رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

توسيع الناتو.. هل يجعل أوروبا أكثر أمنا؟

منال لطفى
‎كاريكاتير يظهر رغبة أمريكا فى انضمام آكبر عدد من الدول الأوروبية لحلف الناتو لمواجهة روسيا

بين عشية وضحاها تمت «عسكرة» السياسة الأوروبية بالكامل.. فبعد حياد سياسى على المسرح الأوروبى استمر نحو 200 عام، قررت السويد وفنلندا تقديم طلبات للانضمام لحلف الناتو الذى يضم 30 دولة بالفعل. إنها خطوة ستعيد كتابة الوضع الجيوسياسى للقارة الأوروبية بشكل جذرى، بينما يمر الأمن الأوروبى بخلل غير مسبوق وتحديات هى الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية.

فالحدود الروسية -الفنلندية التى يبلغ طولها نحو 1300 كيلومتر، والتى تمتد من بحر البلطيق إلى القطب الشمالى، ستتحول إلى حدود بين روسيا وحلف الناتو عندما يتم التصديق على الطلب الفنلندى.

 وبانضمامها المتوقع خلال أسابيع، ستتحول الحدود مع فنلندا إلى أطول حدود برية بين الناتو وروسيا وستصبح «خط صدع جيوسياسى» بين بلدين لم يكن يفصل بين حدودهما إلا أحجار ملونة بالأزرق والأبيض لتحديد أراضى فنلندا، وأحجار ملونة بالأحمر والأخضر لتحديد أراضى روسيا.

وبالتالى فإن المخاطر الأمنية التى تلوح فى الأفق الأوروبى ستزداد اشتعالا فى الأشهر المقبلة. فرداً على طلب السويد وفنلندا الانضمام للناتو، هددت روسيا بنشر أسلحة نووية تكتيكية على حدودها الأوروبية عندما تبدأ القواعد العسكرية للناتو فى الظهور فى السويد وفنلندا.

الرئيس الروسى فلاديمير بوتين حذر نظيره الفنلندى، ساولى نينيستو، من أنه يرتكب «خطأ» بالانضمام إلى حلف الناتو لأن بلاده لا تواجه «تهديدات أمنية» من روسيا، أخذا فى الاعتبار العلاقات الاقتصادية والسياسية القوية بين البلدين قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية - الروسية. هذه التطورات المتلاحقة، وما تطرحه من أسئلة مصيرية حول الأمن الأوروبى لم تكن متصورة قبل ثلاثة أشهر فقط، أى قبل اندلاع الأزمة.

فحتى اللحظات الأخيرة ظلت آمال أوروبا معلقة بحل سياسى لكن فى اللحظة التى توغلت فيها الدبابات الروسية فى أوكرانيا فى 24 فبراير الماضى، أعلن المستشار الألمانى، أولاف شولتس أن هذا «الحدث المزلزل» سيغير كل شىء.. وهذا ما يحدث.  

فلم يمر بعد ثلاثة أشهر على الأزمة الروسية -الأوكرانية ومع ذلك انقلبت رأساً على عقب إستراتيجية أمن الطاقة الأوروبية بالكامل. وبعدما عززت روسيا على مدار عقود موقعها كمورد أساسى موثوق للطاقة الأوروبية، تجاهد الدول الأوروبية اليوم من أجل إيجاد بدائل للنفط والغاز الروسى خلال عام 2024.

الأزمة أدت أيضاً إلى تغيير جذرى فى الإنفاق الدفاعى، وفى الاستراتيجية الأمنية الأوروبية. فألمانيا، التى لطالما حافظت على مستوى متوسط من الانفاق الدفاعى، أعلنت تعزيز انفاقها العسكرى بـ 100 مليار يورو. أما دول مثل فنلندا والسويد اللتين ظلتا قوتين محايدتين على المسرح الأوروبى لنحو 200 عام فتعيدان تغيير سياساتهما الأمنية بالكامل بالسعى للحصول على عضوية الناتو.

ومع أن تركيا لديها تحفظات على انضمام فنلندا والسويد للناتو بسبب ما تراه أنقرة تعاطفا ودعما سياسيا فى البلدين لحزب العمال الكردستانى والانفصاليين الأكراد فى تركيا، إلا أن الحكومة التركية قد تغير موقفها تحت ضغط واشنطن ودول الناتو. أيضا قد تطلب أنقرة تنازلات فى ملفات أخرى من اجل الموافقة على ضم الدولتين للحلف، الذى ينبغى أن يكون التصويت فيه بالإجماع.

تعريف الهزيمة والنصر

ومع توسع الناتو المتوقع لحدود روسيا، تتصاعد أيضا حدة اللهجة الأمريكية والبريطانية وحلفائهما فى الأزمة. فالأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج قال، إن الأوكرانيين يمكن أن يحققوا النصر فى مواجهة روسيا، وإن الحلف سيعمل على مساعدتهم بكل الطرق لتحقيق ذلك.

أما النائب الديمقراطى فى الكونجرس الأمريكى جيسون كرو، الذى سافر مع رئيسة مجلس النواب نانسى بيلوسى إلى أوكرانيا الأسبوع الماضى، فقال إن أمريكا لا تريد «صراعا مجمدا» ليس فيه منتصر ومهزوم، بل تريد ضمان انتصار أوكرانيا.

ويتماشى حديثه مع إعلان وزير الدفاع الأمريكى لويد أوستن فى 25 أبريل، أن الولايات المتحدة تريد «رؤية روسيا ضعيفة إستراتيجيا» كى لا تستطيع القيام بأى تحركات عسكرية مستقبلية فى جوارها الإقليمى. بينما قالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس مراراً وتكراراً خلال الأسابيع الماضية إنه «يجب ضمان انتصار أوكرانيا بأى ثمن». كما قالت إن «انتصار أوكرانيا واجب استراتيجى بالنسبة لنا جميعا..

نحن نضاعف دعمنا. سنواصل المضى قدما وبشكل أسرع لإخراج روسيا من أوكرانيا بأكملها»، بما فى ذلك شبه جزيرة القرم التى ضمتها موسكو رسميا للفيدرالية الروسية.

تصريحات تراس دفعت الكاتب البريطانى فى صحيفة «الجارديان» سيمون جينكز إلى انتقادها، متهما إياها بتحويل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا لـ «بيدق فى التنافس على السلطة فى حزب المحافظين».

لكن يظل السؤال المعلق هو: هل هذه التصريحات تعكس تحولا فى الإستراتيجية الغربية؟ أم أنها تعكس تمنيات بلا إستراتيجية واضحة؟

ففى الأيام الأولى من الأزمة كانت الأهداف الغربية تتمحور حول دعم القوات الأوكرانية لصد روسيا ومنعها من السيطرة على العاصمة كييف وغرب وشمال أوكرانيا، ثم إجبار القيادة الروسية على التفاوض من أجل حل دبلوماسى للأزمة.

الآن بات الهدف المعلن فى بعض العواصم هو هزيمة روسيا عسكريا وتحقيق نصر أوكرانى واضح، يتمثل فى استعادة كل الأراضى الأوكرانية.

  تأمل تاريخى عميق لحال أوروبا

إنه هدف إستراتيجى محمل بالألغام السياسية والأمنية بالنسبة لأوروبا وليس هناك توافق حوله. فلم يتردد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى الدعوة إلى تفكير عميق بشأن مستقبل أوروبا، قائلا إن الأزمة الروسية الأوكرانية أظهرت الحاجة إلى «عملية تأمل تاريخية».

ولوح الرئيس الفرنسى بصعوبة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبى فى القريب العاجل، قائلاً: «نعلم جميعا جيدا أن عملية السماح لأوكرانيا بالانضمام، ستستغرق عدة سنوات بالفعل، وربما عدة عقود. هذه هى الحقيقة ما لم نقرر خفض معايير الانضمام.. وإعادة التفكير فى وحدة أوروبا».

 كما حذر ماكرون من إذلال روسيا بسبب الحرب فى أوكرانيا، مجادلًا ضد «تسوية عقابية» لموسكو عندما تنتهى الحرب، قائلاً: «عندما يعود السلام إلى التراب الأوروبى، سيتعين علينا بناء توازنات أمنية جديدة ويجب ألا نستسلم أبدًا للإغراء.. أو الرغبة فى الانتقام لأننا نعرف كم أدى ذلك إلى إفساد الطريق إلى السلام فى الماضى».

وتتولى فرنسا حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبى مما يعطيها وزنا إضافيا فى وضع أولويات الكتلة الأوروبية هذا العام. لكن نهج ماكرون له معارضون. فالصحافة اليمينية فى بريطانيا جددت انتقاداتها اللاذعة لـ «الخط الساخن» بين ماكرون وبوتين، على الرغم من أن تلك الاتصالات الهاتفية الدورية هى إحدى الوسائل القليلة المتبقية لتحقيق أى اختراق سياسى، وسط تدفق غير مسبوق للأسلحة والمساعدات الغربية لأوكرانيا.

لكن هذا التدفق، الذى جمد عمليا المسار السياسى، لم يعد حتى مصدر إجماع داخل واشنطن. فالسيناتور الجمهورى البارز فى الكونجرس الأمريكى راند بول يمنع تمرير حزمة المساعدات الجديدة لأوكرانيا، معترضاً على حجم الانفاق. وفى توضيح لاعتراضه على تمرير حزمة المساعدات قال راند بول: «هذه ثانى فاتورة إنفاق لأوكرانيا فى شهرين. وهذه الفاتورة أكبر بثلاث مرات من الأولى. الكونجرس يريد فقط الاستمرار فى الإنفاق والإنفاق».

ويأتى رفض راند بول بعدما طلبت الإدارة الأمريكية من الكونجرس دعماً حوالى ٣٢ مليار دولار لأوكرانيا، ٢٠ مليارا منها للدعم العسكري، ونحو ٩ مليارات لإعادة الإعمار، و٣ مليارات مساعدات إنسانية عاجلة.

أسئلة حول الإستراتيجية الغربية

الانفاق الهائل من الغرب لدعم أوكرانيا، إضافة إلى تغيير الأهداف من الضغط على موسكو لدفعها للتفاوض، إلى هزيمتها عسكريا وإخراجها من كل أوكرانيا، يطرح تساؤلات حول الهدف النهائى للغرب من الأزمة وكيف سترد موسكو على تمدد الناتو إلى حدودها البرية، وما إذا كانت تلك التحركات الغربية تعزز احتمال استخدام موسكو للأسلحة النووية التكتيكية.

فكلما طالت الحرب، زادت احتمالية انجرار الناتو وروسيا إلى صراع مباشر، سواء بقرار عمدى أو بالصدفة عبر حادث عابر يفجر المواجهة. فموسكو باتت تستهدف مواقع وحمولات المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا. ويمكن أن تؤدى مثل هذه الهجمات بسهولة إلى تصادم مباشر بين القوى العظمى، فقد تقرر روسيا استهداف قواعد الناتو عمدا حيث تتلقى أوكرانيا المساعدة العسكرية والتدريب ومثل هذه المواجهة ستحمل مخاطر نووية واضحة.

وفى ضوء تلك المخاطر الجسيمة، يحاجج البعض أنه على عكس تأكيدات الناتو أن ضم السويد وفنلندا يعزز الأمن الأوروبى، فإنه فى الواقع يهدد الأمن الأوروبى ويزيد من العداء بين موسكو والغرب.

ففى موسكو ينظر لخطوة توسيع الناتو على أنها «عمل عدائى»، بغض النظر عن وجهة النظر فى السويد وفنلندا من أن الانضمام «اختيار منطقى» وجاء رداً على الأزمة الأوكرانية -الروسية وتزايد المخاوف على أمنهما القومى.

ومع تكرار أمريكا وبريطانيا أن الهدف لم يعد دفع موسكو إلى طاولة المفاوضات، ولكن السعى إلى هزيمة كاملة للقوات الروسية، فإن احتمالات سوء الحسابات يتعاظم لمستويات مخيفة.

فحتى الآن تعتبر موسكو الحرب مع أوكرانيا «عملية خاصة» وبالتالى لم تستخدم كل قدراتها العسكرية، لكن المزيد من الضغط الغربى عليها والدعم العسكرى المتواصل لأوكرانيا قد يدفع روسيا إلى تعبئة كاملة لخوض حرب شاملة باستخدام كل الجيش النظامى الروسى. كما قد تلجأ موسكو إلى الأسلحة غير التقليدية بما فى ذلك الأسلحة النووية التكتيكية. فى هذه الحالة فإن كل الأسلحة الثقيلة الجديدة التى تتدفق إلى الجيش الأوكرانى لن تنقذه من الهزيمة.

لكن حتى إذا تم استبعاد سيناريو المواجهة النووية، فإن توسيع أهداف الغرب من الحرب مع روسيا وتجميد المسار السياسى سيعنى نزاعا أطول وأكثر حدة يدمر أوكرانيا ويشل روسيا، ويدفع ثمنه ملايين المدنيين.  فالحرب بالوكالة بين روسيا وأوكرانيا، نيابة عن أمريكا وحلفائها الغربيين يمكن أن تطول لسنوات وسنوات كما يحدث عادة مع الحروب بالوكالة.

إنها كلها سيناريوهات كارثية على الأمن العالمى، والأمن الأوروبى بشكل خاص. فلا الانهيار الكامل للقدرات العسكرية الروسية، ولا الانتصار الكامل لأوكرانيا «ضروريان لأمن الغرب» كما حاجج بريندان ريتنهاوس جرين، الأستاذ المشارك فى العلوم السياسية فى «جامعة سينسيناتى» الأمريكية، وكيتلين تالمادج، أستاذة الدراسات الأمنية فى «جامعة جورج تاون» الأمريكية فى صحيفة «واشنطن بوست» هذا الأسبوع.  

فوزارة الدفاع البريطانية تقدر أن روسيا فقدت حوالى ثلث قواتها القتالية فى أوكرانيا. ويشمل ذلك الجنود القتلى والجرحى والمعدات التى تم تدميرها أو اتلافها. وقبل شهر توصلت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إلى نتيجة مماثلة، حيث قالت إن روسيا فقدت نحو 25٪ من قواتها المشاركة فى المعارك وأن هذا هو السبب الذى جعل روسيا تركز عملياتها فى إقليم دونباس فى الشرق. 

لكن حتى فى الشرق تواجه الحملة الروسية الكثير من التعقيدات والتأخير بسبب الأسلحة الغربية المتطورة، التى أرسلت إلى أوكرانيا. والمشاكل اللوجستية والعسكرية التى تواجهها موسكو تدفع البعض فى الغرب إلى تفضيل خيار «إضعاف روسيا» لعقود قادمة.

لكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر. فإنفاق موارد هائلة ضد بلد أوروبى بحجم روسيا، يعانى فى تلك اللحظة من تحديات كبيرة لكن بيده أوراق إستراتيجية خطيرة، لن يساهم إلا فى تعزيز التحالف الاستراتيجى بين روسيا والصين، وهذا سيناريو قد ينقلب على أوروبا وأمنها ويضعها تحت ضغط غير محتمل.  

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق