة بمخاطر لا تبررها حالة المصاب الراهنة، نبتت حبات عرق لامعة على جبهة السينيور وبدأت يمناه تأكله ليهرش لحيته الخفيفة كعادته فى أوقات غضبه، نظر حوله فى وجوه النواب المترقبين وعيون أغلبهم قد ارتفعت عن المجال المفتوح لتتعلق بالهواء المكهرب السارى بينهما، صاح به أن يصمت ويلتزم بالنظام فى حضرة من علمه ما لم يعلم، بدأ النائب فى الخروج على النص، وأعلن بصوت صار مسموعًا للجميع أن العبرة فى القرار بملاءمته للحالة ولا محل لأى اعتبارات أخرى، أفلتت يد السينيور منه لترفع عن المنضدة أحد المقصات الجراحية وتلقيه فى اتجاهه، وانسحب النائب من الغرفة وصوت السينيور لم يزل يصرخ بالوعيد، ثم واصل خطواته حتى أنهى عمله الموروث، وألقى على الجرح تطل منه الدرنقة نظرة مُعجبة كغانية تتطلع فى مرآة دولاب ملابسها، وأغلقه بيدين كانتا مع ذلك ترتجفان وإن لم يبال أحد.

مرت الساعات الثلاث المتبقية من النوبتجية ثقيلة كأيام ثلاثة، حتى تقابلا ثانية وجهًا لوجه فى الرعاية المركزة التى انتقل إليها المصاب بعد العملية حين استدعيا لمعاينة نوبة شديدة من التشنج انتابته، أُعطى الجرعات القصوى من مضادات التشنج وعقاقير التخدير، ولكنه ظل ينتفض بقوة وحرارة جسده تعلو، إلى أن قطع نظرات التحفز والحيرة صفير مُنذر وبدأت الأجهزة تعرض على شاشتها موجات عشوائية لإيقاع صاخب أخير سكن الجسد بعده بلحظات، ليبدأ فى الإنعاش القلبى الرئوى مستمرين لعشرين دقيقة قبل إعلان فشله ووفاة المصاب، غادر النائب الغرفة وقد سكنت وجهه نظرة انتصار مشئوم تتمنى لو لم يتحقق قط، شيّع بها السينيور الذى كان لا يزال يلهث من مجهود الإنعاش الذى لم يعتد أن يُضطر إليه، ينازع الغثيان وانقلاب المعدة لتلقى بسحوره الذى يبدأه مبكرًا ويؤخر نهايته قدر إمكانه كما تدعوه السُنّة، وفى الخلف جثة المريض الشيخ تبترد، تسترخى سبابتها المرفوعة، تسكن، وربما تبتسم أيضًا.

طلع النهار، استطعت أن أراه للمرة الأخيرة بعد أن طاف بغرف السكن كلها يجمع منها أكبر كم قدر عليه من الأوراق البيضاء ليكتب نصه الخاص، فى عدد لم يحصره من النسخ، يوجهها إلى من يهمه الأمر للعلم واتخاذ اللازم، وإلى من لا يهمه للعلم بالشىء ولا الجهل به، مُسجلا تفاصيل الساعات الأخيرة وملابسات وفاة المصاب الذى كان وحده يعرف اسمه باستثنائى أنا الذى احتفظ بالإشارة؛ على أبو طالب عبدالمطلب، 63 سنة، الجنسية بدون.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق