رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ابن القساوسة مترجما للقرآن

أحمد عبادى

«رودى بارت»، مستشرق ألمانى، حين يذكر اسمه تجده ضمن أبرز من قاموا بترجمة القرآن الكريم، وذلك رغم نشأته فى عائلة مسيحية شديدة التدين، حيث ولد فى ويتندورف جنوب ألمانيا فى أبريل 1901 من أسرة يكثر فيها القساوسة المسيحيون.

ولم يلبث بارت أن أظهر ميولا ناحية المشرق العربى فدخل جامعة توبنجن وتتلمذ فى الدراسات العربية بها على يد أستاذه «إنو ليتمان» ليحصل منها على الدكتوراة الأولى سنة 1924 ثم على دكتوراة التأهيل للتدريس فى الجامعة سنة 1926 وعين إثر ذلك مدرسا مساعدا بقسم الدرسات الشرقية.



وازداد ارتباط «بارت» بالشرق فى سنة 1941 فلم يمض على شغله كرسى «علوم الإسلام والساميات» فى جامعة بون شهور قليلة حتى انخرط فى خدمة الجيش الألمانى فى العام نفسه واتجه إلى ليبيا مع جيش رومل حيث أسر فى سنة 1942 وظل فى الأسر إلى ما بعد انتهاء الحرب وتحديدا حتى عام 1946.

وبعد عودته إلى وطنه ألمانيا تم تعيينه أستاذا للساميات والإسلاميات فى جامعة توبنجن عام 1951م وأحيل للتقاعد عام 1968 إلى أن توفى بعد ذلك فى يناير 1983م.

ولعل هذا الولع المبكر من» بارت» بالشرق والعلوم الشرقية وتجربته العسكرية وقضائه لسنين الأسر فى بلاد الشرق هو ما أثر على توجه بارت فى إنتاجه العلمى مما جعل المتخصصين فى دراسات الاستشراق يصنفونه فى زاوية المتعاطفين مع الإسلام.

ويقول الفيلسوف عبدالرحمن بدوى فى «موسوعة الاستشراق» إن العمل الأساسى الذى ارتبط به اسم رودى بارت كمستشرق هو ترجمته القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية فى مجلد والتعليق على هذه الترجمة فى مجلد ثان.

ولم يشأ بارت فى ترجمته أن ينساق إلى مغامرات كتلك التى قام بها المستشرق ريتشارد بيل الذى قطع سور القرآن الكريم تقطيعات اعتباطية لم يبين دواعيها وأسبابها حتى فرق القرآن إربا إربا، ولا فى محاولات المستشرق رجى بلاشير الذى وضع ترتيبا تاريخيا للسور حسب نزولها وفقما تخيل، بل ترجم بارت القرآن بحسب الترتيب العثمانى المتعارف عليه بين المسلمين منذ سنة 30هـ تقريبا حتى اليوم.

والتزم بارت فى ترجمته الدقة حتى وإن جاءت أحيانا على حساب الأناقة فى العبارة التى تشتهر بها اللغة الألمانية، وابتعد بارت فى فهمه للنص عن شطحات المفسرين ذوى النزعات الخاصة وتعلق بالنص كما هو فى أبسط فهم له وحين كانت الترجمة الحرفية تبدو غير واضحة كان يضع بين قوسين كلمات شارحة من عنده بغية الإيضاح.

وفى مجلده الثانى وضع «بارت» تعليقات على المواضع التى تمثل إشكالية فى فهم بعض الآيات فى كل سورة من السور وأشار إلى خلاصة الأبحاث التى جرت حول الإشكالية خصوصا أبحاث المستشرقين وبذلك وفرت ترجمة بارت للباحثين إشارات لدراسات عديدة تناولت هذه المشكلة أو تلك مما يثيره النص القرآنى فكشف بذلك عن اطلاع شامل استقصى ما كتب فى هذا الباب وصار بذلك أداة ثمينة لإرشاد من ينشدون المزيد من البحث فى هذه النقاط المشكلة وأصبح بذلك المجلد الثانى من ترجمة بارت بمثابة أداة بيبلوجرافية للباحثين فى هذا المجال.

ولم تقتصر اهتمامات بارت بالعلوم الإسلامية على ترجمة القرآن الكريم فإلى جانب هذا العمل الأساسى قدم بارت رسائل صغيرة عن القرآن منها رسالة بعنوان «محمد والقرآن» عرض من خلالها شرحا مبسطا وواضحا للجمهور غير المسلمين لتعريفهم وإفهامهم حقيقة رسالة الإسلام وحقيقة النبى محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد بذل بارت مجهودا كبيرا فى تعريف الأوروبيين بحقيقة الإسلام والرسالة المحمدية وذلك من خلال إلقاء عدد من المحاضرات العامة والأحاديث الإذاعية فى هذا الموضوع، ومن هنا نشأت علاقات المودة بين بارت وبين المسلمين داخل ألمانيا وخارجها وخصوصا فى إيران لدرجة أن الحوزة العلمية هناك طبعت ترجمة بارت للقرآن فى طبعة جديدة بالأوفست وقامت السفارات الإيرانية فى أوروبا بإهداء نسخ من هذه الترجمة إلى كبار الزائرين الأوروبيين.

ولم يكتف بارت بتناول ما يخص القرآن فقط فى دراساته وكتبه فله إلى جانب هذا دراسة بعنوان «الإسلام والتراث الثقافى اليونانى» وقد ظهرت سنة 1950م وفيها فحص أحوال البحث فى التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية سواء فى ألمانيا وخارجها حتى سنة 1950.

ويرى بارت فضل الرسول صلى الله عليه وسلم عظيما فى توحيد العرب وتقدمهم ويتضح ذلك من قوله فى مؤلفه «محمد والقرآن» «كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة فى بوادى شبه الجزيرة، يعيثون فيها فسادا، حتى أتى محمد ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم فى كيان واحد متجانس».

ويؤكد بارت قناعته هذه بالقول فى مؤلفه «تاريخ الحضارات العالم» «جاء محمد بن عبدالله النبى العربى يبشر العرب والناس أجمعين بدين جديد، ويدعو إلى القول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة فى دعوته لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، لا تضبط الأمور الدينية فحسب، بل أيضا الأمور الدنيوية؛ فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين، ونشر الدين، وعندما توفى النبى العربى عام 632م كان قد أتم دعوته، وأتم وضع نظام اجتماعى يسمو كثيرا فوق النظام القبلى الذى كان عليه العرب قبل الإسلام وصهرهم فى وحدة قوية، وتمت للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة لم تعرف مثلها من قبل».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق