رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القرآنُ لكُلّ زمانٍ ومكانٍ

د. يوسف عامر

القرآنُ الكريمُ هو الرسالةُ الخاتمةُ لكلِّ البشَرِ، ولذا كان صالحًا لخطابِ جميعِ البشرِ وهدايتِهِم وإن اختلفَ الزمانُ والمكانُ والأحوالُ والوقائعُ، «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِيَ أَقْوَمُ» [الإسراء: 9]، «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [المائدة: 15، 16] «ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ» [الزمر: 23] هذه الآياتُ وغيرُها كثيرٌ تدلُّ على استمرارية هدايةِ القرآنِ جيلًا فجيلًا بدلالة الفعل المضارع (يهدى).

وهذا أحدُ وجوهِ إعجازِ هذا الكتاب؛ أنَّه مع كونه آياتٍ معينةً لا تزيد ولا تتبدل، نزلت بلغةٍ معينةٍ لا تتغير، إلا أنه ينطوى على نُظُمٍ وتعاليمَ وآدابٍ تصلح لكل شخص، ولكل زمان، ولكل مكان، ولكل حال، وليس أدلّ على هذا ممَّا تراه أعينُنا من دخول الناس فى هذا الدين أفواجًا من شتى الحضاراتِ والثقافاتِ إِثْرَ فهمهم شيئا من آيات القرآن الكريم.

إنّهم لم يجدوا صِدامًا بينَ آياتِه الكريمة وبينَ الحقائقِ العلميَّةِ اليقينيَّةِ الثابتةِ، أليس هذا أيضًا وجهًا آخر من وجوه إعجاز هذا الكتابِ الخالد الذى لم يجدْ فيه الأولُ والآخرُ ما يصادِمُ عِلمَهُما بالواقع؟ أليس هذا دليلًا جليًّا على أنَّ مِن خصائصِ هذا الكتابِ صلاحيتَهُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؟ ألم يُؤخذ من أحكامِه المقاصدُ الكليّةُ التى تنصلحُ بها المجتمعاتُ والأوطانُ فى كل زمانٍ ومكانٍ من حفظِ النفسِ، والعقلِ، والدينِ، والمالِ (الممتلكات العامَّة والخاصَّة)، والعِرض (الكرامة الإنسانية)؟ ألم يجدِ الناسُ فيما تَضمَّنهُ من قَصصٍ العلاجَ المعصومَ لكلِّ قضايا الفكرِ الإنسانيِّ المكررةِ وإن اختلفتْ أسماؤُها وبعضُ مظاهرها؟ كيف لا وهو كلامُ خالقِ النَّفْس البشريةِ والعالمِ بدائِها ودَوائِها؟

والعجيب أنَّ البعضَ يرى أنَّ القرآنَ تاريخيّ مرتبطٌ بزمن وحيه، وأسباب نزوله فقط، ويرددون كلمةً ليس عليها دليلٌ من العلمِ أو الواقعِ، يقولون: «آيات القرآن كلها نزلت لأسباب»، وبالتالى «كلّ آية تتعلقُ بحادثةٍ بذاتِها فهى مخصصَةٌ بسببِ النزول وليستْ مطلقةً»!

إضافةً إلى ما ذكرناه آنفًا فإنّ الآياتِ التى لها أسبابُ نزولٍ لا تصل إلى 15 ٪، وهذا يبين أنّ ذلك زعمٌ لا يهدفُ إلى بيان الحقيقة بقدر ما يهدفُ إلى التشكيكِ؛ لجَعلِ المجتمعاتِ بلا دينٍ.

وإذا سلَّمنا بالمقدمة التى ليس لأصحابها عليها دليل، فهل يقتضى هذا أنْ تكونَ الآيات خاصَّةً محدودةً بتاريخٍ معين؟! إذا كانت تشريعاتُ البشَرِ للحوادثِ المتجددة تُوضعُ على وجهِ الثبوت والدوام حفظًا للمجتمعات، فهل يَعجزُ ربُّ البشرِ عمَّا فعَلَه البشَرُ؟! وإذا كان المستقرّ فى حضارتِنا التى عايشَت القرآنَ وكانت به أُولى الحضارات لقرونٍ طويلةٍ أنَّ (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، فهل ينقضُ هذا الإجماعَ -الذى شهِدَ بصحته العلمُ والواقعُ- كلامٌ ليس عليه دليل؟!

إنَّ القضيةَ فى ميزانِ البحثِ العلميِّ محسومةٌ مِن بدايتها؛ وذلك لأنَّ مقدماتِ نتائجِها إمَّا مبنيةٌ على جهلٍ بحقائقِ العلم، وإمَّا كُتبتْ فى غيبةِ الأمانةِ العلميَّة ومنهج البحث القويم، وكلاهما لا يُنتج علمًا صحيحًا، والعقلاءُ فى كلِّ مجالٍ علميٍّ أو عَمَليٍّ يَأبَوْنَ أنْ يكونَ للجهلاءِ أو غيرِ الأمناء مكانٌ بينهم؛ لأنَّ فى هذا ترويجًا للباطل، وغشًّا للمجتمع البشريِّ، وخداعًا للعامَّة وغير المتخصصين. إن القول بتاريخيَّة القرآنِ يعود لأحدِ أمرين: إمَّا الجهل بصفات الله عز وجل مِن علمٍ محيطٍ «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىء عَلِيمٌ» [البقرة: 282] «وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا» [الأعراف: 89]، وقدرةٍ عظيمةٍ «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [البقرة: 109]، ورحمةٍ واسعةٍ «وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» [الأعراف: 156]، وتدبيرٍ لشئون الخلق «اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» [البقرة: 255] وغير هذا من الصفات. وإمَّا الرغبة فى التفلُّت من أحكام الدين بتنزيلِ القرآنِ الكريمِ المقدس - الذى هو كلام الله سبحانه - منزلةَ النصّ الأدبى غير المقدس مقطوع الصلة بقائله، والقابل لأن يُحمَّلَ من المعانى ما لا يتفق مع محتواه الذى نزَلَ به ولأجلِه. وكلا الأمرين ليس من سبيل العلم فى شىء.

 

رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس الشيوخ

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق