رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البنزينة

محمد عبدالله الهادى

توقّف هطول المطر، وخفّت برودة الجو قليلًا، لكن السماء ما زالتْ حبلى بالغيوم السوداء، المنذرة.
انعطفت السيّارة الفارهة، العجولة، مارقةً بسرعة فى الاتجاه المعاكس لمخرج المحطّة، وتوقفتْ مضطرة، فجأة، بفرملة كابحة أدّت لاحتكاك إطاراتها بالأسفلت اللامع المبتل، عندما فوجئ قائدها بسيّارة صغيرة أمامه؛ سيارة صغيرة نصر 128 ملّاكى، موديل قديم، متهالك، تتهادى ببطء دواليبها المتعبة، وقد استردّت أنفاسها، بعد التزوّد بالوقود، خارجة فى طريقها الطبيعى فى مواجهته. تأملها، بنظرة خاطفة، مشمئزّة، من خلف زجاج الفاميه؛ كان سائقها شابًا ثلاثينيًا، بجواره سيّدة تصغره قليلًا يبدو أنها زوجته تُهدهد طفلًا رضيعًا بين يديها وتناغيه، وثمة طفل وطفلة آخران، كملاكيْن جميليْن يبدو أنهما توأم يتطابقان تقريبًا فى الشبه والملامح، يشبّان على أطراف أصابعهما بشقاوة من المقعد الخلفى، ويتشبّثان بمسند المقعد الأمامى، وينظران لسيارته الفارهة التى تسد المخرج أمامهم بفضولٍ طفولى، أخذه قسرًا للماضى البعيد، الذى رغم إيغاله فى البعد، يطفو دومًا على أمواج الذاكرة، يربكه، ويعرقل تفكيره بالسؤال: هل كان فى ذلك الوقت طفلًا يقاربهما فى العمر؟..

كانت السيارة «نصر» العتيقة تتقدّم فى مواجهة السيّارة الفارهة بثقةٍ وبطء، غير مبالية بوجودها، ولا بوجود كل تجهيزاتها القياسيّة الخاصة، المخيفة، كمركبة دفع رباعى تشبه المدرعة؛ فأر فى مواجهة أسد. ابتسم ساخرًا من فكرة أن السائق، الشاب الثلاثينى، بحمية الشباب، تساوره رغبة مجنونة، فى إجباره على التّراجع، وإلّا سيصطدم به لا محالة، وليكن ما يكون. تساءل: ما حجم خسارته، لو تهوّر هذا المجنون، مقابل أدنى خدش بالفارهة؟. بعناد مقابل، وليد اللحظة، تشبّث بموضعه، لن يرجع للخلف قيد أنملة، لن يصحح الخطأ. ظل متواريًّا وراء الزجاج المعتم الذى يلفه بالغموض داخل سيارته الفارهة، يرقب رد الفعل للنصر، وكأنه يتابع مسلسلًا تتوالى مشاهده المُسليّة. توقفت السيّارة النصر فجأة على بعد قبضتيْن لا أكثر من السيّارة الفارهة، كأنما تلعب معها لعبة سياسة حافة الهاوية. ضحك قائد الفارهة، مشهد يحبس الأنفاس، بهذا الوضع لم يتبق هناك أيّ فرجة، أو مساحة خالية، تسمح لإحداهما بأن تتجاوز الأخرى، وتفض الاشتباك. وفوجئ بصياح الطفليْن معًا معجبيْن بمهارة أبيهما، فارتدّ للماضى.

على صفحة الزجاج المُعتم، رأى نفسه مثلهما فى السادسة، أو أكثر قليلًا، عندما ألحّ على أبيه ليصطحبه معه للحقل، ليلعب حول إخوته الأكبر، الذين يعملون هناك. كان المحظوظ الوحيد فى الأسرة الريفيّة، لأنه آخر العنقود، ولأنه أفلت من مهنة الفلاحة الشّاقة، فى زمن الباشوات، عندما ألحقه أبُوه بالمدرسة، بالقرية الكبيرة المجاورة لعزبة الباشا، حيث يقيمون..

ركب الأب الحمار، وتهيأ للمسير، فأردفته أمه خلف أبيه، وهى توصيه أن يتشبّث جيدًا بجلبابه حتى لا يقع.

داس الشاب الثلاثينى على سرينة السيّارة العتيقة، فزعق صوتها المبحوح منبهًا الفارهة، التى جاوبتها بسرينة أقوى، محتجّة، كادتْ تقتلعها من أمامها، وتزيحها من طريقها. لذلك، تسارع وقع المشهد عندما أدار الشاب الثلاثينى مقبض زجاج الباب لأسفل، ومدّ ذراعه، وأشار بإصبع متوتر، للرجل المتوارى بالفارهة خلف الفاميه، نحو المدخل غاضبًا، وهو يتمتم لنفسه كأنما يحادثه وجهًا لوجه:

»المدخل.. المدخل على يمينك يا غبى»

أخذت السيّدة طفلها الرضيع لصدرها، تحميه من نسمات النافذة الباردة، المفتوحة، تتساءل بنوع من المؤازرة المضمرة للزوج المتوتّر:

»أهو أعمى!.. ألا يرى المدخل؟»

صاح الطفل بفهم هازًا كفه الصغيرة نحوه بما يعنى: ارجعْ.. ففعلت الطفلة مثل شقيقها.

لحظتها، لم ينتبه قائد الفارهة لهما، كان الحمارُ حمارهم يحثّ خطاه ببطء، وينزع قوائمه نزعًا من تراب سكّة الحقل الضيّقة الملتويّة بين قناتيْن للرّى تشقّان أرض الباشا، والأب يحثه على المسير «حا يا بليد»،بهز قدميْه حول بطنه، وصوت من جانب فمه من ناحية، أو مهددًا إيّاه بالضرب بعصاه الصغيرة من ناحية أخرى. لكن الحمار توقّف فجأة، رافعًا أذنيه بخوف، لدى قدوم سيّارة الباشا صاحب العزبة، بل صاحب الأرض التى يعمل فيها أبوه، فى الاتّجاه المقابل. السيّارة الوحيدة بالعزبة مقبلة بسرعة تثير خلفها زوبعة من غبار كثيف، لمح الأب السائق بجوار الباشا، وفى المقعد الخلفى ناظر العزبة، فارتبك. كان متوترًا وهو يُوجّه الحمار بعصاه لأقصى جانب بالجسر، وكاد يسقط فى القناة، مفسحًا لسيّارة الباشا المُسرعة الطريق. لكن الحمار يتردد بغريزة الخوف، والأب مكبّل بالطفل خلفه، والسيّارة تقترب غير مبالية، كأنهم لا شىء على السكّة.

مرّتْ برهة أخرى، فقد الشاب الثلاثينى صبره، وطول باله، ونزل مضطرًا بعد أن صفق باب سيارته خلفه بقوّة فأحدث صوتًا مكتومًا. صاحت الزوجة فى أثره بخوف طبيعى:

»اهدأ.. اهدأ يا أبو أحمد.. عرّفه غلطه وخلاص»

وصاح الطفل «أحمد» مناديًّا بصوت ملوّن بخوف انتقل إليه من أمه:

«بابا»

فصاحتْ شقيقته مثله:

«بابا»

كانت سيّارة أخرى «نصف نقل»، محملة بثمار البرتقال، قد أنهتْ التزوّد بالوقود، وتحركتْ لتقف خلف السيارة النصر. ولما ألمّ سائقها الذى يرتدى جلبابًا ويعتمر طاقية بمفردات الموقف المتأزم، نزل ليناصر الشاب الثلاثينى، الذى تشجّع، وخبط مقدمة العربة الكبيرة بباطن أصابعه، وهو يصيح:

«ارجعْ»

لم تكن هناك أيّ بادرة استجابة من خلف الزجاج المعتم، بل سارينة أخرى قويّة، كاد صوتها يصم آذان السائقيْن المحتجيْن. دار الشاب الثلاثينى بعصبيّة حول مقدمة السيّارة الفارهة محتجًا، لعلّ سائقها يظهر بلا جدوى. جال ببصره فى أرجاء المحطة؛ ثمّة لافتات أنيقة تحذّر من التدخين، أو أخرى تشير لمغسلة السيّارات أو الكافتيريا أو محل الزيوت والإكسسوارات، أو طلمبات الوقود أو دورة المياه. ولا واحدة تشير إشارة مرور بأى سهم للداخل أو الخارج، كأنما قوى خفيّة انتزعتها، وحجبتها، مع قدوم الفارهة التى بدَا جُرمُها الضّخم، بالتذكّر، أمام ناظريْه، كمصفّحة من مصفحات العدو المحصّنة، التى واجهها، وتمكّن من دكّها مع زملاء الكتيبة، فى آخر الحروب الوطنيّة مع الأعداء.. كم مصفحة للعدو تمكن من تفجيرها آنذاك؟.. وأرسلت السماء زخات قليلة من المطر بللتْ رأسه فأنعشتْ ذاكرته.

لحظتها، رأى قائد الفارهة الحمار حمارهم وهو يتراجع بذعر، وتزحزح الأب وطفله على ظهر الحمار للخلف تأهبًا للسقوط، لم تعد أصابعُ الصغير الواهنة قادرةً على التشبّث بالجلباب، وفى اللحظة التى أوشكتْ فيها سيّارة الباشا أن تدهمهم تحت عجلاتها، سقط الحمار بحمولته فى مياه القناة الرّاكدة، وتناهى لمسمعى الطفل، الذى صرخ باكيًّا، قهقهات ركّاب السيّارة المارقة، التى مضتْ فى طريقها لا تلوى على شىء.

لم يمر وقتٌ طويلٌ، حتى تعاظم عدد السيّارات الواقفة خلف السيّارة العتيقة، تبغى الخروج من المخرج الوحيد؛ «تريسكل» بثلاث عجلات، وعربة «توكتوك» يقودها صبى، وباص أجرة مزدحم بركّابه، وسيارة ملّاكى بها شاب وفتاة تصدح بموسيقى هادئة. نزل بعض السائقين للاستفسار، ومن ثم المؤازرة، واكتفى آخرون بإطلاق أبواق الاحتجاج من خلف عجلات القيادة. وأمام توقّف السيّارات التى كانت أمام طلمبات التزوّد بالبنزين والسولار دون حركة، تكون صفٌ آخر من السيّارات القادمة عند المدخل من الجانب الآخر، ما لبثت أن أطلقت أبواقها للتنبيه. سريعًا، جاءت اللحظة التى تكدّست فيها السيّارات، وأصابتْ مفاصل محطّة الوقود بالشلل. علتْ أصواتُ الاحتجاج، وبدَا الأمر للجميع، وكأن معركة حامية الوطيس على وشك النشوب، بين السيّارة الفارهة، الغامضة، من جهةٍ، وكل السيّارات الأخرى بالمحطّة من جهة ثانية، تُشعل البنزينة وربّما تحرقها. وتنبّه العاملون بالمحطّة أخيرًا للمأزق، نفضُوا أيديهم من أعمالهم، وأقبلوا بزيّهم البرتقالى المميّز، وعلى رأسهم قائد المحطة. استبشر المحاصرُون خيرًا، هاهم أصحاب المحطّة، وعمّالها القادرُون، على إزاحة السيّارة الفارهة المُعاندة، وفتح الطريق المُغلق. أقبل قائد المحطة بحماس لموقع التلاحم، وقف أمام السيّارة الفارهة برأس مرفوع وصدر منتفخ، تأملها باحثًا عن سائقها، وتنبّه للملصق الدائرى الصغير على جانب زجاجها الأمامى، كشارة بالغة الدلالة على هويّة صاحبها رفيعة الشأن، وجحظتْ عيناه. ما حدث بعد ذلك هو ما أصاب الجميع بالدّهشة البالغة: كان قائد المحطة يرفع كفّه بالتحيّة المُنضبطة، مخاطبًا صورته المُنعكسة على زجاج الفاميه للسيّارة الفارهة، دون أن يتمكّن من رؤية أحدٍ داخلها:

«لا مؤاخذة يا سعادة الباشا.. دقيقة واحدة ونحل المشكلة» ثم وهو يأمرُ عمّاله الذين انتشرُوا من بداية المدخل، يرجعون السيّارات للخلف بغلظة، وحدّة، واحدة إثر الأخرى، فى طابور متقهقر مهزوم أمام المصفّحة الفارهة.

لم يكن الأب مهتما بالحمار الذى سقط فى الماء، لكنه كان جزعًا على ابنه الصغير، الذى غرق فى الوحل والطّين، وهو يرفعه على كتفه للجسر، ويتحسس بدنه وملبوساته المبتلة، حتى اطمأن على سلامته. ولم ينس قائد الفارهة، حتى بعد كل هذا العمر الطويل الذى مضى، نظرة عينى أبيه اللوّامتيْن الحزينتيْن، وهما تتابعان غبار السيّارة الذى يتلاشى فى البعيد.

أنجز عمّال المحطّة المهمّة بسرعة، لم تتبق أمام الفارهة سوى السيّارة النصر الصغيرة 128، والشاب الثلاثينى مزروع بجوارها، لا يحرك ساكنًا، أحاطُوا به، يأمرونه بالتراجع، وهو لا يرد أو يستجيب.

وفى اللحظة التى تجمّعوا فيها حول السيّارة، لحملها بأيديهم، وإبعادها عن المخرج بقوّة، ليصير مدخلًا للفارهة، كانت السيّدة تضُم طفلها الرضيع لصدرها بخوفٍ، وذعرٍ، وتصيح برجاء على زوجها الثلاثينى:

«كفاية عطلة.. يا لله بنا يا أبو أحمد.. ارجع.. مفيش فايدة» لكنه لم يستجبْ، إلّا عندما سمع صوت «أحمد» الباكى، وشقيقته التوأم، يرجوانه:

»يا لله يا بابا عاوزين نروح.. الدّنيا برد»

أزاح العمّال من حول سيّارته العتيقة، وأدار المحرك العجوز متقهقرًا للخلف، وكلّما رجع بها مسافة صغيرة، لاحقته السيّارة الفارهة، التى كانت تلعب معه، أيضًا، بمكر، لعبة سياسة حافة الهاوية، بعناد لا ينكسر.

وفى اللحظة، التى عبرتْ فيها الفارهة للمحطّة بالمُخالفة، هطل المطر مدرارًا من السماء، وأغرق كلّ شىء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق