رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

غرفه رقم 28

شريف عبدالمجيد

تعلم الاختفاء جيدًا. هذا أفضل له. لن يتركهم يتتبعونه كما كانوا يفعلون فى الماضى.


قطع طرقا مختلفة وسلك اتجاهات مغايرة للتمويه. لقد ذاق منهم الأمرين، ولن تصدق أنت ما حدث له إلا عندما تعرف كيف بدأ كل ذلك؟.

كان يحمل فى طيات ملابسه البسيطة شهادة الدكتوراة التى حصل عليها مؤخرًا بعد جهد سنوات طويلة. كانت دراسة متعبة ومجهدة وفريدة عن المدة الزمنية التى يتطلبها انفصال الصاروخ عن القمر الصناعى والتحكم فى المعلومات المرسلة من الأقمار الصناعية لمركز التحكم فى الأرض. وهب حياته للعلم والثقافة والتنوير قبل أن يكون شهيدًا يمشى بيننا فى الأسواق. ثمانى سنوات من السهر والتعب والكد والكفاح فى الماجستير والدكتوراة.

كم من مرة سرقوا مسودات دراساته التى أخفاها عن العيون ثم سرقوا جهاز الكمبيوتر الخاص به. قرر أن يكتب فى «سايبر» فى منطقة شعبية. لن يظن أحد أن فى هذا الموقع من يكتب دراسات مهمة، ووجد المكان مغلقا لأن الشباب فى «السايبر» يقومون بتحميل مواد خليعة ويشربون المخدرات.

قام بكتابة الرسالة من جديد فعملوا هاكينج على إيملاته وعلى صفحته فى الفيس بوك وسرقوا الفلاشات والهاردات الخاصة به. طاردوه فى كل مكان لم يقبلوه فى أى وظيفة. ولولا أنه يصرف على أبحاثه من ميراث والده لما وجد ما ينفقه.

كان يعرفهم من خلال القمر الصناعى الذى يراه من بلكونة منزله، ويشعر بأنهم أطلقوه ليتابع تحركاته.

كان لديه يقين بأنهم يرصدون كل ما يفعله حتى خلجات نفسه البسيطة حتى أنفاسه يعدونها ويعرفون ما يدور فى عقله اللاواعى.

قرأ عن علماء عدة تم اغتيالهم فى البلاد العربية وفى دول أوروبا، هل سيقتلوه هو أيضًا وكيف سيحدث ذلك؟

انبثقت فى ذهنه فكرة عبقرية. لقد قرر أن يدخل مصحة ويتخفى منهم. يعيش هنا وسط المرضى النفسيين وأصحاب الأمراض العقلية حتى ينسوه تمامًا. ضحى بنفسه من أجل الوطن وأبحاثه الخطيرة التى استمر فى إجرائها لسنوات طويلة.

لقد جلست هنا فى تلك المصحة طوال عشر سنوات أسجل أفكارى وأبحاثى متأملا العالم من حولى. أعرف أن هناك من يرقبنى، ربما يوجد فى تلك الأشجار القليلة ميكروفونات تسجل كل كلمة أقولها للناس، وكاميرات تنقل بالصورة والوقت كل همسة وكل فكرة تخطرعلى البال. أجلس فى حديقة المصحة الواسعة بجوار شجرة الأكاسيا بزهورها الصفراء لأنها تشبهنى، فأنا أيضًا أموت فى بيئة لا يعنى أمر أحد، وأزهر رغم عدم العناية. أما تشابك زهورها فيشبه حياتى المعقدة بكل ما فيها من آلام.

لقد قابلته اليوم يشعل سيجارة من طرف السيجارة الأخرى. لا يجد وقتًا ليطفئ سيجارته الأولى، وكأنه هو نفسه الذى يشتعل من الحزن والهموم. هل تتذكره يا صديقى العزيز؟ لقد كنت نسيته أنا الآخر، ولكنه هو مَن تذكرنى عندما كنت فى المصحة لزيارة قريب لى كان يجلس وحده وينظر لى إلى أن تذكرنى وكأن سنوات الصبا قد عادت مر شريط ذكرياتها أمامى فى لحظة واحدة. إنه السيد محمد السيد الشاب الطويل الذى كانت تشع عيناه بذكاء نادر وروح مرحة. كان أكثرنا تفوقًا منا جميعا. وها أنا ذا بعدما صرت محاسبًا فى شركة من شركات القطاع الخاص، ربما لا تعرف أنت ذلك. أقسم لك، لقد أعيتنى الحيل حتى توصلت لمكتبك الذى دلنى عليه أحد أبناء دائرتك الانتخابية، وشكر فى جهودك الكبرى فى خدمتهم، وهذا هو خطابى الثالث لك بشأن زميل دراستنا فى الثانوية العامة حتى تستطيع أن تخرجه من المصحة، وهو أول طلب أطلبه من سيادتك أيها العضو الموقر الناجح المحترم.

أعرف ما ستقوله ربما كان هذا المكان مناسبًا له، وأنه ربما يعانى فى الخارج أكثر مما يعانى فى المصحة، ولكننى أؤكد لسيادتكم أن السيد كما أخبرنى السادة الأطباء والممرضون وأمن المستشفى قد تم شفاؤه، وفكرة الأبحاث والدكتوراة هى هوس سيلازمه حتى مماته، ولكنه شخص غير مؤذٍ، لقد أطلعنى الأطباء على بعض مما كتبه، وهالنى أنه فى كل مرة يكتب عن دراسة مختلفة، مرة دكتوراة فى العلوم، ومرة دكتوراة فى الفلسفة وأخرى فى علم النفس، وربما فى الآداب لا أذكر. ولكن كل ذلك مجرد تهيؤات وهواجس يستطيع الخروج والتعايش معها، فهو لن يؤذى أحدًا. أرجو منك سرعة الرد عليّ، فموقف صديقنا مأساوى، ولا يحتمل التأجيل، وستنال ثوابًا كبيرًا فى الآخرة وتقديرا وشكرا للأبد من صديقك المخلص.

دخل الممرض حجرة مريض الفصام فى الغرفة رقم 28 ليطفئ النور، وأغلق شباك الحجرة المفتوح بعدما تأكد من أن المريض قد تناول دواءه.

وقام بتغطيته ببطانيته ذات الأرضية الحمراء التى يتخللها مربعات وورود ذات لون وردى غامق. ثم أطفأ النور.


----------h

شريف عبدالمجيد



تعلم الاختفاء جيدًا. هذا أفضل له. لن يتركهم يتتبعونه كما كانوا يفعلون فى الماضى.

قطع طرقا مختلفة وسلك اتجاهات مغايرة للتمويه. لقد ذاق منهم الأمرين، ولن تصدق أنت ما حدث له إلا عندما تعرف كيف بدأ كل ذلك؟.

كان يحمل فى طيات ملابسه البسيطة شهادة الدكتوراة التى حصل عليها مؤخرًا بعد جهد سنوات طويلة. كانت دراسة متعبة ومجهدة وفريدة عن المدة الزمنية التى يتطلبها انفصال الصاروخ عن القمر الصناعى والتحكم فى المعلومات المرسلة من الأقمار الصناعية لمركز التحكم فى الأرض. وهب حياته للعلم والثقافة والتنوير قبل أن يكون شهيدًا يمشى بيننا فى الأسواق. ثمانى سنوات من السهر والتعب والكد والكفاح فى الماجستير والدكتوراة.

كم من مرة سرقوا مسودات دراساته التى أخفاها عن العيون ثم سرقوا جهاز الكمبيوتر الخاص به. قرر أن يكتب فى «سايبر» فى منطقة شعبية. لن يظن أحد أن فى هذا الموقع من يكتب دراسات مهمة، ووجد المكان مغلقا لأن الشباب فى «السايبر» يقومون بتحميل مواد خليعة ويشربون المخدرات.

قام بكتابة الرسالة من جديد فعملوا هاكينج على إيملاته وعلى صفحته فى الفيس بوك وسرقوا الفلاشات والهاردات الخاصة به. طاردوه فى كل مكان لم يقبلوه فى أى وظيفة. ولولا أنه يصرف على أبحاثه من ميراث والده لما وجد ما ينفقه.

كان يعرفهم من خلال القمر الصناعى الذى يراه من بلكونة منزله، ويشعر بأنهم أطلقوه ليتابع تحركاته.

كان لديه يقين بأنهم يرصدون كل ما يفعله حتى خلجات نفسه البسيطة حتى أنفاسه يعدونها ويعرفون ما يدور فى عقله اللاواعى.

قرأ عن علماء عدة تم اغتيالهم فى البلاد العربية وفى دول أوروبا، هل سيقتلوه هو أيضًا وكيف سيحدث ذلك؟

انبثقت فى ذهنه فكرة عبقرية. لقد قرر أن يدخل مصحة ويتخفى منهم. يعيش هنا وسط المرضى النفسيين وأصحاب الأمراض العقلية حتى ينسوه تمامًا. ضحى بنفسه من أجل الوطن وأبحاثه الخطيرة التى استمر فى إجرائها لسنوات طويلة.

لقد جلست هنا فى تلك المصحة طوال عشر سنوات أسجل أفكارى وأبحاثى متأملا العالم من حولى. أعرف أن هناك من يرقبنى، ربما يوجد فى تلك الأشجار القليلة ميكروفونات تسجل كل كلمة أقولها للناس، وكاميرات تنقل بالصورة والوقت كل همسة وكل فكرة تخطرعلى البال. أجلس فى حديقة المصحة الواسعة بجوار شجرة الأكاسيا بزهورها الصفراء لأنها تشبهنى، فأنا أيضًا أموت فى بيئة لا يعنى أمر أحد، وأزهر رغم عدم العناية. أما تشابك زهورها فيشبه حياتى المعقدة بكل ما فيها من آلام.

لقد قابلته اليوم يشعل سيجارة من طرف السيجارة الأخرى. لا يجد وقتًا ليطفئ سيجارته الأولى، وكأنه هو نفسه الذى يشتعل من الحزن والهموم. هل تتذكره يا صديقى العزيز؟ لقد كنت نسيته أنا الآخر، ولكنه هو مَن تذكرنى عندما كنت فى المصحة لزيارة قريب لى كان يجلس وحده وينظر لى إلى أن تذكرنى وكأن سنوات الصبا قد عادت مر شريط ذكرياتها أمامى فى لحظة واحدة. إنه السيد محمد السيد الشاب الطويل الذى كانت تشع عيناه بذكاء نادر وروح مرحة. كان أكثرنا تفوقًا منا جميعا. وها أنا ذا بعدما صرت محاسبًا فى شركة من شركات القطاع الخاص، ربما لا تعرف أنت ذلك. أقسم لك، لقد أعيتنى الحيل حتى توصلت لمكتبك الذى دلنى عليه أحد أبناء دائرتك الانتخابية، وشكر فى جهودك الكبرى فى خدمتهم، وهذا هو خطابى الثالث لك بشأن زميل دراستنا فى الثانوية العامة حتى تستطيع أن تخرجه من المصحة، وهو أول طلب أطلبه من سيادتك أيها العضو الموقر الناجح المحترم.

أعرف ما ستقوله ربما كان هذا المكان مناسبًا له، وأنه ربما يعانى فى الخارج أكثر مما يعانى فى المصحة، ولكننى أؤكد لسيادتكم أن السيد كما أخبرنى السادة الأطباء والممرضون وأمن المستشفى قد تم شفاؤه، وفكرة الأبحاث والدكتوراة هى هوس سيلازمه حتى مماته، ولكنه شخص غير مؤذٍ، لقد أطلعنى الأطباء على بعض مما كتبه، وهالنى أنه فى كل مرة يكتب عن دراسة مختلفة، مرة دكتوراة فى العلوم، ومرة دكتوراة فى الفلسفة وأخرى فى علم النفس، وربما فى الآداب لا أذكر. ولكن كل ذلك مجرد تهيؤات وهواجس يستطيع الخروج والتعايش معها، فهو لن يؤذى أحدًا. أرجو منك سرعة الرد عليّ، فموقف صديقنا مأساوى، ولا يحتمل التأجيل، وستنال ثوابًا كبيرًا فى الآخرة وتقديرا وشكرا للأبد من صديقك المخلص.

دخل الممرض حجرة مريض الفصام فى الغرفة رقم 28 ليطفئ النور، وأغلق شباك الحجرة المفتوح بعدما تأكد من أن المريض قد تناول دواءه.

وقام بتغطيته ببطانيته ذات الأرضية الحمراء التى يتخللها مربعات وورود ذات لون وردى غامق. ثم أطفأ النور.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق