رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريجيت شيفر وواحة سيوة

فوزى الشامى

ليس هناك شك فى أن كثيراً من المهاجرين الأوروبيين إلى البلدان العربية التى استضافتهم، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، خاصة فى مصر، لهم دور ما معروف فى شتى مناحى الحياة وتحديداً الثقافية والفنية منها، لا يجب أن نغفله كانت الباحثة الالمانية واستاذة علوم الموسيقى بريجيت سيفر احدى هولاء، ولم يكن دورها مهماً فى الحياة الثقافية والفنية التعليمية فحسب، بل فى الجانب الإنسانى والوطنى أيضا، فقد كانت تغرس فى نفوس تلميذاتها المصريات حب الانتماء لوطنهن وحضارتهن العريقة واحترام تراث بلادهن وثقافتها وتقاليدها وعاداتها وفنونها أيضا، بما فيها موسيقاها الشعبية والتقليدية، حيث كن يدرسن التربية الموسيقية على يديها، وهى التى قادت خطاهن إلى موقف ثقافى رشيد حماهن كما قالت احدى تلميذاتها سمحة أمين الخولى «1925 – 2006»، من الانزلاق فى التيارين المتضادين تماما، اللذين ألقيا بظلالهما القاتمة على حياتنا الموسيقية فى مصر، أولهما هو تيار الانبهار المطلق بموسيقى الغرب إلى حد إنكار القيم الجمالية لحضارتنا الموسيقية، وثانيهما الرفض الكامل لكل ما هو غربى أو متجدد خارج الإطار التراثى.

...........................................

لقد وجهت السيدة الأجنبية خطوات تلميذاتها المصريات بتفتح واستنارة عبر فترة حاسمة فى تكوينهن الفكرى، حيث عملت فى مصر معلمة وصحفية موسيقية، وأثرت فى تكوين فكر جيل كامل من تلميذاتها، اللاتى أصبحن فيما بعد أساتذة ومربيات موسيقيات لعبن دوراً كبيراً فى التعليم والحياة الموسيقية فى مصر.

الباحثة الألمانية والناقدة وأستاذة علوم الموسيقى، بريجيت شيفر «1909 – 1986»، أما تلميذاتها فهن طالبات قسم الموسيقى الذى كان واحدا من الأقسام الأربعة للمعهد العالى لمعلمات الفنون بحى بولاق منذ 1942، والذى كانت تتولى إدارته فى هذا الوقت د.بريجيت شيفر. وكانت مدة الدراسة به خمس سنوات تحصل الطالبة بعدها على دبلومة فى تعليم الموسيقى تعادل مؤهلات الجامعات والمعاهد العالية الأخرى. وكان لشيفر الفضل الأول، هى والخبير الألمانى هانز هيكمان «1908 - 1968»، العالم فى موسيقى الشعوب الذى عاش فترة طويلة فى مصر، فى التخطيط لإنشاء قسم لمرحلة ثانوية، عام 1943، يُلحق بذات المعهد، تُقبل به الطالبات الحاصلات على الشهادة الابتدائية بناءً على اجتيازهن اختبارات القدرات للقبول بالقسم، وكانت فترة الدراسة بهذا القسم ست سنوات تنتهى بحصول الطالبة على شهادة اتمام الدراسة الثانوية «ثانوية عامة موسيقية»، والتى تؤهلها للإلتحاق بالمرحلة العالية «الجامعية» بالمعهد لمدة أربع سنوات أخرى. وفى عام 1947 استقلت الدراسة الموسيقية فى القسمين العالى والثانوى، وأصبحا كمعهد مستقل، ونُقلا إلى أحد الأبنية العريقة بشارع المبتديان بحى المنيرة بالقاهرة، وأُطلق عليه «المعهد العالى لمعلمات الموسيقى»، وكان تابعا لوزارة المعارف العمومية آنذاك، وظلت د. شيفر متولية عمادته حتى عام 1950.

جاءت بريجيت شيفر من مدينة فرايبورج بجنوب ألمانيا الى مصر فى عشرينيات القرن الماضى وعاشت بمدينة الأسكندرية حيث لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من عمرها، والتحقت فى عام 1923 بإحدى مدارس الثغر إلى أن حصلت على شهادة البكالوريا فى سنة 1929. إلا أنها لم تنقطع عن مواصلة دراستها الموسيقية التى بدأتها فى سن السابعة، فى دافوس بسويسرا، ثم واصلت دراستها على يد الأستاذ فرانتس فيليب فى مدينة فرايبورج / برايسجاو جنوب ألمانيا، الى جانب التعليم العام فى احدى مدارسها.

شيفر من مواليد فلمرسدورف، إحدى قرى مدينة برلين عاصمة المانيا، التى عادت اليها من مصر، فى ربيع عام 1930، حيث كانت تعيش، لتلتحق بالمدرسة العليا للموسيقى هناك، حيث درست علوم التأليف الموسيقى كتخصص أساسى على يد أستاذ التأليف المعروف تيسن، وبعد عام اجتازت فى معهد الأجانب امتحان المعادلة المكمل للبكالوريا الفرنسية التى كانت قد حصلت عليها. وعلى أثر ذلك التحقت بجامعة فريدريش فيلهلم فى برلين، وكان اهتمامها الأكبر حضور محاضرات علم الموسيقى المقارن لدى الأساتذة فون هوربنوستل، وكورت زاكس.

وفى نهاية 1932، التحقت أيضا بدراسات العلوم الموسيقية بجامعة برلين، وبعد أن أتمت دراستها فى علوم الموسيقى والتأليف والفلسفة فى برلين، اضطرت إلى الفرار من الاضطهاد النازى فى عام 1935 وعادت إلى مصر، حيث كانت تعيش مع والديها قبلاً من عام 1923 إلى عام 1929.

وشيفر تعتبر أول من تناول الموسيقى الشعبية المصرية فى واحة سيوة بالدراسة، من خلال رسالة دكتوراه قدمتها إلى جامعة برلين ونُشرت باللغة الألمانية هناك عام 1936 وترجمها الى العربية أستاذ التأليف الموسيقى محمد جمال عبدالرحيم وراجعتها أستاذة العلوم الموسيقية سمحة امين الخولى وتابع واشرف على الإصدار صفوت كمال أحد رواد علم المأثورات الشعبية فى الوطن العربى، حيث نُشرت من خلال المجلس الأعلى للثقافة عام 1996، وهذا الكتاب هو أول دراسة علمية ميدانية عن واحة سيوة وموسيقاها. وهذه الدراسة تعتبر نموذجا مبكرا للدراسات فى الإثنوموزيكولوجيا لموسيقات الحضارات غير الأوروبية، فقد قامت شيفر بالجمع الميدانى على مدى زيارتين لواحة سيوة، قامت بهما خلال عامى 1932 و1933حيث أقامت فى أحد منازل سيوة كى تعايش المجتمع السيوى تشهد على الطبيعة مناسبات الغناء والرقص وتقترب من عادات وتقاليد وفكر أهل سيوة وتقسيماتهم الاجتماعية والدينية وغيرها، ولقد اقبلت شيفر على هذا العمل وهى محصنة بأهم الصفات التى أجمع علماء الاثنوموزيكولوجيا على ضرورتها للباحث الميدانى وهى معرفة الباحث بلغة أهل المنطقة، فقد تربت شيفر وعاشت فى الاسكندرية حوالى عشر سنوات، ورغم انها التحقت فيها بمدارس فرنسية فإنها كانت ملمة باللغة المصرية العامية. ذهبت الى واحة سيوة ومعها جهاز فونوغراف «إديسون» ورغم بدائيته بمقاييس هذا العصر فقد كان افضل ما توصل اليه العلم فى ذلك الحين، وقامت بتسجيل عدد كبير من مقطوعات العزف والغناء الشعبى تسجيلا موثقا يربط بينها وبين مناسبات الحياة الاجتماعية، وتضع يدها على المناسبات التى تتجاوز دورة الحياة المعروفة من الميلاد والختان والزفاف والعمل والحج والموت والأعياد الدينية والاجتماعية وغيرها لتقترب من عالم هذه الواحة الغريب والمثير بخصوصيته التى يفرضها الموقع الجغرافى، فاهتمت بأغانى تطهير عيون المياه وتلقيح النخيل وخروج القوافل من الواحة للسفر وأغانى نبيذ البلح.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق