رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«تشريح الرغبة».. محاولة إنسانية لفهم الذات

عمرو المعداوى

عادة ما ينظر إلى الأدب والحكايات عموما كوسيلة تساعد الشخص في فهم نفسه بشكل أكبر، وتمرر له مشاعر ومواقف مختلفة من الصعب أن يعيشها جميعا بعمره القصير. حتى إن واجه في الحقيقة إحساسا مقاربا لشيء قرأه من قبل، وجاءه إحساس «الديجافو» وتعامل مع الموقف بوعي وإدراك أكبر، وهذا بالضبط ما تفعله ريم نجمي في روايتها « تشريح الرغبة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية .

لا جديد عندما نقول إن رواية تدور أحداثها حول زوج وزوجة تمر علاقتهما بمشاكل قد تؤدي بهما إلى الطلاق، نعيش معهما أسباب ذلك كله. ونتساءل: هل يوجد حل لكل هذه الخلافات؟ فكرة تقليدية تمت كتابتها آلاف المرات، إذن ما الذي يجعل عملا ما يبرز في ظل النطاق الضيق الذي تتحرك فيه فكرة العلاقات الزوجية؟ فقط الصدق.

نتعرف على قصة الزوجين عن طريق رسائل متبادلة بينهما تمت كتابتها بعد قراره هو بالابتعاد بعد خمس وعشرين سنة من الزواج. هو مهاجر مغربي لألمانيا أصبح كاتبا مشهورا يكتب بلغتهم وينتظر جمهوره رواياته الجديدة بلهفة، ولم يكن ليصل لهذه المكانة إلا بعد مساعدتها, هي الألمانية التي أحبته وساعدته في كل خطوات حياته المهنية المهمة، بداية من ترجمة روايته الأولى حتى حصوله على درجة الدكتوراة.

مع كل رسالة، تتذكر هي «يوليا» تفاصيل لقائهما الأول وزواجها وشهر العسل وذكرياتهم الجميلة في محاولة منها للبقاء عليه، أما هو «عادل» فيذكرها دائما بمواطن الاختلاف بينهما، والأشياء المسكوت عنها طيلة سنوات العِشرة بينهم. ربما يوضح ما جاء على لسان عادل أزمة الزوجين كما قال :» كان من الممكن أن نستمر بهذا الشكل لخمس وعشرين سنة أخرى في صورة الزوجين الهادئين اللذين يعيشان حياة رتيبة لكن مريحة. يتحدثان فقط عن المشتريات التي تخص البيت أو يطرحان على أحدهما السؤال الروتيني: كيف كان يومك؟ لكن لم يعد يجمعها سوى الجدران الباردة «

نجحت الكاتبة في التعبير عن وجهتي النظر بكل صدق. فمع كل رسالة، تأخذ وجهة نظر كاتبها بكل قوة وتجعلك تتبنى موقفه وتتعاطف معه، فقط حتى يأتي دور الطرف الآخر تعليقا على ما أرسل إليه. فالرواية هنا لا تتبنى موقفا بعينه، إنما تستعرض أمام القارئ سيلا من الأحداث والذكريات والمشاعر المتضاربة وهو فقط عليه من يقرر. فمع توالي الرسائل، نكتشف عدم وجود مشكلة كبرى بين الاثنين، إنما هي مجموعة من التراكمات والتفاصيل البسيطة التي ظلت تكبر مع الوقت وتجاهلها الاثنان بكل جدارة.

شخصيات الرواية محدودة للغاية، لا تخرج في أغلب الأوقات عن الزوجين ورسائلهما، حالة التباين الواضح بينهما تثير تساؤل القارئ: كيف عاشا كل هذه السنين معا؟ فالزوجة التي من الواضح أنها الأكثر حرصا على استمرار العلاقة، نرى تغير موقفها المسامح هذا كلما تعمقنا أكثر في الرسائل ومعه تتطور شخصيتها. وهو الساعي دائما إلى إنهاء العلاقة في أقرب وقت، نرى أيضا تطور شخصيته وأسلوبه مع زوجته التي كانت في يوم من الأيام صاحبة اليد العليا في كل شيء تقريبا. فهذا الصراع لإثبات الذات والاستقلال، أضفى على الحكاية الكثير من المشاعر الإنسانية الحقيقية.

باقي الشخصيات رغم قلة ظهورها أو الحديث عنها، كان لها تأثير قوي على علاقة الزوجين. فهذه أم الزوجة التي يعتقد «عادل» أنها تكرهه من أول يوم، وهذا صديق طفولتها الذي - بخلفيته العربية- لا يستطيع تقبل استمرار علاقتهما حتى الآن، وأخرى لاجئة سورية قدمت إلى ألمانيا هربا من الحرب وتعرف عليها «عادل».

تطرح الرواية قضية مهمة عن أي اثنين يسعيان لتتويج قصة حبهما سريعا بالزواج دون النظر إلى الاختلافات الثقافية والاجتماعية بينهما. رغم أن الزوج سافر واندمج في المجتمع الغربي وتزوج منه، إلا أنه لم يستطع التخلي عن كامل التقاليد والمعتقدات الشرقية التي حملها معه قادما من بلده الأصلي، حتى إن أظهر عكس ذلك، مع الوقت كل شيء ظهر على السطح من جديد بعد سنوات من الإنكار والرغبة في التعايش والنجاح أولا.

وقعت الرواية في فخ الركود وعدم تطور الأحداث في الجزء الأوسط منها رغم عدم كبر عدد صفحاتها - 334 صفحة - لكن سرعان ما تمت استعادة الإيقاع مرة أخرى مع قرب النهاية.

أخيرا، رغم كون الرواية تدور في العصر الحديث فهي تعتمد بشكل كامل على كتابة الرسائل الطويلة مما يعد غير مألوف مع الإيقاع السريع وكثرة وسائل التواصل الاجتماعي ، إلا أن القارئ لن يشعر بنوع من الغرابة، لأن الكاتبة استطاعت تفسير سبب استخدام الرسائل، وأنها جاءت متسقة مع خلفياتهما المهنية.

لا تعتبر (تشريح الرغبة) رواية نسوية بالمعنى المتعارف عليه، بل رواية إنسانية صادقة استطاعت تقديم نموذجين حقيقيين دون تزييف، تتنقل بينهما لتجد نفسك أكثر فهما لذاتك في النهاية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق