رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كيف يقرأ الغرب القرآن الكريم

ميادة العفيفى

خلال العقدين الماضيين، تنامى الاهتمام الأكاديمى الغربى، بقراءة وتفسير القرآن الكريم، وسط تأويلات وقراءات شديدة التطرف، سواء كانت من اليمين المتطرف، أو من الجماعات الإرهابية التى لا ترى فى آيات القرآن سوى دعوة إلى سفك الدماء وإرهاب البشرية، وبينهما يقع المواطن الغربى أسيرا لصور سطحية ونمطية جاهزة تأتيه من خلال وسائل إعلامية جاهلة، تسعى لتأجيج صراع مفتعل، فتكون النتيجة كراهية متواصلة ومتزايدة ترفض الآخر(المسلم) وتضعه فى قوالب لا ذنب له فيها. 

خلال السنوات القليلة الماضية صدر عدد من الكتب التى سعت لاجتثاث هذه الكراهية غير المبررة من جذورها، بالعودة إلى قراءة وفهم النص القرآنى باعتباره أصل الدين الإسلامى وجوهره، فنشر عدد كبير من الترجمات للقرآن الكريم بعدة لغات وأشكال، عمد الباحثون خلالها إلى توثيق قراءاتهم المتأنية والدقيقة للقرآن فى عدد من الإصدارات الحديثة وقد اخترنا من بين هذه الإصدارات أحدثها، تلك التى تعكس جانبا أقرب للموضوعية فى النظرة إلى القرآن وتفسيره وترجمته بالغرب، حيث نتتبع خلالها تاريخ ترجمة القرآن إلى الإنجليزية، ونستكشف قراءة جديدة للقرآن من منظور غربى أمريكى بصوت كاتب متخصص فى التاريخ الكاثوليكي، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على ترجمة أحد المستشرقين المنصفين للقرآن.

 

 

محاولات جادة رغم الإخفاقات

هل يمكن ترجمة كلمة الله، القرآن، إلي اللغة الإنجليزية في ظل الاختلافات العميقة الجذور بين العالمين اللغويين مكانا وزمانا؟ الإجابة عن هذا السؤال لم تكن يوما بسيطة خاصة أن القرآن متجذر في لغته الفريدة ليس فقط لأنه نزل بلسان عربي مبين ولكنها لغة انزلها الله تحمل تميزا وخصوصية يجعل من الصعب ترجمتها مع الإبقاء علي تفردها كما أنزلها الله تعالي.

في أول كتاب من نوعه في المكتبة الغربية " القرآن بالإنجليزية: سيرة ذاتية" يستكشف مؤلفه، بروس لورانس، مؤرخ الأديان والدين الإسلامي ومدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة ديوك الأمريكية، وأستاذ العلوم الإنسانية بمركز جيفري ماركوس للأديان، تعقيدات ما يمكن تسميته بملحمة ترجمة القرآن الكريم من العربية إلي الإنجليزية، وهو أيضا يتناول المصاحف الإلكترونية الرقمية ونسخ الترجمات التي يطلق عليها الترجمات النسوية والمصحف المصور الذي وضعه الفنان التشكيلي الشهير ساندو بيرك.

يوضح المؤلف أنه مع ظهور العصر الرقمي، أصبحت الإنجليزية هي اللغة المشتركة في معظم أنحاء العالم وهنا كان لا بد أن تنتشر ترجمات القرآن إلي الإنجليزية ليقرأه المسلمون ممن لا يتحدثون العربية ولكن أيضا غير المسلمين من المحافظين والليبراليين والمستشرقين.

 الكتاب يعد فعليا أول محاولة جادة وشبه شاملة لتأريخ ترجمة القرآن الكريم إلي اللغة الإنجليزية، وهو جزء من سلسلة جامعة برينستون الشهيرة " تاريخ الكتب الدينية العظيمة" ومؤلفه قد نشر من قبل العديد من الكتب في الدين الإسلامي منها "من الله؟" والذي يعده النقاد مقدمة فريدة ومسلسلة لمعرفة الخالق، كما جاء في الدين الإسلامي، مستشهدا بالقرآن والسنة. 

يؤكد لورانس أنه محظوظ لتمكنه من اللغة العربية مما جعله قادرا علي فهم وتتبع أعاجيب الإشارات القرآنية وقدرة آياته علي الإلهام، يكتب: «من يقرأه يشعر برغبة متزايدة في أن ينهل منه المزيد والمزيد، إنه رمز الرحمة القدسية التي تعمل فيما وراء الفكر البشري»…

قالي تعالي «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا» "سورة الإسراء."

يكتب أيضا عن تجربته الخاصة لترجمة بسم الله الرحمن الرحيم وحدها "بسم الله وحدها كنز لكل البشر علي مر العصور وفي كل مكان وزمان، الرحمن الرحيم مليئة بالرحمة والشفقة والعطف من الله، وكأنها مناشدة من الإنسان لخالقه أن تغسل أمواج رحمته روحه التائهة ...الظمئة، وأن تنزل هذه الرحمة والسكينة علي أجسادنا كغوث لندخل في مرحلة من السلام والسمو، وسط نهر متدفق من إشارات الله وعلاماته، ولا يعي هذه الكلمات من وصفهم الله تعالي في سورة الأعراف بانهم:

«.. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا..».

 يتناول لورانس حياة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم بروح شديدة التوقير ويؤكد أنها قصة لا لبس فيها ولا فجوات غامضة أو روايات متضاربة تعيق المعرفة وكيف أن نبينا كان يبحث عما يملأ نفسه التي تتوق إلي الحق وسط الفراغ الروحي الذي كان يشعر به وسط مشركي مكة، حتي جاءه أخيرا اليقين ....ينزل عليه جبريل بالكلمة النهائية ، بالوحي وبالقرآن، فيهدي الرحمة إلي كل البشر.   

عبر سبعة فصول، وملحق يتضمن ببليوجرافيا ترصد عناوين وتواريخ نشر 180 ترجمة كاملة للقرآن بالإضافة إلي ثلاث عشرة ترجمة جزئية يحاول لورانس تتبع عمليات ترجمة القرآن الأولي إلي لغات غير العربية عبر عدة قرون، وحتي احدث تلك المحاولات.

نص يحلق فوق الزمان والمكان

وبالرغم من أن لورانس يري أن أول ترجمة للقرآن إلي لغة أخري كانت إلي اللاتينية إلا أن الواقع يشير إلي أنها  كانت ترجمة فاتحة الكتاب إلي الفارسية التي ارسل بها النبي سلمان الفارسي إلي أهل فارس عند إسلامهم، ولكن وفقا لكتاب لورانس فان أول ترجمة  للقرآن إلي لغة أخري كانت إلي اللاتينية علي يد القسيس روبرت كيتون، وترجع إلي القرن الثاني عشر والتي مهدت بدورها للترجمة إلي اللغتين  الألمانية والفرنسية.  يكتب لورانس: أن الانتقال من اللغة العربية إلي اللاتينية كان يعني الانتقال من بيئة وتركيبة اجتماعية وثقافية صحراوية إلي أخري مغايرة تماما لذا فلم يكن من المتوقع فقط ترجمة الحروف الأبجدية، ولكن إظهار تباين المجتمعات ووقائع تاريخ نزول الآيات وما وراء الكلمات،  وهذا هو ما لم يحدث في التجارب الأولي للترجمة بل إن بعض الترجمات جاءت محرفة بشكل متعمد. يوضح المؤلف أن علي من اختار هذه المهمة الصعبة أن ينتبه إلي جماليات لغة القرآن وما توحي به الكلمات والمعاني العميقة التي لا يدركها إلا الراسخون في العلم. 

بعد الترجمة اللاتينية جاءت النسخة المؤثرة لجورج سيل في القرن الثامن عشر، ويشرح لورانس كيف أن هذه الترجمات المبكرة كانت جزءا من أجندة الكنيسة وقتها لـ"معرفة العدو"، ويشرح انه كان  علي المترجمين وقتها  اظهار احترامهم -علي مضض- لمن اعتبروه "منافسهم الإبراهيمي"، ثم جاءت مرحلة تزامنت مع ما  أنتجه الاستعمار البريطاني الموسع في العصر الحديث من ترجمات جديدة للقرآن إلي الإنجليزية ولكن من قبل علماء غير مسلمين من جنوب آسيا.

 

الأزهر وترجمة القرآن

 يتناول لورانس تاريخ ترجمة القرآن وتعقيداته التي  بدأت من النصف الثاني من القرن العشرين، مشيرا إلي أنه في أواخر عام 1929 قام عدد من مشايخ الأزهر الشريف في مصر بحرق نسخ من إحدي تلك الترجمات التي رأوا أنها محرفة وتعاملوا معها بقدر كبير من الريبة.

 كما يسرد أن الأزهر سمح لأول مرة بنشر ترجمة للقرآن بعد الحرب العالمية الثانية واستثني علي مضض بعض الترجمات التي قام بها بعض مسلمي شرق آسيا ومنها الترجمة الشهيرة للمحامي والمفكر الهندي عبد الله يوسف علي، الذي قدم أول ترجمة مقبولة وذات ثقة للقرآن من اللغة العربية إلي الإنجليزية عام 1934 وهي الأكثر شهرة وطباعة بين ترجمات القرآن إلي الإنجليزية وقد نشرت لها ثلاث طبعات منقحة.  

يناقش لورانس أيضا الجدل الذي دار حول إمكانية ترجمة القرآن والمعارضة القوية التي كانت من رجال الدين الذين وصفهم بـ"المتشددين" ممن رفضوا الترجمة في البداية بشكل قاطع. وأن الجدل والنقاشات مازالت دائرة بين علماء الدين الإسلامي حول شرعية الترجمات "الحرفية" مقابل الترجمات "التفسيرية"، ويجزم المؤلف بأن اغلب فقهاء الإسلام قد وجدوا بشكل عملي أنه من المفيد ترجمة القرآن إلي لغات أخري وإن ظلوا متمسكين بأن للكلمات العربية قدسيتها. 

ويستعرض المؤلف الدور الذي قام به الشيخ محمد مصطفي المراغي شيخ الأزهر لمرتين في إجازة ترجمة معاني القرآن الكريم عندما قدم بحثه البارز" وجوب ترجمة القرآن الكريم" إلي كبار علماء الأزهر وقد أثار وقتها الأمر جدلا كبيرا بين المؤيدين والمعارضين علي الرغم من موافقة الحكومة المصرية وقتها علي مشروع الترجمة وكان ذلك في عام 1936 وقد اعتمدت ميزانية كبيرة وقتها تبلغ 20 ألف جنيه إلا أن المشروع تعثر في نهاية الأمر بسبب الضغوط الهائلة التي استخدمها المعارضون له. وقرر وقتها رئيس مجلس الوزراء مصطفي النحاس حل المشكلة جزئيا بإجازة ترجمة تفسير جديد للقرآن دون ترجمته حرفيا. 

كما يمر المؤلف مرورا سريعا علي دور مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة وأهميته في خدمة القرآن الكريم من خلال جهاز متخصص ومتفرغ لهذه المهمة منذ عام 1982 وقد قام المجمع بترجمة القرآن تحت إشرافه إلي 74 لغة منها 39 لغة آسيوية، وكذلك يتم المرور أيضا علي مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي بالمملكة الأردنية الهاشمية التي أنشئت عام 2001 ونشرت عدة ترجمات لمعاني القرآن وصلت الي 18 لغة مختلفة.

الترجمة البصرية للقرآن

يتناول لورانس في توسع مبالغ فيه، تجربة الفنان التشكيلي الأمريكي ساندو بيرك، الذي نشر عام 2005 نسخة مختلفة وفريدة في ترجمته للقرآن كرد علي  تورط الولايات المتحدة في حربها علي الإرهاب، والصور النمطية شديدة الخطورة التي نشرتها وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والمسلمين، ليقدم رسالة عالمية إلي البشرية من خلال ما اعتبره ترجمة أمريكية بصرية للنص القرآني يمكن أن يفهمه أبناء القرن الحادي والعشرين، من خلال صور بصرية تربط بين الآيات وتطبيقها علي الحياة الأمريكية المعاصرة. 

اعتمد بيرك علي نسخة قرآن مترجمة إلي الإنجليزية وضعها جون رودويل يرجع تاريخها إلي عام 1861 ، واكد أن الرسوم المصاحبة للمصحف الأمريكي إنما تعبر عن رؤيته الشخصية لرسالة القرآن الكريم إلي البشرية وان توضح هذه الرسومات معاني آيات القرآن بشكل مبسط وقد قضي بيرك أكثر من 15 عاما في رسم الكتاب. 

وفي إطار استعراضه لتاريخ الترجمة يشير الكاتب إلي النسخة التي استخدمها الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية توماس جيفرسون، أحد الأباء الأمريكيين المؤسسين، من القرآن باللغة الإنجليزية من ترجمة المستشرق البريطاني جورج سيل الصادرة في لندن عام 1764 وقد صدرت في مجلدين وظلت هي النسخة الوحيدة من الترجمة الإنجليزية حتي نهاية القرن التاسع عشر. وهي النسخة المحفوظة في مكتبة الكونجرس من القرآن الكريم اقسم عليه أول نائب مسلم في الكونجرس الأمريكي، كيث اليسون عام 2007 وبعده أقسمت عليه النائبة من أصول فلسطينية رشيدة طليب عام 2019.

> صفحة من كتاب «القرآن» (المصور)

الترجمة النسوية والنسائية للقرآن

فيما وصفه لورانس بالترجمة النسوية للقرآن فقد افرد فصلا تناول فيه الترجمات التي قام بها عدد من النساء لترجمة القرآن كانت أولاهن "أمة الرحمن عمر" التي يعتقد بانها أول سيدة تترجم القرآن إلي الإنجليزية، وترجمة "صحيح انترناشيونال" الموجودة علي شبكة الإنترنت والتي قامت بها ثلاث نساء أمريكيات اعتنقن الإسلام في الثمانينيات وانتقلن للحياة في المملكة العربية السعودية وما جعل ترجمتهن مقبولة علي نطاق واسع انهن وضعن لها عنوان " القرآن: المعاني والتفاسير" وتعد ترجمتهن من الترجمات التي تحظي بشعبية كبيرة في الغرب وتختلف عما يسمي الترجمات النسوية في أنها لا تحمل تفسيرا أو تأويلا نسويا لآيات الذكر الحكيم، وقد اجتمعت السيدات الثلاث لمدة تسع سنوات لإنتاج هذه الترجمة التي تعتبر مقبولة  لدي الكثير من الفقهاء، وقد نالت ترخيصا بطبعها من مجمع الملك فهد ، وخرجت الترجمة كاملة للمرة الأولي عام 1997. 

جدير بالذكر أن صاحبات الترجمة قد رفضن تسمية الترجمة النسوية للقرآن التي يستخدمها لورانس وآخرون.

وتتم الإشارة أيضا إلي ترجمة "لاله بختيار" الطبيبة النفسية الأمريكية من أصول إيرانية التي اشتهرت ترجمتها في الغرب عام 2007 بسبب سعيها إلي وضع كلمة أخري مختلفة لما جاء في سورة النساء من الآية التي توضح الحالات التي يتاح فيها للرجال ضرب الزوجات، وهي ممن ينطبق عليهن مفهوم القراءة النسوية للنص القرآني.

انتقد البعض أسلوب السرد الشخصي الذي لجأ اليه المؤلف، وقيل أنه ينتقص من كونه بحثا اكاديميا رصينا، كما  تم انتقاد تركيزه الكبير علي ترجمة مواطنه ساندو بيرك باعتباره نوعا من التحيز إلي ما يسمي الترجمة الامريكية و إضافة الي تجاهله تاريخ الترجمات إلي اللغات الأخري غير الإنجليزية  كما انه لم يراجع  الترجمة الدولية الصحيحة التي مر عليها بشكل عابر.

آرثر جون آربري ..تجربة رائدة ومنصفة

ولد آربري في حي بورتسموث  جنوب إنجلترا عام 1905 وكان والده ضابطا في البحرية الملكية البريطانية وقد درس اللغات الكلاسيكية بجامعة كمبريدج ثم درس العربية والفارسية ، في عام 1931 قرر الانتقال إلي مصر لاستكمال دراسته للعربية وعمل في كلية الآداب بالجامعة المصرية "جامعة القاهرة لاحقا" رئيسا لقسم اللغات القديمة اليونانية واللاتينية ثم  بدأ مشروعه لترجمة القرآن إلي الإنجليزية في أوائل الخمسينيات  وبدأه بترجمة آيات مختارة من القرآن ثم اصدر عام 1955 ترجمته المفسرة للقرآن في مجلدين تحت عنوان "القرآن مفسرا" وهي النسخة التي لاقت الكثير من الإقبال كونها تتميز بدقة اسلوبها الادبي وسهولة تقبلها في الغرب في وقت كانت فيه الكثير من المفاهيم الخاطئة سائدة عن الإسلام ، بل انه بذل جهودا متواصلة لإنصاف صورة الإسلام لدي الغرب وتنقية مصادره مما لحق بها من تحريفات علي يد غيره من المستشرقين، واكد مرارا أن الجهل هو العدو الحقيقي الذي يعيق أبناء الغرب من فهم ابعاد الإسلام الكونية.

كتب في مقدمة ترجمته للقرآن " احمد تلك القدرة الإلهية التي أنزلت الوحي علي ذلك النبي محمد صلي الله عليه وسلم الذي كان اول من تلا آيات القرآن الكريم" ، ورد علي دعوات المستشرقين وقتها المروجين لعدم ترابط آيات القرآن الكريم بقوله: "إن الآيات في كل سورة مترابطة في خيوط من الإيقاع المرن ووحي متوافق داخليا إلي أعلي درجات التوافق" وقال أيضا: " للقرآن تأثير نفسي إيجابي علي الانسان .. القرآن تحفة خالدة ليس لها مثيل في أي لغة اخري "وقد لقب بالمستشرق المتصوف بعد ترجمته لعدد من النصوص المتصوفة اشهرها ترجمته عام 1935 لكتاب "المواقف والمخاطبات" للعلامة الصوفي الغامض محمد عبد الجبار النفري المتوفي عام 965 معتمدا علي مخطوطات نادرة من مقامات النفري، وكتاب "التعرف إلي أهل التصوف " للبلاذري وقد توفي آربري في منزله في كمبريدج عام 1969.

"ما الذي يعنيه القرآن" ..قراءة مختلفة

نشر الكتاب في طبعته الأولي عام 2017 وهو من تأليف جاري ويلز كاتب ومؤرخ أمريكي متخصص في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية وقد حصل علي جائزة بوليتزر للأدب الواقعي عام 1993 والميدالية الأمريكية للعلوم الإنسانية عام 1998وهو حاليا أستاذ فخري للتاريخ بجامعة نورث وسترن الأمريكية.

امضي ويلز حياته في البحث والكتابة عن تاريخ الكنيسة الكاثوليكية،  لكنه في كتابه "ما الذي يعنيه القرآن: ولماذا هو مهم"، يدعو القارئ الغربي غير المسلم للانضمام له وهو يشرع في إعادة النظر عن كثب إلي القرآن الكريم في الوقت المناسب تماما وبشكل ملح، ليقود القارئ الغربي عبر صفحات كتابه إلي دراسة وفحص ما قاله القرآن حقا حول مزاعم ما يسمي الحروب الدينية وتطبيق الشريعة كما تراها وتروج لها الجماعات الإرهابية في حوار ثري حول السياسة والدين في القرن الحادي والعشرين.

يكتب ويلز: لقد مر وقت طويل لم يكن علي الأمريكي العادي معرفة الكثير عن الإسلام، لكن هذا لم يعد الحال، لقد أخطأنا في أطول حرب في تاريخنا" الحرب علي الإرهاب" دون معرفة الحقائق الأساسية عن الحضارة الإسلامية التي نتعامل معها، نحن نتلقي باستمرار معلومات كاذبة عن الإسلام تزعم انه دين عنف بالأساس، وأن القرآن هو مجرد كتيب للإرهابيين، ولكي نقيم هذه الادعاءات علينا علي الأقل أن يكون لدينا بعض المعرفة بالقرآن.

ويضيف: "لم أقرأ القرآن من قبل وقد فوجئت بعدد من سألتهم حولي ممن تخصصوا في الدراسات الدينية أو السياسية بانهم فعليا لم يقرأوا القرآن ويبدو أن هذا يصب في صالح المحرضين ضد الإسلام، لانهم بسهولة يخبرونك بما ليس فيه... مما يجعلنا ساذجين أمام العبارات الجامحة التي تقال عن الإسلام. "

وفي موضع آخر يكتب:"قال الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية (الإسلام يكرهنا)، هذه لائحة اتهام كاسحة بحق 1٫8 مليار مسلم حول العالم..وكذلك فعل صديقي بيل باكلي عندما كتب عمودا يقول فيه: (لا يمكننا تعليم الأطفال القرآن، فهذا يجعلهم إرهابيين)"

لهذا كله وغيره يؤكد ويلز انه عندما قرأ القرآن، فوجئ تماما بكون الإسلام دينا شاملا للجميع ولا يستقصي أحدا، فهو أكثر شمولية من اليهودية أو المسيحية، فالمختارون في القرآن هم جميع الموحدين بدءا من سيدنا آدم فصاعدا، فلا يوجد شعب مختار، بل البشرية كلها، باستثناء المشركين ، التوحيد مقابل الشرك هذه هي القضية في جميع آيات القرآن."

يؤكد ويلز ان هدف كتابه هو أن يقرأه غير المسلم بعقل متفتح، وتعاطف وفي نفس الوقت بفهم متعمق، في محاولة لاستكشاف لماذا وصفه الكثير من غير المسلمين ، البابا فرانسيس بابا الفاتيكان علي سبيل المثال، بانه كتاب ملهم يرشد الناس علي مر العصور، وانه كتاب السلام، وهي التصريحات التي لاقت وقتها انتقادات حادة من قبل اليمين المتطرف في الغرب، وصلت إلي حد اتهامه بكونه غير كفء لحمل مسئولية الفاتيكان!

 يكتب ويلز" علي مر السنين، مررت علي ترجمات مختلفة للقرآن، وبدأت في القراءة، ووجدت نفسي إلي حد كبير تائها بشكل لا إرادي في تجربة روحية عميقة"

في قراءة ويلز للقرآن نجد بلا شك رؤية مختلفة، فهو يقترب من النص القرآني بروح الاستكشاف ويجد في نهاية بحثه منظورا جديا لعدد من المفاهيم التي تمكنه من مجادلة هؤلاء الذين يعتقدون انهم يعرفون كل شيء عن الإسلام بالفعل، يكتب :" أن الجهل هو الحليف الطبيعي للخوف"

 يمزج ويلز ربما بشكل غير مسبوق بين آيات من القرآن واقتباسات من القديس والفيلسوف أغسطينوس للبحث عن أوجه التشابه والتفاوت بين النسخ التوراتية والقرآنية لقصص الأنبياء إبراهيم وموسي وعيسي عليهم السلام.

ويناقش ـ كما هو متوقع من سياق الكتاب ـ مفهوم الجهاد، ويقارنه بمصطلح "الحملة الصليبية" وهو المصطلح الذي له توهج وردي في العقل الغربي، كما يصفه، في حين انه ملطخ بالدماء والوحشية في العالم العربي، بينما الجهاد كما جاء في القرآن يعني "الكفاح" من اجل عيش حياة كريمة وأخلاقية. وقد وضع القرآن قيودا شديدة علي استخدام العنف، وسط مضمون عام من روح الرحمة والمغفرة، التي يتم استحضارها في كل آيات القرآن. 

لا يمكننا إنكار أن ويلز قد عبر عن رأيه الشخصي وقدراته الخاصة علي تفسير الآيات القرآنية وهو في   ثلاثة فصول مختصرة يتحدث عن المرأة في القرآن، يناقش فيها الحجاب وتعدد الزوجات، لكنه يقول انه من السهل عليك استخراج النصوص المعادية للمرأة من العهد القديم أكثر بكثير من القرآن…فالإسلام سمح للمرأة بالطلاق وبأن يكون لها مخصصاتها المالية دون المساس بها وهو ما لا يوجد في أي نصوص مقدسة أخري.

علي الرغم من بعض السقطات التي وقع بها المؤلف، والتي ترجع كما وضح إلي أنه حاول أن يفهم ـ قدر استطاعته ـ وانه لم يقابل علماء مسلمين إلا من خلال مراسلات، هذا إلي جانب حقيقة كونه لا يعرف اللغة العربية، لهذا فقد واجه الكتاب نقدا لاذعا من بعض المتخصصين في العالم العربي لكونه كتابا سطحيا في تناوله للقرآن وغير متخصص في مناقشته لعدد من القضايا المثيرة للجدل.

إلا انه في نهاية المطاف لا يمكننا أن ننكر أنه حاول أن يقدم بشكل عام للقارئ الغربي غير المتخصص أفضل تعريف حديث للقرآن، دون تحيز وبشكل أنيق بل مبهج في بعض الأحيان، وقد جعل قراءة القرآن لغير المسلم في الغرب قراءة جذابة دون أحكام مسبقة، وبانفتاح علي الاستكشاف والتأني في قراءة المفردات، وهذا بلا شك جهد مشكور في زمن تتصاعد فيه موجات الكراهية، لتفاجئنا كل يوم بجرائم لا يمكن أن تنتمي إلي الإنسانية بأدني صلة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق