رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تاريخ وأسرار توثيق الآثار

محمد جلال الدين ــ محمد شرابى

هل يمكن اقتفاء سيرة أثر؟ معرفة تاريخه تفصيليا، والمرات التى تعرض فيها للترميم، ومن قام على ذلك الوصف والترميم فى كل مرة، وكيف كانت صورته الأولى وكيف تطورت من زمن إلى آخر؟ هذا التسجيل الذى يستغرق أزمانا طويلة له فى مصر تاريخ عريق بأيدى خبرات أجنبية ومهارات مصرية شغوفة.

إجابة هذه الأسئلة كلها داخل «مركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية» الذى شهد مراحل عدة ترجع

أولاها إلى نهايات القرن الـ19 بداية بفرمان الخديو محمد توفيق، ومهدت لمراحل أخرى من الابتكار العلمى والإبداع فى التسجيل والتوثيق لتاريخ الأثر الإسلامى. وجاءت الإجابات بمزيج رائع عن تاريخ الأثر والبشر وعلاقات الدول، وغير ذلك العديد من المعارف التى ساهمت فى تطوير تجربة مصر العريقة فى توثيق وتسجيل الآثار الإسلامية.

 

البدايات.. فرمان توفيق وكراسات القومسيون

يروى الدكتور ضياء زهران، المشرف العام على المراكز العلمية للآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار، عن بدايات مركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية، فيقول: «البداية كانت بلجنة لحفظ الآثار العربية. فقد صدر فرمان عاجل من الخديو محمد توفيق (1852 – 1892) فى 18 ديسمبر عام 1881 بتأسيس لجنة لتسجيل وتوثيق الآثار العربية تحت رئاسة ناظر عموم الأوقاف».

وبناء على هذا الفرمان، تنوعت مهام اللجنة بين جرد وحصر الآثار العربية القديمة التى يكون لها فائدة تاريخية أو صناعية. وملاحظة صيانة تلك الآثار ورعايتها من التلف، وإخبار «نظارة الأوقاف» بالتصليحات والترميمات المقتضى إجراؤها. وكذلك النظر فى الرسومات والتصميمات الهندسية التى يتوجب الاستعانة بها فى عمليات الترميم. وأخيرا، حصر التحف والأيقونات الموجودة بالجوامع ونقلها إلى «الأنتيكخانة» تمهيدا لحفظها وعرضها.

وحسب الدكتور ضياء زهران، فقد تم تحديد أول ميزانية للجنة وكان مقدارها 7500 جنيه، وكان ضمن عضويتها عدد كبير من المهندسين والخبراء الأجانب، مثل المهندس ماكس هرتس باشا، وهو مجرى الجنسية وتولى منصب كبير مهندسى لجنة حفظ الآثار العربية القديمة. واستمر عمل اللجنة لفترة قياسية بين عامى 1881 و1954.


ويكمل دكتور ضياء زهران: «وبناء على هذه اللجنة، تم تشكيل قومسيونين اثنين، الأول مختص بجرد الآثار العربية المصرية، وقام بحصر عدد 664 منشأة، وهى عبارة عن مساجد وقباب وأسبلة وأغلبها ترجع إلى العصرين الفاطمى والمملوكى».

أما «القومسيون» الثانى، فتم تكليفه بمعاينة القطع الآثرية والتوجيه بالتى ينبغى نقلها إلى المتاحف لأغراض العرض. وانتهت هذه اللجنة إلى إتمام 303 محاضر و919 تقريرا، نشرت كلها فيما يعرف «بكراسات لجنة حفظ الآثار العربية». وتم جمع هذه المستندات فى أربعين مجلدا باللغة الفرنسية، وهى اللغة التى تم استخدامها فى إعداد أغلب هذه التقارير والمحاضر. وتم ترجمة حوالى 26 كراسة فى الفترة بين عامى 1882 و1909 إلى اللغة العربية.


من أقدم نماذج التصميم الموثقة لجامع محمد على

ويوضح الدكتور زهران أن وزارة السياحة والآثار تعكف حاليا على استكمال ترجمة باقى الكراسات. ويؤكد الأهمية البالغة لهذه «الكراسات» موضحا: « تحتوى تقارير علمية بالغة الأهمية، فضلا عن الصور القديمة للآثار، والرسومات الهندسية القديمة للجوامع، مثل (جامع السلطان حسن) و(جامع محمد على) و( جامع المؤيد) ومختلف آثار شارع المعز، وأبواب النصر، والفتوح، وزويلة. ويتم العودة مرارا وتكرارا لهذه الكراسات كمرجع وللوقوف على أصل الأثر وحالته الأولى عند تسجيله، ومعرفة أى مقايسات تمت للترميم ونوعها وتكلفتها، وحتى مواقع المحاجر التى كانت مصدرا لجلب الأحجار المستخدمة فى الترميم. وكذلك معرفة من قام بالإشراف على عمليات الترميم من المهندسين وجنسياتهم. وذلك كله يساعد فى عمليات الصيانة والترميم لاحقا، وكأنها بيان مفصل لتاريخ كل أثر.

وكذلك تكشف»الكراسات» عن تاريخ تطور العلاقة مع المنظمات والمعاهد العلمية فى الداخل والخارج، والمعارض الفنية التى اشتركت فيها اللجنة. والأهم، تستعرض بدايات إنشاء المتاحف، وطرق قيامها، وكيفية تزويدها بالقطع والتحف وأساليب العمل والادارة فيها. وكانت هذه البداية.. بداية قوية يصعب تكرارها.

 

أفضال عبد التواب فى منزل «الذهبى»

 

كراسات القومسيون لم تكن فقط مخزونا وثائقيا يصعب تكراره، بل مهدت إلى قيام الحلقة الثانية فى تاريخ ما أصبح مركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية.

فى الخمسينيات، وتحديدا عام 1956، تم تأسيس مركز تسجيل الآثار والحضارة المصرية وضم جميع الرسومات الهندسية والخرائط المعنية، بواقع أكثر من 5 آلاف رسمة هندسية ولوحة، و1207 خرائط مساحية، وأكثر من 10 آلاف صورة فوتوغرافية. وهو كل ما تم استلامه من لجنة حفظ الآثار العربية.


وبعدها كانت الخطوة الثالثة، وبطلها عبد الرحمن عبد التواب، مدير عام الآثار الإسلامية والقبطية وقتها، حينما تقدم بمذكرة إلى مجلس إدارة هيئة الآثار فى أكتوبر 1973 لإنشاء مركز متخصص لتسجيل الآثار الإسلامية والقبطية. ووقتها تم تخصيص منزل «جمال الدين الذهبى» الأثرى بشمال القاهرة، كأول مقر للمركز اعتبارا من أول يناير 1975، وانتدب عبد الرحمن عبد التواب مديرا عاما للمركز.

ولعبد التواب أفضال عظيمة على مجال حفظ وتوثيق الآثار الإسلامية والقبطية، فقد وضع المنهج الأساسى الذى سار عليه كل من آتى بعده. قام الرجل ذو البصيرة والشغف بتدريب العاملين بالمركز على طريقة التسجيل الأثرى، من حيث موقع الآثر وتاريخه ونشأته وملامحه من الداخل والآخر وإجمالى حصاد منقولاته.

كما قام بجمع المصطلحات الاثرية من الوثائق للمساعدة فى عملية التسجيل، محددا الفروق بين العديد من المصطلحات مثل «الإيوان» و»الرواق» وأيضا المصطلحات الدالة على أنواع الأسبلة المختلفة. وفى ولايته، تم نقل عهدة «الرسمخانة» الخاصة بلجنة حفظ الآثار العربية والمختصة بوضع الرسومات الهندسية والتوثيقية، إلى المركز.

 

الختام فى كنف «الأمير طاز»

حاليا، يقع مقر «مركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية» فى شارع «السويفية» بداخل قصر الأمير طاز المتوفى عام 1361 ميلاديا، والذى كان أحد أبرز أمراء الدولة المملوكية. ويضم المركز 31 مفتشا ومفتشة من أوائل الخريجين وأصحاب الدرجات العلمية المتقدمة. وينصب دورهم على إعداد الدراسات الأثرية التى تفيد فى مشروعات الترميم، ويضم عددا من المهندسين المعنيين بعمل الرفع المعمارى للآثار، وقد كان للأبحاث والدراسات التى قام بها هؤلاء المتخصصون والمهندسون الفضل فى أعمال ترميم وصيانة 15 كنيسة، والحفاظ على التفاصيل الفنية الدقيقة لنحو 350 أيقونة قبطية فريدة بداخلها.


د. ضياء زهران يستعرض إحدى «السلبيات» [تصوير ــ أمير عبدالظاهر]

ومن أهم أدوار المركز حاضرا، يوضح الدكتور ضياء زهران أنها الـ»رقمنة» لجميع الوثائق والمستندات والخرائط والصور التى يضمها المركز، والتى يرجع تاريخها إلى أعمال «لجنة حفظ الآثار العربية». وكذلك استلام وحفظ أرشيف «السلبيات الزجاجية» التى تعد مثيلا للـ»نيجاتيف» وتتضمن صورا يمكن نقلها وطباعتها على الورق. وتجاوز عددها أكثر من 12 ألف «سلبية» وتم التقاطها فى الفترة بين عامى 1882 و1953، ومنها «سلبيات» تم شراؤها من هواة التصوير.


كما يعكف مركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية على تسجيل الآثار المكتشفة، بشرط أن يكون لها قيمة فنية وأثرية من خلال عمل تقرير هندسى، وملف علمى، ومحضر مع المساحة والأملاك بموقع الأثر ورفعه معماريا وتوقيعه على خريطة. ويتم تشكيل لجنة لمعاينة المبنى المعنى لبيان مدى صلاحيته للتسجيل بشرط مرور ما لا يقل عن مائة عام أو أكثر على إنشائه، أو استصدار قرار من رئيس مجلس الوزراء فى حالة اذا مر عليه أقل من مائه عام.

وتشكل المكتبة الخاصة بمركز تسجيل الآثار الإسلامية والقبطية مركزا للعديد من كنوز المؤلفات التراثية والأثرية. ومن أبرز المجلدات النادرة بالمكتبة، مجلد للمستشرق الإنجليزى «كريزويل» (1879- 1974) والذى عمل مع لجنة حفظ الآثار لمدة 12 عاما، بأوامر من الملك فؤاد، وهو مكون من ثلاثة أجزاء كبيرة، ويحوى صور رسومات هندسية وصورا للآثار، أبرزها كتيب لمشروع ترميم مسجد محمد على، والذى بدأ عام 1936، وتم افتتاحه عام 1939. ويوضح «الكتيب» كيف تم إزالة القباب الخشبية، واستبدالها بقباب خرسانية. ويبين الرسم ارتفاع المئذنة التى بلغت 88 مترا.


كما تحوى المكتبة مصادر ممثلة لمختلف العصور بين العثمانى والفاطمى والمملوكى، مثل «عجائب الآثار» للجبرتى و»تاريخ بن خلدون» و»الكامل فى التاريخ» و»رحلة ابن بطوطة». ويبلغ إجمالى عدد الكتب بالمكتبة 2603 كتب.

 

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق