رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطلاق الصادم!

أحـمــد البــــــرى

لا أعلم من أين أبدأ حديثى ولا الطريقة التى أعبر لك بها عما يدور بداخلى، فمهما بخط القلم ويلملم من كلمات فإنه يقف عاجزا عن التعبير عما تحويه نفسى من ألم وعذاب شديدين، ولقد بذلت جهدا مضنيا فى استجماع قواى والتغلب على الخوف الذى يحاصرنى كلما هممت بالفضفضة إليك، وها أنا أكتب لك حكايتى، أنا سيدة فى بداية الثلاثينيات، نشأت نشأة عادية لأب طيب وأم مكافحة وأخ يكبرنى بخمس سنوات، عشت طفولة جميلة ومستقرة لم يعكر صفوها أى شىء، فكل ما كنت أطلبه أو أتمناه كان مجابا لذلك كنت فتاة مطيعة لا ترفض أى طلب لوالديها، ومرت الأيام وتوفى أبى وأنا فى بداية المرحلة الإعدادية، كانت صدمة كبيرة ولم أستطع تجاوزها بسهولة، لقد فقدت مصدر الأمان والسعادة، وبالرغم من أن أمى لم تترك للتقصير مجالا فى أى شىء لكن مكانة الأب تظل كما هى ولا يمكن تعويضها، توالت الأيام بعد رحيله وكان الله عونا لى فى تجاوز تلك المحنة تدريجيا، بالإضافة إلى أن بيتنا كان يحمل طابعا دينيا ونشأنا على تعاليم الإسلام مما ساعدنا على تقبل الوضع والمضى قدما ومنذ ذلك الحين أيقنت أنها سنة الحياة وأننا جميعا إلى زوال وأن الحياة مهما تطل أو قصرت فمصيرها النهاية، قررت أن أستجمع قواى وأن أفعل كل ما بوسعى حتى أتمكن من تجاوز مرحلة الثانوية العامة بنجاح والالتحاق بكلية طب الأسنان كما تمنيت، وبالفعل وفقنى الله إلى ذلك ومرت سنة تلو الأخرى وخلال السنة الثالثة جاءنى شاب يكبرنى بعام ووجدته يصارحنى بإعجابه بى وطلب منى أن نتواصل هاتفيا أو نتحدث عن طريق الإنترنت لكننى رفضت وأخبرته أن السبيل الوحيد لارتباطنا سوف يكون رسميا ويمكنه أن يتواصل مع أمى إذا أراد ذلك، وبالفعل مر عام تعرفنا خلاله على بعضنا البعض فى أثناء وجودنا داخل الحرم الجامعى ما بين المحاضرات وفى فترات الاستراحة إلى أن تقدم لخطبتى وبعد تخرجه بشهرين تزوجنا، مرت الشهور الأولى فى زواجنا بسلام وهدوء، كان رجلا كريما وحنونا وعشنا معا فى سعادة، إلى أن أنهيت دراستى ثم رزقنا الله ببنت وبعد أن كانت الدراسات العليا ضمن مخططاتى فقد قررت أن أكتفى بالبكالوريوس وعملى الحكومى وأن أظل بجانب زوجى وابنتى قدر الإمكان، حيث إن البيت السعيد لا يعوضه شيء، لكن السعادة فى حياتى لم تدم طويلا فقد ماتت أمى بعد زواج أخى بستة أشهر، وشعرت بانكسار شديد لم أعهده منذ وفاة أبى، كيف سأواجه صدمات الحياة بدونهم؟

 

 

مرت شهور عديدة حاولت خلالها تجاوز تلك المحنة فى ظل وجود شعور دائم بالحنين إلى والدىّ مع محاولات زوجى لتعويضى عن كل هذه الصدمات، كبرت ابنتنا وفى أحد الأيام شعرت بتغيّر فى جسدى دون الإحساس بأى ألم، لم أتردد فى الذهاب إلى المستشفى وأجريت عدة فحوصات كما طلب منى الطبيب وفوجئت به يخبرنى بأننى أعانى سرطان الثدى فى مرحلة متقدمة ولابد من بدء العلاج فى الحال، استقبلت الخبر وما هى إلا لحظات معدودة حتى فقدت وعيى وتم نقلى إلى إحدى الغرف لعمل اللازم وبعد ساعات استقرت حالتى، وبمجرد عودتى للمنزل ظللت أبكى حتى عاد زوجى ووجدنى بتلك الحالة فسألنى عن السبب فأخبرته، توقعت أنه سيقوم باحتضانى كعادته فى الأزمات لكنه ابتعد عنى وفضّل الصمت وبعد دقائق معدودة ترك المنزل ولم يعد إلا بعد منتصف الليل، تعجبت من موقفه وراودتنى التساؤلات التى وجدت إجاباتها فى الأيام التالية، لم يعد يحدثنى كعادته وأصبح البيت بالنسبة له مجرد مكان للمبيت وأيام أخرى لم يعد فيها إلى المنزل، بدأت العلاج وجلسات الكيماوى وظهرت تغيّرات كثيرة على مظهرى وسقط شعرى، وفى كل مرة كنت أذهب فيها إلى المستشفى كنت أرى بجانبى سيدات يعشن نفس معاناتى وأزواجهن إلى جانبهن يشدون من أزرهن، كنت أتحسر على نفسى كونى وحيدة لا حول لى ولا قوة أواجه الموت بمفردى، لم يكن لدى الأطباء أمل كبير بشأن استجابة جسدى للعلاج، لكن كما اعتدت ظللت أصلى وأدعو وأتناول الأدوية وأخضع للجلسات، وبالرغم من شدة الألم وضعف جسدى كان يساورنى يقين بأنها مسألة أيام أو أسابيع على أقصى تقدير، فقد قررت أن أعود مجددا لإكمال شغفى الأكاديمى وتحقيق ما تمنيته من قبل عملا بمبدأ الحديث الذى رواه الإمام أحمد وغيره عن أنس رضى الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها».

مر شهران تقريبا وقررت أن أتحدث إلى زوجى وسؤاله عن سبب تصرفاته وتأخره فى الرجوع للمنزل تارة والمبيت خارجا تارة أخرى، ولم أجد غير الصمت والتهرب من الإجابة، وعندما زاد إصرارى قال لى إنه قام بالزواج من أخرى ولم يعد يطيق رؤيتى، صعقتنى إجابته وسألته عن السبب وفى قرارة نفسى أعلم جيدا أن مرضى سبب كل ذلك، فلم أجد أى إجابة واضطربت أعصابى فانفعلت عليه ليضربنى ضربا مبرحا مصحوبا بالسباب والشتائم وما إن انتهى من ذلك قام بإلقاء الطلاق علىّ وتهديدى بالضرب مرة أخرى حال عدم مغادرتى المنزل عند عودته من الخارج، جاءتنى ابنتى باكية محاولة تهدئتى فاحتضنتها ولازمنى الصمت ثم لملمت نفسى الهزيلة وقمت بتجهيز كل أغراضى الشخصية أنا وابنتى وغادرنا المنزل هاربين إلى ملاذ آمن وهو بيت أبى، أصبحت محطمة تماما حتى بصيص الأمل قد تلاشى، تواصلت مع أخى الذى يعيش خارج مصر وأخبرته بكل ما حدث، فإذا به يلقى باللوم علىّ لأننى لم أبلغه بكل ما مررت به منذ البداية، فأخبرته أننى فعلت ذلك لعدم رغبتى فى التسبب فى أى قلق أو فوضى فى حياته.

مرت عدة أيام ووصلتنى ورقة الطلاق، وبعدها فوجئت بعودة أخى وزوجته وأولاده، وعلى الرغم من إحساسى بالذنب تجاهه خوفا من زيادة همومه ولكنه منذ رجوعه لم يقصر فى أى شىء، اهتم بابنتى وعاملها كمعاملته لأولاده وأصبح يصطحبنى إلى الجلسات، وعندما نعود يتابع عمله عن طريق الإنترنت وتتولى زوجته مسئولية رعايتى ورعاية الأولاد، ورويدا رويدا بدأت أستعيد صحتى النفسية وعدت مجددا للمذاكرة وأصبحت استجابة جسدى للعلاج أفضل، وبعد مرور أربعة أشهر أخبرنى الطبيب بأنه بفضل الله قد تعافيت ولم يعد هناك أثر لأى أورام، كانت تلك اللحظة هى الأجمل فى حياتى، لقد انتصرت فى المعركة وأصبحت إنسانة جديدة، ثم تحصلت على الماجستير والدكتوراه وشغلت منصبا أكاديميا فى إحدى الجامعات، استقرت حياتى مجددا وسعيت إلى رد الجميل لأخى وزوجته على ما فعلاه من أجلى، الغريب هو أننى وجدت طليقى يحاول التواصل معى فى أحد الأيام عن طريق بعض الوسطاء لكى نعود مرة أخرى بعد أن رفعت زوجته الثانية قضية خلع وسلبته كل ما يملك، رفضت رفضا قاطعا وقررت تجاهله.

الآن أعيش على تحسين أحوال المعيشة وتربية ابنتى وتعويضها عن كل ما رأته وهى لم تتخط الرابعة من عمرها، لكن بداخلى انكسارا كبيرا ناتجا عن الفقد والخذلان، وأتساءل دوما عن الإجابة المناسبة لتساؤلات ابنتى عن أسباب الاختفاء المفاجئ لأبيها من حياتنا؟ هل سوف أكمل حياتى بتلك المشاعر المتناقضة ما بين الشعور بالوحدة والانكسار وبين الفخر والاعتزاز بالنفس بعدما أكرمنى الله وتخطيت كل تلك العقبات؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

لقد ضربت أروع الأمثلة فى الإيمان بالله وقوة العزيمة، فكثير من الناس يهزمهم اليأس قبل أن يهزمهم المرض، إن محاولاتك المستمرة لكى تصبحى فى أفضل حال قد أتت بثمارها، وصبرك على وفاة الأب والأم خاصة الأب الذى توفى وأنت فى سن صغيرة شىء عظيم، وقد ذكر الله عز وجل الصابرين فى كتابه العزيز فى سورتى الزمر والبقرة، «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» و«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون»، ويمكنك التعبير عن حبك الشديد لهما بمواصلة عملهما الصالح، فعن أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. رواه مسلم.

أما عن طليقك فأعلم أن صدمتك كانت مضاعفة لأنه وقف إلى جانبك فى بعض الأوقات الصعبة، لكن عندما تعلق الأمر بك شخصيا وبجسدك فقد تغيّر الأمر كثيرا، لكن غاب عنه أن كل شىء بيد الله سبحانه وتعالى وأن الحياة مليئة بالاختبارات وهو لم يدرك ذلك، حيث كان من الممكن أن يتعرض هو لمرض شديد يقضى عليه تماما ولن يكون قادرا على الحركة، وليس من المروءة والشهامة أن يستقوى على شخص مريض لا حول له ولا قوة خاصة أنك زوجته، ولو كان يعلم أن أخيك سوف يقف له بالمرصاد لم يكن ليفعل فعلته هذه، لقد ذاق العذاب بطريقة أخرى، بعد أن تزوج مرة ثانية واعتقد أنه فاز وسوف يعيش فى سعادة تامة بينما استغلت زوجته الثانية وضعه وأقنعته بالزواج سريعا، حيث لم تطل المدة بين مرضك وبين زواجه، فهو لم يكن يدرى ما يرتكبه من كارثة فى حق نفسه، فهو أراد أن يشعر بنفس اللذة التى كان يعيشها معك وكان هدف زوجته أن تسلبه كل ما يملك ونجحت بالفعل فى ذلك، لكنى لم أفهم بأى وجه أراد الرجوع إليك، ألم يخجل من أفعاله؟

ولننظر من جانب آخر وكما قال المولى فى كتابه «وَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسى أَن تُحِبّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمونَ»، «فَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَيَجعَلَ اللَّهُ فيهِ خَيرًا كَثيرًا»، فقد اشتد عليك المرض وقال الأطباء إن الأمل ضعيف وطلقك زوجك وترك لك البنت، لكنها كانت البداية للعودة إلى تحقيق حلمك القديم فى الحصول على الماجستير والدكتوراه، الآن أنت بصحة أفضل ووضع مادى أفضل، فما عليك سوى الاستمرار فيما تفعلينه، ولن تشعرى بالوحدة ما دامت ابنتك معك والحياة معها وحدكما أفضل بكثير من أن تتزوجى شخصا مثل زوجك السابق، ولا يوجد أحد يستحق الشعور بأنه غير مرغوب فيه، أو يستحق المعاملة السيئة من أقرب الناس إليه، وإنما هى ابتلاءات وكلما صبر الإنسان أكرمه الله، عليك دائما بالفخر بما حققتيه من انتصار على هذا المرض اللعين بمشيئة الله وعزيمتك، وما وصلت إليه من إنجازات على المستوى الشخصى فى مجال دراستك.

إننى معجب برد فعل أخيك عند معرفته بكل ما حدث لك، وبفعل زوجته، فنادر أن نجد مثلهما فى هذا الزمان، حيث ينظر كل شخص بعين الاعتبار إلى نفسه أولا وأخيرا ولكن هذا دليل على أن التربية السوية والتنشئة السليمة تجعل الإنسان أكثر تعاونا مع الآخرين خاصة الإخوة فيما بينهم، ولذلك فكلاكما حصد ثمار تربية الوالدين.

إن الحياة أمامك مازال بها الكثير ومازلت صغيرة فى السن، فإذا تقدم لك شخص مناسب اجتماعيا وماديا فلا تغلقى الباب أمامه وأعطه الفرصة لعله يكون أفضل من طليقك، ولا تجعلى التجربة الأولى تؤثر عليك أكثر من ذلك، ولكن عليك توخى الحذر والتأنى الشديد قبل اتخاذ القرار حتى لا تلقى بنفسك وبنتك إلى الجحيم خاصة أن قدرتك على إيجاد شخص سوىّ يتقبل فكرة الزواج منك فى وجود ابنتك أمر معقد، أسأل الله أن يرزقك الهدوء وراحة البال.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق