رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كأنة رأى هذا المكان..

فهد العتيق

يفكر كاتبنا المتجدد عبداللطيف فى أشياء كثيرة دفعة واحدة. يفكر منذ فترة طويلة فى قضية غريبة جدا ومهمة ومقلقة لروحه المرحة. يفكر فيها بعمق عدة مرات لكنه وفى كل مرة لا يخرج بنتيجة.

أحيانا يمر الانسان على مكان لأول مرة ويعايش فيه موقفا جديدا، فيشعر كأنه رأى هذا المكان أو عاش هذا المشهد فى وقت سابق، رغم أنه يزور هذا المكان لأول مرة.

هذا ما كان يشغل بال الكاتب لطف، وهو تحت الماء، داخل الحمام الواسع فى شقته بحى المروج شمال الرياض.

يفكر ولا يخرج بنتيجة.

يقول باستغراب: سبحان الله.. شئ غريب والله. ثم يسأل نفسه بتعب: هل تحولت الحياة والكتابة والأدب والفن الى رياضيات صعبة وغير مفهومة.

عاتب لطف ذاته بسخرية: أنت يا لطف أديب مائز وفاخر وماتع وباذخ ولا تستطيع حل هذا اللغز.

ضحك من هذا الكلمات مثل: مائز وباذخ، التى يسخر منها الأدباء الجدد، ثم تساءل حول هذه الظاهرة الروحية المقلقة باستغراب: هل هذا هو ما يسمى تبادل الأرواح.

خاف لطف من هذه الهواجس فحاول أن ينسى مثل هذه الهموم والأسئلة المتعبة لروحه.

قال فى نفسه: أنا أديب مرهف المشاعر وروحى بحاجة الى تدليك وحب وليس إلى قلق وخوف. ثم توقف تفكيره فجأة عند هذه النقطة، وذهب الى فكرة أسعدته، وهى أن يحاول الآن أن يكتب فى ذهنه قصة أو قصيدة جديدة تحت هذا الماء الممتع. قصة عن ذاكرة الأماكن التى زارها وأحبها، أو عن ذلك المكان الذى شعر أنه حدث له فيها موقف سابق رغم أنه يزوره لأول مرة.

تحدث لنفسه بفرح: هذه منطقة إبداعى الجديدة وهذا هو عالمى، حيث أصطاد الأفكار السارحة والعابرة مثل ثعالب أو أرانب هاربة تستحق الترويض.

أروضها وأهذبها وأغذيها من خيالى قبل أن أكتبها. وأضاف بحماس وفرح: سأكون لهذه الأفكار الهاربة مثل قاطع طريق مبدع وماهر فى القنص.

وحين تذكر سهرته البارحة مع الجيران والأصدقاء فى الندوة الأسبوعية بسطح العمارة، ضحك لطف من أعماق قلبه بفرح وهو يقف بمتعة تحت الماء.

سألته زوجته الشيخة لطيفة التى تسرح شعرها جواره فى الغرفة:

لماذا تضحك يا لطف.

قال لها لطف: هذا سؤال جميل يا شيخة لطيفة. لطف يسمى زوجته بالشيخة لطيفة لأنه يحترم والدها الشيخ عثمان.

يحترمه لأنه رجل دين مرن ومرح وغير متشدد، متنور ويحب الأدب والفن والموسيقى ومؤيد لقرارات الانفتاح الاجتماعى فى السعودية ولقيادة المرأة للسيارة. أوضح لها لطف أن أحد الاصدقاء سأله ليلة البارحة: هل صحيح يا أستاذ لطف أن الأدباء لا يصّلون.

قالت الشيخة لطيفة وهى تبتسم: استغفر الله. قال لها لطف: أنا ضحكت من السؤال أيضا، وأخبرتهم أن كل فئة فى المجتمع وفى كل أمة، فيها من يصّلى وفيها من يتكاسل أحيانا عن الصلاة لظروف طارئة.

قالت لطيفة وهى تهز رأسها: صحيح.

استيقظ لطف مبكرا فى ضحى هذا اليوم الجمعة، وجد نفسه مرتاحا يتقلب فى السرير مودعا يوم أمس الحافل بالتعب، لكنه فجأة أحس برعشة فى جسده، مد يده اليسرى بهدوء فوقعت على جسد الشيخة لطيفة فارتاح لهذه اللمسة الناعمة، ترك يده لثوان ثم تذكر انه يريد أن يتناول فطوره والراحة قليلا قبل صلاة الجمعة.

فى العام الماضى كان لطف قد اتفق مع بعض جيرانه على الالتقاء مساء كل خميس لتبادل الحكايات والذكريات، وفى مساء البارحة كانوا قد سهروا فى سطح العمارة مع بعض الجيران والأصدقاء، شربوا الشاى وتحدثوا فى شئون الحياة، كان لطف قد حدثهم عن روايات نجيب محفوظ وكافكا والطيب صالح وإبراهيم أصلان وبهاء طاهر وغيرهم، وقال لهم إن مجدد لغة القصة والرواية العربية ابراهيم أصلان يكتب بإيحاء وفن ويستخرج اللحظات الساخرة والمضحكة من قلب اللحظات والصور المؤلمة، وضحكوا كثيرا حين حكى عن مشاهد من رواية إبراهيم أصلان مالك الحزين التى تحولت إلى فيلم باسم: الكيت كات. قال لهم لطف إن إبراهيم أصلان كتب مرة بعد عرض الفيلم: « حدث مرة أثناء سهرى فى بيت أحد الأصدقاء على مقربة من منزل الأسرة فى الكيت كات، وكان الفجر اقترب، أن سمعت صوتا عاليا ينادى مكررا: الصلاة يا مؤمنين, الصلاة خير من النوم, وسألنى هذا الصديق: تعرف مين ده, قلت: لا, قال: ده الهرم بياع الحشيش, ثم أخبرنى أن الهرم أثناء جلوسه مع زوجته ليلا، وكان خرج حديثا من الحبس، وكانت هى شابة، بنت بلد وجميلة، حدث أن وضعت رأسها على كتفه وارتاحت قليلا وماتت، وهو انتابه الهلع العظيم لشهور لم يغادر فيها البيت، ثم أطلق لحيته، ووضع عمامة كبيرة، وأمسك بعصا طويلة وغليظة، وصار يغادر البيت قبل صلاة الفجر، يجوب حوارى إمبابة لا يفوته يوم، يدق الأرض بعصاه كما يدق الأبواب صائحا: الصلاة خير من النوم، وما إن تبدأ الصلاة حتى يعود إلى البيت، لا يصلى، ولا يدخل الجامع أبدا».

فى الضحى تناول إفطاره مع كأس شاى غامق وهو يقرأ مجلة أدبية قديمة. حتى حان موعد صلاة الجمعة فتذكر موعده مع جاره حمد.

خرج من شقته واتجه الى الشقة المقابلة فى الدور الارضى، ضغط الجرس، ضغط مرة أخرى ولم يخرج حمد. فى هذه اللحظة خرج لطف الى الباب العمومى للعمارة، رآنى أجلس على الكرسى فى انتظار صديقى فوزان.

سلم وقال لى بنبرة فيها علامات تعب: أهلا بالساكن الجديد.

قلت: أهلا بك أستاذ عبداللطيف.

قال: يشرفنا التعرف عليك.

قلت له: أنا فهد العتيق.

قال لي: أهلا وسهلا أخى فهد. أنا عبداللطيف أبو ذياب.

قلت له: أنت معروف يا جارنا الكاتب المبدع.

ابتسم لطف بلطف، وقال بنبرة ضعيفة وصوت فيه بحة خفيفة: خلينا نشوفك فى سطح العمارة مساء كل يوم خميس بعد صلاة العشاء. وأكمل بضحكة صافية وجميلة: عندنا جلسة جيران وأصدقاء نتبادل فيها الآراء والنكات والتسالى.

قلت له: إن شاء الله.

ثم استأذن وتركنى، ورأيته يغادر الى المسجد وهو يسعل وكان بظهر، شعرت أنه منحن قليلا. كنت أنظر له وأستغرب وجود أدباء وكتاب مغمورين فى الرياض لا نعرفهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق