رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«مسبحة الحاجة فاطمة»

سيد محمود سلام

لم يكن فى بيتها ما يدفئ حوائطه الطينية من قسوة البرد غير أعواد الحطب والخوص الملقى فى الحوش، ولا ما يؤكل كل يوم غير الجبن القديم المعبأ فى قوارير قديمة، والفول المدمس والبصل، تنتظر صباح كل خميس، عندما يطرق ابن شقيقها بابها حاملا «صرة» بها قطعتا لحم، وأرغفة ساخنة، وزجاجة مملوءة بالسمن البلدى. هى ترى أن حياتها رغم ما بها من ملل، أشبه بصفحات كتاب، تقلب صفحة منه مع سطوع شمس كل يوم، لا تؤنس وحدتها مع قدوم العتمة، كل ليلية سوى، جارتها أم أحمد، تنظف زجاج لمبة الجاز، وتطيل شعلتها، حتى تضيء الليل، فبيتها الطينى، لم يكن ليحتمل وصلة كهرباء، ومع سقوط العتمة على البيت، تبدأ الطواف فى غرفتها تسبح، وتقرأ وردها اليومى، مما حفظته من القرآن وهى صغيرة.

تردد وراءها أم أحمد، ثم تتركها مع دفء الساعات الأولى من الليل، تتوضأ... حيث تختتم يومها بصلاة العشاء، وبعض السنن مع الورد اليومى. كانت الحاجة فاطمة تعيش كما تقول هى «عيشة ملوك» حامدة ربها رغم فقدانها لبصرها فى التاسعة من عمرها.

فى الصباح تخرج من بيتها، باب خشبى كبير ثقيل جدا، يزعج المارة صوته عند فتحه، لكنها اعتادت على دفعه للفتح والإغلاق، غرف بيتها أشبه بكهوف، ملأها «ذبل» طيورها التى كانت تربيها، لتبيعها، تعرفهم رغم فقدانها للبصر، تعدهم بطريقة يصعب على المبصر أن يدركها.

حفظت الحاجة فاطمة القرآن وهى صغيرة، حرص والدها على أن يذهب بها وهى طفلة فى صباح كل يوم إلى كتاب الشيخ درويش، فتعلمت قبل أن تفقد بصرها الكثير، تم تزويجها من رجل يكبرها بعشرين عاما، لم تكن تعرف حتى ملامحه، أحبت حياتها معه أنجبت منه بنتا وأسمتها زينب، وولدا أسمته حامدا، رحلت الابنة بعد زواجها بعامين، والابن أيضا مات على سجادته وهو يصلى الفجر. لم تبك الحاجة فاطمة رحيل الولد، ولم تصدر صوتا كعويل نساء القرى، تذهب كل يوم جمعة إلى مقبرة ابنيها، يصطحبها الجيران، ممن يذهبون لزيارة ذويهم، فالمقابر ليست بعيدة، إن صعد أحدهم أعلى بيته رآها، هى ما بين الجبل الغربى، والبيوت.

فى الأعياد تصبح قاعات بيتها المتواضع ملتقى لكل القادمين من المدينة «القاهرة»، يحملون لها أكياس القهوة التى تحبها، والمسابح الخشبية ذات الرائحة المعطرة، وأعواد البخور. فهم يعرفونها جيدا، ويفتتحون أيام أجازتهم بزيارتها، يذهبون للتبرك، ينامون على مخدتها القطنية، لتقرأ على رأس كل منهم وردا، وتضع وهى تقرأ مسبحتها فى كوب ماء، فمن يعانى الصداع يذهب إلى الحاجة فاطمة، ومن يمر بضائقة، أو تخشى أن يتركها قطار الزواج، أو من تشك فى إصابتها بسحر، تذهب إليها، ففى وردها، وماء مسبحتها الشفاء.

كانت كل أمنياتها أن تلف بكفن أخضر، مبلل بماء زمزم، ظلت سنوات طويلة تحرص على اقتنائه، وكلما أحضره لها أحد القادمين من الأراضى الحجازية تأكله الفئران، فتوصى أحد أقاربها بغيره.

قبل رحيلها بأيام، أوصت، «أم أحمد» بأن تنفذ لها وصيتها، وهى أن تلف بالكفن المعطر بماء زمزم، وأن تدفن معها مسبحتها، وقطع من ملابس ابنتها التى رحلت، وطاقية تركها ابنها قبل موته، وبعض أشياء كانت تؤنس وحدتها، كلما اشتاقت إليهما أخرجت ما تبقى منهما من أشياء وقرأت عليها وردها.

وفى ليلة ودعت فيها كل شىء، جلست على عتبة بيتها، ترد السلام على كل المارة ممن يعرفونها، ويؤكدون على أم أحمد أن تترك الباب مفتوحا، وأن تنير كل المواقد، وأن تصلى معها صلاة العشاء جماعة، ثم راحت الحاجة فاطمة، تتلمس فرنها، طيورها، تمسح بيديها على كل مكان، ثم خلدت إلى النوم وراحت فى نعاس عميق.

شعرت أم أحمد أن شيئا ما غير عادى يحدث للحاجة فاطمة، رغم إنها لا تعانى مرضا، ولم تشك من شىء، لكنها رددت كلمات غير مفهومة قبل أن تودعها، وفى الصباح هرعت أم أحمد مسرعة إلى بيت الحاجة فاطمة... الباب مفتوح، ولا صوت يصدر من غرفتها، مصباح الحاجة فاطمة انطفأ، وانطفأت معه بهجة بيتها، لا صراخ ولا عويل، تلك كانت وصيتها أيضا، كفنونى، وطوفى بى من جانب المسجد بعد الصلاة على، وودعونى فى هدوء، ووزعوا طيورى على الفقراء، ثم أغلقوا باب بيتى. ودعها كل أهالى قريتها، فى مشهد مهيب، دفنت فى نفس مقبرة ابنتها، ومعها دفنت مسبحتها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق