رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماكرون يجتاز الاختبار.. وأوروبا تتنفس الصعداء

رسالة لندن منال لطفى
ماكرون يفوز بولاية رئاسية جديدة ويعلن: «سأكون رئيسا لكل الفرنسيين»

اجتاز الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون أكبر اختبار فى السياسة الفرنسية، وهو إعادة انتخابه رئيسا لولاية ثانية. ففرنسا لم تنتخب رئيسا لفترتين منذ أكثر من عشرين عاما.

ومع اجتياز ماكرون الاختبار، تنفست أوروبا الصعداء، ليس فقط بسبب فوز الابن المخلص للمشروع الأوروبي، بل بسبب هزيمة الابنة المتشككة فى المشروع الأوروبي، زعيمة اليمين القومى الفرنسى مارين لوبان.

ففى نظر الكثير من مسئولى الاتحاد الأوروبى كانت لوبان فى حال انتخابها ستقوم عمليا بـ «تخريب الاتحاد الأوروبى من الداخل» عبر شقه بين تكتلين: تكتل الدول الذى يريد اندماجا سياسيا وعسكريا أكبر، وتكتل الدول الذى يريد اندماجا أقل.

 

البعض يقول إن هذه الفجوة بين الدول الأعضاء موجودة داخل الاتحاد بالفعل ومنذ عقود.

وهذا صحيح، لكن فرنسا إلى جانب ألمانيا كانتا دوما فى المعسكر ذاته. وفوز لوبان كان سينقل فرنسا للمعسكر الآخر، المكون من دول شرق ووسط أوروبا وعلى رأسها بولندا والمجر، وبالتالى ترك ألمانيا وحدها بدون حليف استراتيجى قوى، ما يضع المشروع الأوروبى كله فى مهب الريح.

ومع أن فوز ماكرون بولاية ثانية عزز الشعور أن أوروبا تفادت «زلزالا شعبويا جديدا» بعدما أطاح الناخبون فى سلوفينيا أيضاً برئيس الوزراء الشعبوى المناهض للاتحاد الأوروبى يانيز جانسا، الذى كان يشكل إلى جانب الرئيس المجرى فيكتور أوربان «شوكة فى حلق» المشروع الأوروبى، إلا أن هزيمة مارين لوبان ويانيز جانسا فى الأسبوع نفسه لا يعنى أن «كل شىء هادئ على الجبهة الأوروبية».

فمارين لوبان لم تقترب من قصر الإليزيه مثلما اقتربت هذه المرة. وهذا بحد ذاته أنباء غير مطمئنة للمشروع الأوروبى. فعلى الرغم من أن زعيمة اليمين القومى الفرنسى لم تتعهد رسميا بإخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبى وتخلت عن أفكار راديكالية من بينها التخلى عن العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» والخروج من منطقة شنجن لحرية الحركة والعمل لمواطنى الاتحاد الأوروبى، إلا أن لوبان ظلت على نطاق واسع مشككة فى الاتحاد الأوروبى. وفى حملتها قبل الجولة الثانية من الانتخابات تعهدت بالمضى قدما فى تقليل مساهمات فرنسا المالية فى الاتحاد الأوروبى، ومعارضة تعزيز الاندماج الأوروبى على صعيد السياسة الخارجية والأمن الجماعى. كما كانت لوبان تريد زيادة عدد الموظفين على الحدود الفرنسية مع الاتحاد الأوروبى وإعادة فرض عمليات تفتيش وفحص للبضائع التى تدخل فرنسا، وإعادة التفاوض على اتفاقية منطقة شنجن واستبدالها بنظام بديل لدخول مواطنى الاتحاد الأوروبى لفرنسا، كما طالبت أيضا بإعادة التفاوض على قواعد الهجرة والحدود والانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وبالتالى، فإن فوز لوبان كان سيعنى تراجع استراتيجية بناء ذراع عسكرية أوروبية مستقلة عن الناتو وتعزيز الاندماج الأوروبى على المستوى السياسى، وتبنى حكومتها موقفا أكثر عدائية فيما يتعلق بالمؤسسات الأوروبية. وبهذا المعنى كان انتخابها سيؤدى إلى أزمة كبيرة فى الاتحاد الأوروبى.

ولا عجب أن يهرع قادة الاتحاد الأوروبى لتهنئة ماكرون بالفوز. وكان أول المهنئين المستشار الألمانى أولاف شولتز، الذى قال قصر الإليزيه، إنه كان أول المتصلين بماكرون لتهنئته. وعقب إعلان فوز ماكرون كتب شولتز على تويتر: «إن ناخبيك يرسلون أيضا التزاما قويا تجاه أوروبا اليوم». أما رئيس المجلس الأوروبى شارل ميشال فهنأ ماكرون بحرارة قائلاً فى تغريدة إن الاتحاد الأوروبى يحتاج إلى «فرنسا ملتزمة بالمشروع وسط فترة مضطربة فى القارة». وانضمت إليه رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التى قالت إنها تتطلع إلى العمل مع ماكرون، معربة عن «فرحتها» باستمرار «التعاون الممتاز».

ووصف رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراجى إعادة انتخاب ماكرون «بأنه خبر رائع لكل أوروبا»، بينما قال رئيس الوزراء الهولندى مارك روته «إننى أتطلع إلى مواصلة تعاوننا المكثف والبناء داخل الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسي، وإلى زيادة تعزيز العلاقات الممتازة بين بلدينا». كما هنأ ماكرون رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون ورئيس الوزراء البولندى ماتيوز موراويكي، اللذان اختلفا فى الماضى مع الرئيس الفرنسي، جونسون بسبب البريكست، وموراويكى بسبب انتقاده لاتصالات ماكرون المتكررة مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بعد بدء الحرب الأوكرانية الروسية، ما دعا الرئيس الفرنسى لنعت رئيس الوزراء البولندى بـ «يمينى متطرف».

لكن فوز ماكرون ليس بلا تحديات كبيرة داخليا وعلى المسرح الأوروبى. فعليه الآن تأمين حصول حزبه «الجمهورية إلى الأمام» على غالبية مقاعد البرلمان الفرنسى الذى ستجرى انتخاباته يومى 12 و19 يونيو المقبل. ويحتاج ماكرون إلى أغلبية 289 نائبا فى مجلس النواب المكون من 577 مقعدا. لكن هذا لن يكون سهلاً، فقد أسفرت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية عن انهيار شبه كامل للأحزاب التقليدية الفرنسية، حيث سجل كل من اليمين الجمهورى الديجولى والاشتراكيين أقل من 5٪ من الأصوات، لكن أقصى اليسار (ممثلاً فى جان لوك ميلونشون الذى فاز بـ 22% من الأصوات فى الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية)، وأقصى اليمين (ممثلاً فى مارين لوبان التى حصلت على 42% من الأصوات فى الجولة الثانية) قد يشكلان تحديا كبيرا لماكرون فى الانتخابات البرلمانية.

فجان لوك ميلونشون دعا الفرنسيين إلى التصويت لحزبه فى الانتخابات البرلمانية فى يونيو لضمان إجبار ماكرون على تغيير سياساته نحو يسار الوسط لدعم الطبقات الأكثر معاناة من الآثار الاقتصادية للتضخم وأزمات المعيشة وتباطؤ النمو. كما وجهت لوبان نفس الدعوة لأنصارها. وسيضغط الناخبون من مؤيدى أقصى اليمين وأقصى اليسار لتشكيل تحد قوى لماكرون فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، مما يثير تساؤلات حول مدى سهولة قدرته على تمرير الإصلاحات، بما فى ذلك إصلاح المعاشات التقاعدية التى ثبت أنها لا تحظى بشعبية فى الحملة الانتخابية.

وبدون أغلبية برلمانية، ستقل مساحة المناورة للرئيس الفرنسى بشكل كبير، ويأمل ماكرون فى تحالف محتمل مع يمين الوسط أو يسار الوسط، لكن كلاهما يعانى من تراجع لافت فى شعبيته. وقال الرئيس الفرنسى عقب فوزه إن حكومته ستكون منفتحة على «أى شخص يدعم مشروعه» لكن المفاوضات ستكون صعبة. فلدى الرئيس الفرنسى رؤية محددة للاقتصاد والمجتمع الفرنسى ومستقبل المشروع الأوروبى وهو يريد حكومة ورئيس وزراء «ينفذ» تلك الرؤية، وليس مناوئا سياسيا بمقترحات مغايرة.

لكن هذا ليس التحدى الوحيد أمام ماكرون أو فرنسا. فأقصى اليمين القومى أثبت نفسه مجددا كقوة كبيرة فى الشارع الفرنسي، وهذا يعنى أن ماكرون فشل إلى حد كبير فى وعده بإنهاء تصويت الفرنسيين لليمين القومى المتطرف.

فقد حصلت لوبان على نحو 42% من أصوات الناخبين فى الجولة الثانية، وقالت عقب اعترافها بالهزيمة أمام ماكرون إن هذه النسبة تمثل «انتصارا فى حد ذاته»، وتعهدت بأنها ستواصل «القتال السياسي» ضد ماكرون. وأوضحت أمام مؤيديها: «لقد اختارنا الملايين من مواطنينا...نحن مصممون أكثر من أى وقت مضى تصميمنا على الدفاع عن الشعب الفرنسى أكبر من أى وقت مضى... هذه الهزيمة فى حد ذاتها شكل من أشكال الأمل... سأواصل التزامى تجاه فرنسا. لم ينته الأمر بعد. فى غضون أسابيع قليلة لدينا الانتخابات التشريعية».

إن وعد لوبان بمواصلة القتال و«عدم التخلى عن فرنسا» يلقى بظلال من الشك على تعهدها بالتخلى عن طموحاتها الرئاسية المستقبلية. وكانت لوبان قد قالت إنها فى حال هزيمتها فى انتخابات 2022، فلن تترشح مجددا للرئاسة، ما يعنى فتح الباب أمام مرشحين آخرين من حزبها. ففى الشهر الماضي، قالت لصحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية بشكل قاطع «لن أترشح للرئاسة مرة أخرى. لكننى سأستمر فى القيام بما قمت به لسنوات، وسأدافع عن الفرنسيين. لا أعرف فى أى دور، لكنه سيكون فى دور أكون فيه أكثر فعالية».

لكن حصول لوبان على 42% من الأصوات فى الجولة الثانية من الانتخابات قد يغير خططها. فهذه هى أعلى نسبة تحصل عليها فى المحاولات الثلاثة التى خاضتها حتى الآن فى الانتخابات الرئاسية. غير أن لوبان قد تواجه صراعا داخليا فى الحزب إذا ما تمسكت بان تكون «صورة وصوت الحزب». فهناك مرشحون آخرون راغبون فى نقل الحزب من تحت سيطرتها، ومن بين هؤلاء النجم اليمينى المتطرف الصاعد جوردان بارديلا، البالغ من العمر 26 عاما، وهو ابن لمهاجرين إيطاليين نشأ فى إحدى ضواحى باريس. كما أن هناك العديد من الشبان الآخرين ينتظرون فرصة فى ردهات الحزب، بما فى ذلك ابنة أختها ماريون ماريشال، التى رفضت دعم مارين لوبان فى الجولة الأولى ودعمت أريك زمور ممثل أقصى اليمين القومى المتطرف. وهذا يعنى أن اليمين القومي، بمارين لوبان أو بدونها، سيظل التحدى الأكبر أمام ماكرون والأحزاب السياسية التقليدية فى فرنسا.

وبالتالى وعلى الرغم من الانتصار المريح للرئيس الفرنسي، إلا ان التحديات أمامه أكثر تعقيدا من الولاية الأولى. وستكون هذه التحديات أصعب بكثير إذا أخفق حزب ماكرون فى الفوز بالأغلبية فى الانتخابات البرلمانية المقررة فى يونيو. وإضافة إلى الازمة الاقتصادية والحرب الروسية -الأوكرانية وتأثيراتها على الأمن الأوروبى والدولي، تواجه فرنسا تشرذما داخليا واستقطابا وصعودا لا يمكن إنكاره لليمين القومى.

وحتى الفجر، هتف أنصار ماكرون ورقصوا تحت برج إيفل فى باريس.

لكن خلف المزاج المبتهج، حتى أكثر المتحمسين لماكرون لديهم مخاوف فورية بشأن ما ستجلبه السنوات الخمس المقبلة والمسار الأصعب الذى يرجح أن يخبئه فى الداخل، ومع انتخابات برلمانية مفتوحة على كل الاحتمالات.

لكن بالنظر لنصف الكوب الممتلئ، يجد ماكرون نفسه أيضا أقوى سياسى على المسرح الأوروبى اليوم. والسنوات الخمس المقبلة قد تمنحه فرصة أفضل لتحقيق طموحاته لفرنسا وللمشروع الأوروبى.

وفى ولايته الثانية لن يكون ماكرون تحت ظل انجيلا ميركل المستشارة الألمانية السابقة التى اختلفت مع ماكرون حول بعض التوجهات المستقبلية للاتحاد الأوروبى. فالمستشار الألمانى الجديد أولاف شولتز ما زال يتلمس خطاه داخلياً وخارجيا، وليس لديه تطلعات كبرى للمشروع الأوروبى على غرار ماكرون الذى يريد ان يحول أوروبا لـ «قوة جيوسياسية كبرى» على قدم المساواة مع الصين والولايات المتحدة. وبالتالى سيجد ماكرون نفسه لديه حرية لم يتمتع بها خلال السنوات الخمس الماضية داخليا وعلى المسرح الأوروبي، فالولاية الرئاسية الثانية تعنى أن يد ماكرون لن تكون مقيدة بمحاولة استرضاء البعض أملا فى ولاية رئاسية جديدة. وهذا سيحرر ماكرون للمضى قدما فيما يريد تحقيقه ليكون إرثه السياسى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق