رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شغفته الصحافة حبا .. ورافقه القلم 70 عاما ..«منتصر» فى لقاء الاعترافات المدهشة

هاجر صلاح
كان عاشقا للتكنولوجيا ومواكبا لها > تصوير ــ محمد حسنين

> لم يكن يقرأ الأهرام قبل العمل فيه.. وكثرة «الفلوس» أفسدته فى شبابه!

> أسس قسم التحقيقات وعمره 25 عامًا .. وحركة التغييرات الصحفية تأجلت بسببه 6 أشهر

 

 

أن تحاور كاتبًا صحفيًا ليس فى العادة أمرًا سهلًا، فما بالنا بصحفى «متمرس» عرك الصحافة وعركته لأكثر من نصف قرن كصلاح منتصر!

منذ ثلاث سنوات ؛ وعلى مدى أكثر من ساعة، استقبلنا الكاتب الراحل فى شقته بالزمالك ؛ مع زميلى المصور محمد حسنين، لنجرى معه أولى حلقات سلسلة حوارات «أنا والأهرام».

التحفظ كان سيد الموقف فى البداية، لكن سرعان ما ذاب الجليد، واسترسل فى الحكي، بينما يدعونا من حين لآخر ألا ننسى «كاسات العناب» المثلج التى أمامنا، ويداعب المصور الذى انهمك فى عمله : شكلك غاوى شاى يا محمد.

مفاجآت كثيرة كشف لنا عنها الكاتب الراحل فى حديثه معنا، ربما كان أكثرها إدهاشًا أنه لم يكن يحب قراءة جورنال الأهرام فى شبابه، فكان يرى أن «دمه تقيل»، لدرجة أنه لم يبدأ قراءته إلا بعد أن انتقل للعمل به فى عام 1958، قادمًا من مجلة «آخر ساعة»التابعة لمؤسسة الاخبار، وكان هيكل قد سبقه إلى الأهرام بعام، وأدخل عليه تعديلات كثيرة، فأصبح يجمع بين الرزانة و«خفة الدم» على حد وصفه.


يتصفح «سجل الأهرام» الذى أعده بعد الاطلاع على أعداد الأهرام فى 130 سنة

يسألني: انتى ما بتكتبيش ولا إيه؟! فأخبره أنى أقوم بالتسجيل، فيتساءل: هو فين التسجيل ده؟! ثم يواصل الحكي، ويستمر فى إدهاشنا!

هل يتصور أحد مثلًا أن صلاح منتصر أسس قسم التحقيقات الصحفية فى الأهرام وعمره 25 سنة؟! يلاحظ دهشتى، فيخبرنى أن ذلك كان معتادًا فى جيله، مؤكدًا أكثر من مرة خلال حديثه أن السن لم تكن معيارًا، بل الكفاءة والقدرة على العمل.

يدهشنا مجددًا بصراحته عندما أجاب عن سؤالى الذى طرحته بقدر من الحرج، مستفسرة عن صحة المعلومة المتعلقة بفصله من مجلة آخر ساعة لتهربه من التجنيد، فلم يتهرب أو ينكر الأمر، وقال:« نعم رب ضارة نافعة»، فلولا ذلك لما انضم إلى أسرة الأهرام، وإن كان لم ينكر أيضا أنه كان يسعى للانتقال إليه بعد أن ترك هيكل رئاسة تحرير آخر ساعة، فهو على حد تعبيره: «لقى نفسه معاه «، وكان معجبًا بكتاباته من قبل لقائه، وبعد اللقاء، قربه هيكل منه، بعد أن رأى فيه «مشروع صحفى» جيدًا.

ويواصل صراحته:» أعترف أن «الفلوس الكتير» أفسدتنى فى شبابي، فمرتبى من عملى فى آخر ساعة، وكموظف حسابات فى مصلحة الطيران المدني، كان يصل الى 38 جنيهًا وهو مبلغ ضخم فى منتصف الخمسينيات، إلى أن تفرغت تمامًا للصحافة بعد التحاقى بالأهرام».

عندما نقول إن صلاح منتصر كان من الجيل الذى شغفته الصحافة حبًا،لا نبالغ، فهو وجيله لم يكن يشغله كم ساعة أمضاها فى العمل. أسأله عن الانفرادات التى حققها، فيقول بتواضع: «أنا وجيلى لم يكن يشغلنا أن نزهو بتحقيق انفراد، بل كل ما يهمنا هو العمل وإنتاج الموضوعات والتقارير المتميزة. وعن نفسى، كان كل ما يعنينى أن أختار أفكارًا غير تقليدية أو مألوفة».

لا يذكر صلاح منتصر أن منع له موضوع من النشر، لكن ما يجزم به أن أحدًا لم يعيد له صياغة موضوعاته، بل هو من كان يعيد الصياغة لموضوعات زملائه، يقولها ضاحكًا، فأقاطعه:» حضرتك بدأت رئيس قسم التحقيقات، فمن سيجرؤ إذن على إعادة صياغة ما تكتب؟!

فى عقد الثلاثينيات من عمره، كان منتصر قد ارتقى ليصبح عضوًا فى مطبخ الجريدة المتمثل فى «الديسك المركزى»، أسأله عن القرارات التحريرية المهمة والفاصلة التى كان عليه اتخاذها بحكم موقعه كمدير تحرير لاحقًا، فيفاجئنى بأنه لا يمكن أن يتذكر أيًا منها لسبب بسيط، وهو أن العمل اليومى يجعل الصحفى وكأنه مربوط فى «ساقية»، فما يحدث فى يوم ينتهى ويتلاشى بمجرد بدء يوم عمل جديد، ونفس الأمر بالنسبة للكتابة اليومية، فلا وقت للاستمتاع بما كتبت، لأنك تفكر دائما فيما ستكتب غدًا».

مشاعر الحزن بدت واضحة على قسماته مرتين خلال الحوار، الأولى عندما تذكر ما حدث فى هزيمة 67، والتغطية الصحفية «المضللة» التى شارك فيها بحكم موقعه فى الديسك المركزي، فشعر أنه باع الوهم والأكاذيب للقارئ، الأمر الذى دفعه فيما بعد للبحث عن مجال جديد تمامًا للكتابة وهو «البترول» وأسواقه واقتصادياته وتخصص فيه لمدة 10 سنوات، والمرة الثانية عندما تذكر فترة خروجه من الأهرام فى منتصف الثمانينيات ليتولى رئاسة مجلس إدارة دار المعارف ورئاسة تحرير مجلة أكتوبر، وهو القرار الصعب الذى لم يشجعه على اتخاذه إلا أسامة الباز ــ المستشار السياسى للرئيس الأسبق مبارك ــ ، لكن بعد فترة تردد استمرت 6 أشهر، وتأجل إعلان حركة التغييرات الصحفية بسببه.

بعد نحو الساعة من بدء الحوار، انفرجت أساريرى بعد أن دعانى كاتبنا القدير للدخول إلى ما يسميه «عشه» أو غرفة مكتبه، حيث يقرأ بالساعات ويكتب عموده اليومى « مجرد رأى» الذى استمر لأكثر من 40 عامًا واستلهم عنوانه من مقال الكاتب يوسف السباعى» مجرد نصيحة»، وتحول اللقاء الرسمى إلى «دردشة»، أفضى فيها بأسراره فى الكتابة وتجميع المعلومات وتدوينها فى «نوت» صغيرة، لكنها متينة لا تبلى، كان قد أحضرها معه من اليابان، موجهًا نصيحته لكل صحفى أن يكون لديه ذاكرة مكتوبة، فيدون ملاحظاته عند حضوره أى مناسبة أو لقاء أو ندوة، لأنه بالتأكيد سيحتاجها عندما يحين الوقت، كان خطه صغيرًا منمنمًا بشكل لافت .. تستمر الدردشة وهو يتصفح أمامنا «سجل الأهرام الذى أعده، وهو عبارة عن صفحات من 150 عددا من الأهرام انتقاها بدءًا من أول صدوره حتى عام 2006، توثق تاريخ مصر، وتوضح مراحل تطور الأهرام الإخراجية.

أكثر ما يفخر به صلاح منتصر أنه لم يحتج إلى «واسطة» فى حياته، وكل رئيس تحرير تولى الأهرام كان يعتبره «رقم واحد» فى الجورنال.

الكثير من الأعوام كانت بالتأكيد قد حفرت آثارها على كاتبنا الراحل، وهو ما ظهر عليه فى صورة «إنهاك» بدنى ملحوظ، وهو ما ألمح إليه عندما سألناه إذا ما تلاشت أحيانًا رغبته فى الاستمرار فى الكتابة، فكان رده:» بالتأكيد أفكر فى هذا الأمر، خاصة بعد أن تراجعت صحتي، فالكتابة بحاجة إلى قوة وصحة».

فى ختام حوارنا عندما سألته كيف ينظر لمشواره الصحفي، يذهلنا بتواضعه من جديد عندما لخص الأمر قائلًا: بدأت تلميذًا بالتأمل والمراقبة .. ومازلت تلميذًا بالقراءة والمتابعة فى مهنة لا قمة لها»

كنت ألح أحيانًا فى معرفة تفاصيل وقائع بعينها، وكانت تتعلق بطبيعة الحال بأطراف أخرى، فكان يكتفى قائلا: رحم الله الجميع»..

رحمك الله كاتبنا القدير .. فقد أديت رسالتك وأخلصت لمهنتك .. فارقد فى سلام!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق