رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الراقص بالعصا

محمد عبد المنعم زهران

.. وجهى باتجاه السماء. أرى السحاب يتحرك، لأنهم يحملوننى على محفة ويمشون بى. لا أعرف إلى أين؟ أسمع فى أذنى صوت العصا تلعب فى الهواء، المزمار كأنه يبكى، واليد تضرب على الطبلة «دوم دوم دوم دوم تك.. دوم دوم دوم تك».. إيقاعها متوتر وحزين. جسدى مفرود تمامًا ودمى ينساب على أكتافهم؛ لأن الرصاصة أصابتنى. منذ وقت قليل، كنت على الأرض وفتحت عينى بصعوبة وسط الصراخ، والناس التى تهرب جريًا، الغبار يغطى كل شىء، طعمه فى فمى. أخيرًا رأيتك بجوارى، على وجهك ذعر وغضب، عرق يبلل ملابسك، وفمك يتحرك لأنك كنت تصرخ بينما تمد يدك نحوى، لتوقف الدم المتدفق من الثقب الذى أحدثوه فى بطنى..



تعارفنا فى ليلة المولد الكبير، صرنا أصدقاء بسرعة، أنت تتذكر يا إسماعيل تلك الليلة، بعد أن انتهت مباريات التحطيب فى الحلقة، اندفع كل اللاعبين لاستعراض مهاراتهم فى الرقص بالعصا، أقدامهم تتحرك على إيقاع الطبلة والمزمار، يحركون عصيهم بمهارة فى كل اتجاه، أو يمسكون طرفيها بين اليدين، أحياناً يرقصون معًا فى صفوف منتظمة، وأحياناً أخرى يرتجلون. فى هذه الليلة سقط كل عازفى الطبلة والمزمار من التعب، وجلسوا يدخنون، وانسحب الراقصون والمُحطِّبون واحدًا وراء الآخر بعد أن نال التعب منهم، وبقيت وحدك فى الحلقة، ترتجل حركات مغايرة وجديدة. والتفت فجأة وأنت ترقص، لترى هذا الشخص الذى استطاع مجاراة حركات عصاك الخاطفة وغير المتوقعة. واستمرت عصاك فى رقص متواصل على إيقاع طبلتى حتى قبيل الفجر، وكنتَ مندهشًا من ضارب الطبلة الشاب الذى لم يتجاوز الثامنة عشرة ويظهر لأول مرة فى حلقات الرقص والتحطيب. انتهت الليلة فمشيت معى ووضعت يدك على كتفى وقلت إننى أفضل ضارب طبلة فى كل البلاد. حكيت لك عن هذا الصوت الذى كنت أسمعه وأنا صغير دون أن أفهمه، كان صوتاً يدبدب فى أذنى «دوم دوم تاك تك دوم تاك» وكنت تضحك وتقول إننى ولدت طبالاً، ولكننى كنت أقول لك إننى ولدت وصوت الطبلة فى أذنى فقط.

.. أرى طائر أبى منجل أبيض يطير وحيدًا فى السماء، لم أكن قد رأيته من قبل. ظهر وراءه طائر أبى منجل آخر، يطيران معًا، وينزلقان فى الهواء معاً. الآن أحس براحة، لأن جسدى يهتز على إيقاع خطواتكم. فى أذنى صوت الطبلة والعصا لا تزال مشهرة فى يدك يا إسماعيل، تتقدم سبعة آلاف عصا مشهرة فى الهواء، يحملها سبعة آلاف محطب وراقص بالعصا، بعمائمهم وجلابيبهم الفضفاضة التى تتمايل مع الرياح.

تجولنا معاً، ذهبنا لكل الموالد والمهرجانات، لاعب بالعصا؛ يدعونك لكل الموالد والمهرجانات. فى سوهاج خرج لك هذا الرجل الضخم، يحمل عصاه فى الحلقة ليقرر منازلتك، وأنت وقفت أمامه وحييته مبتسمًا كالمعتاد فى البداية، كان مرتبكًا لأنه وسط بلدته وناسه، وأنت قلت «ساه» ليبدأ اللعب ودار حولك ودرت حوله وعصا كل منكما مشرعة فى الهواء، عيناك فى عينيه تدوران أيضًا. بدأت طبلتى «دوم تك تك تك تك دوم تك تك» فانطلق المزمار وبدأ التحطيب، بدأ الضرب قويًا من جهته واكتفيت أنت بصد ضرباته بعصاتك، وأنا أبتسم لك وأضرب الطبلة ويداى ساخنتان، أبتسم لأننى أعرف أنك تفهم الآن طريقته فى اللعب، وكما خمنت، بدأت أنت الضرب هذه المرة، وتجاوزت سرعة عصاك سرعته فزاغت عيناه، ارتعشت يداه قليلاً، بالكاد حاول الدفاع باستماتة وكنت أعرف أن الضربة القادمة ستأتى فى جنبه لأنك لا تفضل الرأس، ورفعت عصاك فى اللحظة المناسبة وحركتها بسرعتك الخاطفة لتلمس جنبه لتفوز، ولكننى اندهشت عندما رأيتك تتراخى فجأة وتترك الفرصة لعصاه لتلمس كتفك، رغم أنه كان بإمكانك تجنبها! تضايقت منك، وبدأت أسبك فى سرى، لماذا منحته تعادلاً لا يستحقه؟! ابتهاجه وسعادته عندما احتضنك كان لأنه يفهم أنك منحته تعادلاً لا يستحقه، والمدهش أن الناس تفهم أيضًا. وكنت تضحك وأنا مغتاظ، وملت على أذنى وقلت «هذه هى الأصول»!

.. ظللت أتابع طائرى أبى منجل وهما يطيران، تنفرد أجنحتهما بآخر اتساع لها، يسكنان تماماً، كأن الهواء يحملهما ويمضى بهما، يلتفتان ببطء وينظران إلى الأرض هناك، وهناك كانت عشرات السيارات تأتى، ينزل منها مئات اللاعبين مشهرين عصيهم، أحسست أننى أمسك عصا فى يدى، وتحسستها جيدًا، كانت عصا ترقد إلى جوارى على المحفة وأصابعى تقبض عليها..

فى قنا تركت كبير القبائل ليفوز عليك بسهولة، وفى الاستراحة جلسنا لنشرب الشاى، ولكنه أمسك ذراعك بقوة وقال لك لنلعب مرة أخرى. وبدأت المباراة ساخنة جدًا، صوت ارتطام العصاتين ببعضهما سريع وقوى، أعلى من المزمار ومن طبلتى! وكان كبير القبائل صلبًا، وأنا كنت مخطئًا لأننى اعتقدت أنك فقط تفهم طريقته، بدا أنه ماهر جدًا وبلا طريقة لعب محددة مثلك تمامًا. كانت المباراة تتجه للتعادل، وفى لحظة أفهمها كانت عصاك تتجه لجنبه وكان يستطيع تفاديها ولكنه تركك لتفوز. صافحك واحتضنك، فيما بعد حكيت لى وأنت تضحك كيف ضمك إليه بقوة وهمس لك فى أذنك «واحدة بواحدة». فى اليوم التالى دعاك للغداء مع كل رجال قبيلته، نظرت إليه وهو يقطع فخذ الماعز المشوى ويضعه أمامك، وقلت إنه أقوى وأمهر من لعبت معهم، ولم تكن تجامل لأنه بين قبيلته، نظر إليك دون أن يبتسم وكان يمسح أثر الدهن على فمه «أبوك.. كان أمهر منى وأقوى».

بانتظار القطار تركتنى ألاعب شبانًا من القبيلة، فزت مرة وتعادلت مرات، كنت أحاول إقناعك بأنهم كانوا يمنحنونى تعادلات لا أستحقها، ولكنك قلت لى وأنت تمسك كتفى وتهزهما بقوة «أنت خبيث وماكر!! لم يمنحوك تعادلاً أبدًا، أنت من منحتهم تعادلاً». قلت أيضًا إنه ينبغى أن أكون لاعبًا، ولكننى ناولتك العصا وقلت لك إننى أفضِّل الطبلة.

.. رأيت الطائرين يذهبان بعيدًا، ومن بعيد سمعت صوت الحريم، يأتى من الخلف، كن يصرخن ويحاولن المضى قدمًا وراء الرجال، أمك، وزوجات إخوتك وأبناء عمومتك وجيرانك، وعجائز من كل شارع فى البلدة، يزمن بأصواتهن كأنما يحفزن الرجال للحرب! رجال قليلون فى الخلف توقفوا فى محاولات يائسة لإبعادهن، استطعت أن أميز صوت «نعمة»، صوتها حاد ومتواصل كحدأة غاضبة، كانت تنادى اسمى واسمك، أعرف أنك لن تتزوجها أبدًا يا إسماعيل.

وكنت تركب حصانًا وأركب حصانًا، نتسابق على الطريق المؤدى للغيطان، ثم نجلس أخيرًا تحت شجرة الجميز الكبيرة. أتذكر هذا اليوم، عندما أسندت ظهرك إلى الشجرة وأغمضت عينيك وقلت إنك لن تتزوج نعمة! غضبت منك وقلت لك إنها تحبك!! فابتسمت لى وأنت تفتح عينيك وتنظر فى عينى، فى عمق عينى، رأيتك تمسك العصا وترسم على الأرض اسمى واسمك واسم نعمة، بدأت تمد خطوطاً بين الأسماء وقلت دون أن تنظر إلى «نعمة تحبنى و.. أنت تحب نعمة، وأنا أحبك» ثم حركت عصاك على الأرض ومحوت اسم نعمة، وقلت بجدية « يتبقى أنا وأنت فقط». ولم أكن أعرف أنك تعرف!

.. يبدو أن أعدادًا كبيرة قد جاءت فى قطار الثامنة صباحًا، أراهم يقتربون، كلهم من مدن الشمال، الزقازيق والبدرشين ودمنهور وطنطا، يشهرون عصيهم وينضمون إلى آلاف العصى المشهرة التى سبقتهم من سوهاج وقنا وأسوان. هل كانت طيور أبى منجل تصاحبهم؟ لأن سرباً ضحمًا قد بدأ يظهر، يأتى من بعيد، من جانب السماء.

فى القطار كنت أعاتبك ونحن عائدان من الزقازيق، لأنك أيضًا تعادلت بإرادتك! قلت لى إن العصا ليست مجرد عود خيزران غليظ نتلاعب بها، ليست جمادًا مصمتًا لا يفهم! وقلت أيضًا إن العصا يد ثالثة، يد تصافح يدًا دون أن تؤلمها. واستطعت أن أفهمك، كان أبى يقول إنها ليست مجرد لعبة أبدًا، وإن اللاعبين تجمعهم أخوّة أبدية تساوى رباط الدم فى العائلة الواحدة. فى هذه اللحظة فهمت سر هذا الاحتفاء بنا يا إسماعيل، تمامًا كما كنا نحتفى بهم حين يأتون. أدركت هذا عندما تذكرت أنهم ضايفونا كما لو كنا ملوكًا، وفى لحظة الوداع لم يتركونا إلا بعد أن تحرك القطار فقفزوا منه بينما يتحرك. وظلوا يلوحون لنا حتى ابتعدنا. عندما وصلنا رأيتك تقف وتنظر إلى، وفجأة ضربتَ بعصاك الأرض بقوة فأحسست بالأرض تهتز! وقلتَ إن هذه العصا تستطيع أن تقتل أيضًا!!

.. كل ما أراه هو آلاف من العصى المشهرة، كموج هائل يتحرك غاضبًا، آلاف من العمائم على الرءوس، والغبار يصعد إلى السماء، سرب أبى المنجل ما يزال بعيدًا. أراه يقترب.. والنسوة جلسن على الأرض بعد أن نجح الرجال فى إيقافهن بصعوبة..

فى الحلقة المنصوبة بالبلدة كانت الليلة جميلة، بدأ اللاعبون الرقص بالعصا وانتشرت البهجة فى الحلقة. وعندما بدأت مباريات التحطيب غضبت منك وقلت لك ألا تلعب مع هذا الشاب، ولكنك كنت مصرًا على أن تهزمه فى اللعب! قلت لك إن أباه الضابط الكبير يتفرج ويريد أن يرى ابنه ينتصر! وإن عمه يجلس متكئًا فقط ليشاهدك تنهزم!! ورغم ذلك أصررت أن تلاعبه. وفى المباريات التمهيدية فزت أنت على اثنين وفاز هو على واحد وتبقت له مباراة تمهيدية واحدة يجب أن يفوز بها ليقابلك فى المباراة الكبرى، ورفض كل الرجال أن يلاعبوه، كانوا خائفين، فوقفت أنا، رأيتك تنظر إلى بغضب وأنا أترك الطبلة وأمسك العصا وأتحرك إلى وسط الحلقة لأواجهه. ورأيتك تندفع وتدخل الحلقة لتمنعنى، ولكن الرجال سحبوك من يدك وهم يمازحونك ويقولون «لنرى الطبال يلعب مع ابن الباشا»، وخرجت وتركتنى، وبدأ المزمار والطبلة فى أذنى «طم طم طم تاتاتا طم طم طم» ومددت يدى لأحييه فلم يمد يده، وأجبروه على أن يمد يده فمد أطراف أصابعه. وقلت «ساه» وقال بغضب «ساه» ودرت حوله مرتين ودار حولى وهو ينظر فى عينى بغضب، ثم انقض على وضربنى بقوة فرفعت عصاى وتلقيتها، وبدأت نوبات الضرب تزيد على وصوت العصاتين يرتفع بصورة هائلة، سمعت الرجال فى الحلقة يهمسون بأنها لم تعد مباراة تمهيدية، وإنها مباراة حقيقية، وسمعت صوتك المرتجف يا إسماعيل لأنك تخشى أن يضربنى، بدأتُ أجاريه وأستفزه، أترك المساحة المكشوفة لأغريه أن يضرب فى الجنب، وعندما يضرب يرى عصاى تصده وترتج العصاتان فى اصطدام هائل. لا تقلق يا إسماعيل لقد استطعت فهم طريقته أيضًا، كان يتخابث حتى لا أفهم ولكننى فهمت، ولم يستطع فهمى، لأننى ألعب بلا طريقة مثلك تماماً. وجاءت اللحظة الحاسمة عندما رفعت عصاى ودرت بها فى الهواء بطريقتك ليظن أنها تتجه لجنبه، ولكننى فى اللحظة الحاسمة تلاعبت بها لتسقط على رأسه التى بلا عمامة، حاولت قدر المستطاع إضعاف قوة ضربتى، ونجحت أخيراً، ولكن رأسه كان عاريًا وبلا عمامة فنزل دم خفيف.

.. ظهر الطائران مرة أخرى، أحدهما كان يدور فى السماء، يحلق منتظرًا، كأنه يستقبل السرب الضخم الذى بدأت طلائعه. هبط طائر أبى منجل الآخر ببطء وأخذ يدور حول رأسى، نظرت إليه طويلاً وهو يدور متعبًا، كنت أريد أن أقول له استرح الآن ولكننى لم أستطع، أخيرًا وضع قدميه على رأسى، وكان يتلفت بعنقه.

ورأيتك يا إسماعيل تندفع تجاهى لتحضننى وأنت تصرخ من الفرح، كان فرحاً رهيباً لأنك لم تكن تتخيل أننى سأفوز، التف الرجال حولى وتعالت الطبلة فى أذنى والمزامير فى الحلقة، ونزل عشرات الرجال ليرقصوا بالعصى احتفالاً بفوزى، الضابط الكبير وأخوه يقفان على مشارف الحلقة وشخصان آخران يربطان رأس ابن العائلة الكبيرة الذى كان يشتم بصوت مرتفع ويريد أن يلعب مرة أخرى. ورأيت المسدس الأسود أخيرًا، رأيته فى يد الضابط الكبير، كانت ماسورته تخرج دخاناً كثيفًا، وتذكرت أننى سمعت صوت الطلقة وأن الناس تفرقت وهم يفرون هاربين، فى هذه اللحظة تذكرت أن شيئًا ساخنًا ملتهبًا ارتطم ببطنى، ولكننى لم أقو على النظر إليه، لأن جسمى سقط فجأة، رأيتك أنت فقط يا إسماعيل تتشبث بى وتسقط معى.

.. يقترب رأس طائر أبى منجل من وجهى، ينظر إليّ قليلاً، ثم يحرك عنقه ببطء فى كل اتجاه، ليرى سبعة عشر ألف عصا مشهرة تتحرك، سبعة عشر ألف عمامة على الرءوس بألوان مختلفة تتقدمهم عمامتك يا إسماعيل. لا تترك أحدا منهم ليهرب يا إسماعيل!.

كنا نجلس فى المقهى لنشاهد فيلمًا، وكنت تمد عنقك وفمك مفتوح وأنت تشاهد. أردت أن أقول لك إننى ابن لاعب بالعصا مثلك، وإن أبى كان أمهر لاعب بالعصا فى بلدتى، لذا كنت أفهمك وأفهم كل ارتجالاتك فى الرقص والمناورة والحركة، أنت بالتأكيد سمعت عن أبى، وسمعت ما قالوه عنه، لم يكن لصًا! فاللاعبون الذين لا يسرقون الفوز لا يسرقون أبدًا بضعة أكياس من سماد الجمعية الزراعية، كل ما فى الأمر أنهم أرادوه أن ينهزم أمام عضو البرلمان فى بلدتنا، أثناء الاحتفال الكبير بفوزه بمقعد البرلمان، عضو البرلمان الذى لم يعطه أحد صوته ولكنه فاز! لذا كانوا يكرهونه، وفى المباراة أراد أبى أن ينهزم ليجامله، ولكن أعين الناس فى الحلقة كانت تنظر بانكسار، وتصفق برتابة، أعينهم تتوسل إليه أن يفوز، أن يفوز لهم هذه المرة.

وكنت واقفًا بين الناس فى الحلقة، وعينى تريده أن يفوز أيضًا يا إسماعيل، ورأيته يبدأ مباراة حقيقية، يضرب ويضرب والناس تصرخ بهياج وتصفق كأنها فى حرب، وفاز يا إسماعيل، فاز بسهولة، لينام الناس ليلة سعيدة، ولكنه لم ينم، اتهموه بسرقة أطنان من سماد الجمعية الزراعية التى يعمل بها، اختفت فجأة فى هذه الليلة تحديدًا!! ذهبوا به ولم يعودوا، وفى السجن أمرنى ألا ألعب بالعصا أبدًا، وقلت له إننى سأضرب الطبلة فقط!

وجئت إلى بلدتكم، لأن أمى كانت قد ماتت بعد شهور قليلة من موت أبى، سمعت عنك، فحملت طبلتى وذهبت إلى المولد الكبير، وفى الحلقة رأيتك وعرفتك وبدأت أطبل. أنت لم تكن تفهم لماذا صرنا أصدقاء سريعًا، كان الجميع يؤنبونك لأنك تصاحب ضارب طبلة وتُمضى أوقاتك معه، تبقّى أن تعرف يا إسماعيل، أن الصوت الذى كنت أسمعه دائمًا فى أذنى، لم يكن أبدًا صوت طبلة! كان صوت العصا وهى تلعب، صوت الارتطام القوى لعصا بأخرى فى الهواء، تبقى أن تعرف أيضًا أننى أضرب الطبلة فقط لأتمكن من العيش.

هناك شىء مريح ينساب فى جسمى، لا أعرفه. تمشون بى يا إسماعيل، وأبى منجل يمسح ريشه فى وجهى، ريشه أخضر وله رائحة حلوة.. رأيت الفيلا.. هناك.. تقترب، وبدأت إحدى وعشرون ألف عصا مشرعة فى الهواء تهرول جريًا إلى مشارف أسوارها المرتفعة، الغبار يتصاعد، صراخهم رهيب، جنود ببنادق آلية فوق الأسوار، أعينهم خلف البنادق، الضابط الكبير هناك بالداخل، أستطيع أن أراه، يرتعش. أسمع صوت طلقات رصاص وحوائط تُهدم، أرى الضابط الكبير يمتطى حصانًا ليهرب.. كنت أريد أن أقول... لا تتركوا أحدًا منهم ليهرب يا إسماعيل.. ولكننى كنت قد نمت.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق