رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قدماه تحت المطر

فكرى عمر

كان يَسرِق منه كل حينٍ شيئًا. ذات مرَّة أخفى من أمامه طبقًا عامرًا بالسمك المطبوخ الذى يحبه، وأخرى كرسيًا أمام طاولته، وثالثة السرير نفسه، فاضطر أن يقف طوال الليل. خلع مرَّة باب حجرته، ثم حمله ومضى، فشعر أنه ورقة مستباحة للجميع. الأحذية، والقمصان الخارجية، والبناطيل كان يَخْتلسها منه على فترات متباعدة، وبحيلة غامضة، فلا يكتشف الأمر إلا حين يكون وسط الناس فى الشارع. أى شعور بالعار كان يتملكه وهو يمشى حافى القدمين، أو بملابسه الداخلية! يمضى مُنكسًا رأسه مع أن أحدًا ممن يحيطون به لم يكن يلحظ وجوده، ولا عُريه. رغم ذلك لم يستطع التعافى من هذا الإحساس؛ لأن عينًا واحدة خفية ربما تراقبه من مكان ما، وهى كافية وحدها لكشف أمره. حتى لو لم يُرَ، يحسُّ أن الأمر داخلى، والشعور بالعار لاصق بأكثر أفكارنا، ولحظاتنا الخاصة، فقط ينتظر إشارة للانطلاق ولو فى الأحلام.

إثر كل حادث سطوٍ يستيقظ مفزوعًا، يشعل الأضواء وهو يمد خطواته إلى ذلك الشىء الذى ضاع منه. حين يجده فى مكانه مثلما تركه بالأمس يهدهد هيكله الصلب، ثم يتنفس مرتاحًا، فما من لصٍ حقيقى أيضًا دخل بيته وقت النوم، واستغل غرقه فيه حتى يَسْتل منه أشياءه. ربما لو كان اللص إنسانًا لشجعه ذلك على سرقة حياة النائم نفسه، وإنهائها عند لحظة غيابه عن الوعى دون مقاومة مجدية، فالاحتمال الكبير ألا تأتيه إشارة توقظه، سينطفئ كل شىء فيه بعد تشنجات الجسد الذى لا يملك الاتجاه الصحيح للخلاص من الورطة.

يقاوم النوم بعد كل تهديد مُفجع، لكنه لا يقدر على الصمود إلى النهاية، ليلة تلو ليلة ينزلق إلى بحار شفافة ورائقة، يطير أحيانًا مثل العصافير والحمام فى الشوارع، يدخل بلادًا كالذهب، ويقابل حبيبة تباعدت بينهما المسافات والظروف، ثم يأتيه اللص غير المرئى بلا مقدمات، يقتنص منه شيئًا عزيزًا لا يُعوَّض، ويتركه فريسة للحزن والحيرة. «لا بد أن تمنح شيئًا لتسطو على آخر». هكذا فهم خدعة الأحلام. كان الإغواء بحجم الخيبات، لكن الأشياء مهما ارتفعت قيمتها لن تصل إلى قيمة الجسد نفسه الذى صار أيضًا مطمعًا لذلك المجرم الذى يتجول بحرية تامة. سمع نداءً يدعوه بالأعور ذات ليلة كان يمضى فيه وإحدى عينيه مغلقة. لم يستطع تحديد المكان الذى يكمن فيه المُنادِى، لكنه فى الحقيقة سليم العينين. أغلق الأخرى ساخرًا من الصوت، فلم ير شيئًا. بردت أطرافه من المفاجأة المُروِّعة. كان الاستيقاظ تلك المرَّة أمنية تأخر تحققها، اندفع حينها نحو المرآة، فهدأ ضجيج قلبه.

فى مغامرة أخرى سافر إلى بلدة بعيدة، أكل وطار بذراعيه عائدًا إلى مكانه، ثم حط على الأرض، فرأى نظرات الشفقة فى عين صديق له، وأنصت مرغمًا إلى حديث بين اثنين عن فقدانه بعض أصابعه. سيطر عليه الضحك، لأنهما بلا شك يهذيان. أطرافه سليمه، ولم يدخل غرفة عمليات منذ فترة طويلة، كانت رحلته أصلًا نوعًا من المتعة الصافية غير المحسوبة، ثم استولى عليه الفزع حين مدَّ كفيه أمامه، فوجد بعض أصابعه مفقودة، ومكانها ملتئمًا بلا نقطة دماء واحدة. سؤاله عن كيفية حدوث ذلك صار مضيعة للوقت. المهم عنده الآن هو «كيف نعيد شيئًا فقدناه للأبد؟!».

هرب من مفسرى الأحلام الذى يقرنون ضياع الأشياء ونقص الجسد بفواجع حقيقية لن يتحملها. واصل عمله بدأب، ورغبة فى الترقىِّ الوظيفىّ. ملأ أوقاته بالصحبة، والزيارات، والمشاغل؛ لينسى.

كل مرة كان يفقد طَرَفًا لايعوَّض. كل مرة يغمض عينيه ليعود الشىء المفقود إلى مكانه، طالما فُقد فى غمضة عين فربما يعود فى غمضة عين، ولا يحدث ذلك أبدًا.

«لماذا تختصنى الأحلام بالسرقة دون سواى؟».

«لأن الآخرين ضيوفك، والضيف يُكرم لا يهان».

«لكنها ليست أحلامى التى اخترعها طواعية، بل أعداء ولصوص يغافلوننى ويستولون عليَّ مرة بعد أخرى».

«يكفى أنك تستيقظ سليمًا».

لو خُيِّر بين الأمرين لاختار اليقظة الدائمة التى يُنجز خلالها كل ما يرغب فيه بوعيه، وجهده، وخططه المُحْكمة. يكسب وقتًا ولا يَنْجرّ إلى تلك المزالق، فيدفع ضريبة الراحة هلعًا، وهواجس مقلقة.

لكن المقاومة تتهاوى فينام..

فى هذه المرة كانت السماء تمطر. لم يشعر بالبلل على رأسه بل بالأرض الموحلة تحت قدميه تَكْثُر بها البرك الصغيرة، ويعلو الماء فى مجاريه. كان الآخرون يفرّون مختبئين فى الأركان، فجرى باتجاههم. تعثر على الأرض إثر التدافع، ففقد قدميه فى منتصف الشارع، انزلق جِذعه قرب النهر، أصبح رأسه على مسافة ذراع من الماء الهائج. التتابع كان سريعًا إلى درجة أنه كاد يموت من المفاجأة، ثم أفاق من النوم. تنهد مرتاحًا بالنجاة غير المتوقعة. أزاح البطانية بيديه وقدميه، لكن قوته كانت منهارة حين أمال جسده للوقوف والاطمئنان، وقف بالكاد بأقدام مرتجفة، وجسد نحيل محنى الظهر لا يستطيع فرده، وتوجه نحو المرآة. صامتًا وقف يبحلق فيها، ثم راح يلهث وهو يرى نفسه شيخًا هرِمًا فقد ثلاثة عقود من عمره فى ليلة واحدة، بل ربما فى ساعات قليلة. أوشك على الصياح؛ صوته المجروح حال دون ذلك.

«تُرى من ينقذنى لو كان ذلك حقيقة؟!» يودُّ قبل أن ينهار تمامًا أن يوقظ كل من يعرفهم ليسألهم: «أيهما الحُلم وأيهما الحقيقة؟!»، فيردون عليه: «إنها أحلامٌ تتناسل من بعضها البعض، فاسْتَيْقِظْ».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق