رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محمــد منيــر.. اللى باقى من صحاب الفن الجميل

بهاء الدين يوسف

اللى باقى من صحابى من سجل الذكريات ضحكة عالية، دمعة غالية كام مكالمة وإفيهات.. هكذا كانت كلمات أحدث اغانى الملك محمد منير التى ذكرتنا بكل ما كان يثيره فينا من شجون، وأعادتنا الى ذكريات الزمن الجميل.



من ينتمون لجيل الثمانينيات لا يمثل منير بالنسبة لهم مجرد حالة غناء أو صوتا مختلفا، ولكنه يمثل قصة حياة متكاملة بكل أحلامها التى تحققت او التى لم تتحقق.. بذكرياتها السعيدة وعلاماتها الحزينة التى تركت فى كل واحد منا أثرا غائرا لا يخرج إلا عندما نستمع لأغانى الملك محمد منير، حيث تصبح اغنياته «القديمة منها خصوصا» مثل جلسات العلاج النفسى التى تستطيع وحدها ان تخرج من اعماقنا «وربما من اللاوعى أحيانا» كل مخزوننا العاطفى الذى توارى خلف تراكمات الحياة، وتطلق الدموع من محاجرها فنعود شبابا متمردين مثلما كنا ونحن نستمع إلى منير فى الزمن الماضي.

عندما ظهر منير المولود فى أكتوبر من عام 1954 فى المشهد الغنائى فى النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى، كانت الساحة الغنائية تمر بفترة تحول بين جيل وجد نفسه مضطرا لتوديع زمنه السياسى والغنائى برحيل العندليب عبدالحليم حافظ ومن قبله كوكب الشرق «أم كلثوم»، ليكون غيابهما بمثابة اعلان رسمى عن نهاية المشروع السياسى والثقافى لثورة يوليو بأحلامها وانكساراتها، دون ان يكون على الساحة من يستطيع أن يشغل مكانة الفنانين الراحلين، أو يملك الكاريزما التى جعلت منهما اسطورتين هما من يحددان معالم الذوق الغنائى العام ولا يتأثران به مثل الآخرين.

على الجانب المقابل من الساحة كانت أضواء النجاح تسعى وراء من يلون أذواق النخبة الجديدة التى افرزها ما يعرف بالانفتاح الاقتصادى، والتى ضمت رجال أعمال مثيرين للجدل وحزمة من الحرفيين وتجار الشنطة، وساد الساحة مغنى الملاهى الليلية واغنياتهم التى كانت تناسب مفردات وثقافة النخبة الجديدة.

فى ذلك المناخ المضطرب ظهر منير بمظهره غير المعتاد من مطربى ذلك العصر ليعبر عن كل ما كان يشعر به الشباب فى ذلك الوقت من تمرد على المألوف، وتزامن ظهوره مع بزوغ نجم أسمر آخر فى سماء الفن السابع هو الراحل أحمد زكى الذى كان قد أبدع فى تقديم شخصية الدكتور طه حسين فى مسلسل الأيام، ليشكل الإثنان تفاصيل الحالة الفنية الجديدة التى تتخاصم مع الموروث الفنى بكل ما له وما عليه. بدوره كان منير ذكيا فى طلته على الناس، متصالحا مع بيئته البسيطة وثقافته النوبية، وتميز عن بقية افراد جيله بكونه يمثل مشروعا فنيا متكاملا، فبجانب المظهر غير المألوف ونوعية الكلمات والألحان التى لا تنتمى لزمن الكلاسيكيات ولا لعصر الانفتاح، قدم منير نفسه مع مجموعة من الوجوه الجديدة أو غير المعروفة من الشعراء والملحنين والعازفين بداية من احمد منيب وعبدالرحيم منصور ويحيى خليل وهانى شنودة، وقد أعفاه هذا الخليط الجديد من عبء المقارنة مع الأساطير الراحلة، واوجد له جمهورا جديدا من الشباب كان يبحث بدوره عمن يعبر عنه وعن مشاكله وحياته قبل أن يجد فى منير ضالته المنشودة.

يمكن القول إن أغانى منير سواء فى ألبومه الأول «بنتولد» أو الثانى «شبابيك» كانت مثل الصدمة الفنية الإيجابية، حيث عبرت عن كل ما يجول فى نفوس شباب ذلك الجيل وما كانوا يعانونه من ضياع بسبب الصراع الذى كان دائرا بين أحلام الثورة والثروة، وكان من النادر فى ذلك الوقت ان تجد شابا لا يردد كلمات اغنية شجر الليمون دبلان على ارضه التى رأوا فيها رمزية بالغة الدلالة على وضع الشباب المصرى فى وطنه، واغنية أشكى لمين واحكى لمين دنيا بتلعب بينا نقضى ساعات فرحانين وساعات بتبكينا.

كان ألبوم شبابيك الذى صدر عام 1981 فى وقت كانت مصر تموج بأحداث عاصفة فى نهايات عصر الرئيس الراحل أنور السادات بداية من اعتقالات سبتمبر وصولا الى اغتياله خلال العرض العسكرى على أيدى أعضاء فى جماعات أصولية، وظهر الألبوم ليخطف ابصار وقلوب شباب ذلك الجيل الذين تلقفوه باعتباره ثورة غنائية على المألوف، من ناحية الكلمات والألحان والتوزيع، كان أبرز ما ميز ذلك الألبوم انه لم يكن يشبه أى عمل قبله لأى فنان آخر.

الكثير من أغنيات الملك التى تميل الى الرمز أكثر من التصريح، مثلا أغنية «انا منك اتعلمت» تصلح لأن تغنى للحبيبة او للوطن الذى لا يحنو على أولاده أحيانا، والمفارقة أن حياة منير الشخصية ومواقفه تشبه الى حد كبير كلمات اغانيه.. غامضة ومشوقة تحتمل الكثير من التأويلات المتناقضة، فهو لم يشارك فى الحفلات التى كانت تقام امام الرئيس الراحل حسنى مبارك، لكنه فى نفس الوقت لم يصرح أبدا بأنه معارض أو مؤيد له، حتى اغنيته الشهيرة «إزاى» التى ارتبطت فى اذهان المصريين بثورة الخامس والعشرين من يناير لم تنتج من اجل الثورة ولا حتى فى وقتها وإنما تم انتاجها قبل ذلك بأكثر من عام دون ان تذاع لأسباب لا يعلمها أحد. الكلام عن منير يحتاج الى مجلدات بالتأكيد لرصد كل ما قدمه عبر مشواره الفنى الطويل والثرى، لكن إذا كان علينا الاختصار يمكننا ان نقول إن منير هو مشوار اسمه حياة، حلمنا ان نعيشها فتمكن البعض من تحقيق ذلك واكتفى الآخرون بمتعة الاحتفاظ بالحلم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق