رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سـر الفنــــون لايزال غامضا

فاطمة العربى

  • طارق الشناوى: الأعمال الفنية التى تمس الوجدان تراهن على شىء عميق فى النفس
  • د. يحيى الرخاوى: الفن يكون إبداعا حين يحرك مشاعر الإنسان
  • سلوى بكر: لابد أن يستند للصدق الإنسانى
  • حنان مطاوع: الإنسان فطر على الجمال والفن

 


هل بكيت يوما وأنت تشاهد فيلما سينمائيا لدرجة أنك ذرفت الدموع حزنا على البطل أو البطلة؟ وهل فى المقابل ضحكت بصوت عال وغرقت فى الضحك أمام عمل فنى كوميدي؟ وهل أخذتك أغنية أو موسيقى أو رواية وجعلت خيالك يحلق فى آفاق بعيدة عن واقعك بل ومغايرة له فى أحيان كثيرة؟، هل وقفت أمام لوحة فنية ورحت تتساءل كيف للرسام الوصول لهذا الإبداع؟.. مهلاً إجاباتك هنا وما صاحبها من ذكريات وانفعالات أخذتك بعيدا بابتسامة على وجهك أو شجن فى روحك هى ما ترسم خطوطاً يمكن أن تكشف بعضًا من خبايا ما نتساءل عنه فى تحقيقنا حول «سر بقاء ومتعة الفنون»، هذا السر يبقى غامضاً لا تحده ظروف اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، بل لا تمنعه حواجز اللغة أو الهوية أو البعد الجغرافى، فالفن لغة عالمية وعالميته تأتى من كونه يخاطب الروح، وإبداعه يحدث من شعور كل روح وكأنه يخاطبها هى، وهى فقط. فى تحقيقنا الذى تجولنا فيه بين مبدعين ونقاد وأساتذة طب نفسى واجتماع حاولنا أن نلتقط خيوطا ننسج منها ملامح تساعدنا فى فهم هذا السر وليس كشفه، فغموضه سر جماله وبقاؤه يعتبر سرا يحفظ متعة الفنون عبر الأجيال والأزمنة .......................



وفق رؤية الطب النفسى والتحليل السيكولوجى يعلنها الدكتور يحيى الرخاوى أستاذ الطب النفسى الشهير والكاتب والشاعر واضحة جلية بقوله «الفن الحقيقى ليست وظيفته تحريك الحزن أو تسويق السعادة حتى وإن أحدث ذلك بملامسته مشاعر الإنسان ووجدانه، وبالرغم من ذلك فالفن يكون إبداعا حين يحرك كل مشاعر الإنسان فى الاتجاه الذى خلقت له، وللغاية التى شرفته بكونه إنسانا أكثر إحساسا بغيره بما يملك من هذه الأحاسيس، فالإبداع هنا يكون فى تحريك هذه المشاعر والتفاعل مع العمل الفنى على اختلافه وهو فى الوقت نفسه أكثر مخالفة للفن الذى هو تسكين أو تخدير فهو له دور متواضع لا يمكن رفضه، على أن يكون السكون وسيلة للتعايش مع الحزن أو إدخال السعادة على الإنسان.

«لا يوجد سر» بهذه العبارة أكدت الكاتبة والروائية الكبيرة سلوى بكر أن الأمر يكمن فى أنه كلما كان العمل الإبداعى فى أى مجال من مجالات الفنون قادرا على التواصل مع المتلقى له فإنه سيؤثر فيه، مؤكدة أن مسألة العمل الإبداعى الذى يحدث تواصلا يتطلب مقومات لهذا العمل أولاها الصدق، فالعمل الفنى لكى يلمس المتلقى بهذا الشكل الوجدانى لابد وأن يستند للصدق الإنسانى قبل الصدق الفنى.

وتابعت بكر «كذلك يجب أن يكون العمل الإبداعى قادرا على أن يحمل كما من الإشكاليات والهموم الإنسانية بحيث يكون التلقى به شيئا مشتركا فاللحن الحزين الصادق يعبر عن مشاعر ويثير أحاسيس الحزن والعكس أيضا»، مؤكدة أن القدرة على التواصل من المقومات المهمة للعمل الإبداعى فإذا كان البعض يرى أن الشعر الملغز أو الغامض تمكن زائد لكن انصراف المتلقين عنه ناتج من كونهم لا يفهمونه فالقدرة على التواصل هو المفتاح.

وأوضحت بكر أن أى إبداع خارج من السياق الإنسانى الذى له القدرة على إنتاج فنانين لديهم قدرة على التخييل والتخيل وإعمال الخيال ليبدعوا وينتجوا والمتلقى بعد ذلك فى سياقه المجتمعى والزمنى سيتلقى بمرجعياته الخاصة به سواء ثقافية أو اجتماعية أو غيرها فمثلا الفلاح فى الصعيد أو وجه بحرى عندما يشاهد لوحة فنية للريف الأوروبى أو الأجنبى لن يشعر بها مثلما سيشعر بلوحة فنية للريف المصرى الذى ينتمى له والذى يمثل السياق الخاص به.

وبمقولة الكاتب والشاعر البريطانى لورانس داريل «عندما تقطف زهرة من غصن لا يعود الغصن إلى موضعه الأول أبدا» اختتمت بكر حديثها موضحة أن الإبداع مطلوب ومن المفترض أن يؤثر ويرتقى بالمجتمع لكن الأمر عملية معقدة ولا يحدث الارتقاء أو التأثير فى يوم وليلة، فكتابات الكتاب الفرنسيين عن البؤس فى فرنسا ظلت لسنوات طويلة قبل أن يتحرك الفرنسييون وتحدث الثورة الفرنسية فالتأثير ليس مباشرا أو سريعا لكنه تراكمى، والعمل الفنى يضيف ولا يترك المتلقى كما كان قبل هذا التلقى فهو يحدث ما يحدثه فى النفس مما يسمى سر الفن.

لعل سر جمال وبقاء الفن يكمن فى الموهبة التى يمنحها الله لفئة مختارة من البشر، بصرف النظر عن عقائدهم، لأن هذه الهبة الإلهية تجعلهم يقتربون - بحسب موهبة كل منهم – من سر الخلق فى تجلياته الدنيوية المتشكلة فى هيئة الفنون المختلفة، سواء كانت حروفا مكتوبة شعرا أو نثرا أو كانت نغما معزوفا ومسموعا أو ألوانا وأشكالا فى لوحة أو تمثالا منحوتا فى الصخر أو كانت تجليات لأنواع الفنون الأخرى البصرية والحركية، هكذا وصفت الدكتورة اعتدال عثمان الناقدة والكاتبة سر الفنون، لكنها عادت وشددت على أن هذا السر لا يكمن فى إيمان الفنان بالموهبة وحدها، وتكريس الذات للبحث عن الإلهام أو الصبر فى انتظار الوحى، بل إن رعاية المبدع لموهبته، سواء كان فنانا تشكيليا أو أديبا أو موسيقيا أو حتى فيلسوفا أو عالما مخترعا أو حرفيا يمتلك صنعة يدوية يبدع فيها، هذه الرعاية للموهبة تقتضى من صاحبها أن يخوض تجربة الحياة بجسارة، وأن يبحر فى علوم عصره، ويستزيد من معارفه فى مختلف المجالات، وأن يشحذ طاقته لاستيعاب المختلف والجديد، فذلك هو السبيل المدعوم بالموهبة الذى يتيح له أن يستحث عملية الإبداع لديه، ويشحذها بالمعرفة المتجددة، وذلك لكى يتخلق عمله الفنى الفريد الذى يعكس موهبته المدهشة فى أعلى تجلياتها بعد أن استطاع أن يستوعب تراث الأعمال الخالدة فى مجاله، وأن يكتشف أسرارها، وأن يمزجها بحرفية عالية بما يقع فى قلبه وعقله وروحه من همسات ملهمة، يحولها بالعمل والاجتهاد إلى عمل إبداعى خلاق، له صوته الخاص، وقادر فى الوقت نفسه على مناوشة سر الفن الخالد عبر العصور.

بينما يرى الناقد الفنى الكبير طارق الشناوى أن هذا يعبر عن حالات إبداعية استثنائية فى كل العالم ولا ينطبق على الأغلبية إنما يقتصر على الأعمال والأنماط التى تعبر الزمن والحواجز مثل اللغة وتنتقل من جيل إلى جيل وفى كل مرة تحدث نفس الأثر فى النفس البشرية بالأحاسيس التى يتوارثها الأجيال سواء أغنية أو سيمفونية موسيقية لبيتهوفن أو «باليه» تم إبداعه منذ قرن أو أكثر ولا نزال نشاهد عرضا له فى القاهرة وأوروبا وبفرقة من موسكو أو إسبانيا ويحدث لنا نفس الأثر من المتعة والتأثر.

«هذه أعمال فنية تصل للعمق البشرى وتمس الوجدان وتراهن على شىء عميق فى النفس البشرية لا يتغير مهما تغيرت المعايير بمرور الزمن» هكذا وصف الشناوى سر الفنون، موضحا أن القيم تتغير ومقاييس الجمال أيضا فقديما كان الجمال مختلفا وزنا ولونا ونسمع أحيانا أن «فلانة» كانت ملكة جمال وعندما نرى صورتها نراها عادية بمقاييس الزمن الحالى وهناك المطربة أو الفنان الذى كان ملء السمع والبصر لكنه لم يصل لنا منه سوى اسمه وصورة قديمة له مثل الفنانة «منيرة المهدية» التى كانت تسمى «سلطانة الطرب» وكان ينسج حولها من الحكايات ما يصل حد الأساطير لكن فى المقابل هناك «أم كلثوم» التى تلمس بفنها وجدان مشاعر الأجيال المتعاقبة وتحدث فيهم مع كل «كوبليه» بصوتها الفريد وقوة إحساسها ما يمكن تسميته «سر الفنون».

«الفن جمال والإنسان فطر على الجمال» بهذه الجملة تنهدت الفنانة الجميلة حنان مطاوع عندما سألتها عن السر وقالت «أى عمل فنى حقيقى يمس النفس الإنسانية ويصل لها من المبدع حتى وإن اختلف المتلقى فعندما يكون العمل متقنا وجميلا والأهم صادقا ومن القلب يمس القلوب الحجر»، مؤكدة أن العلاقة بين هل الإبداع يرتقى بالمجتمع أو المتلقى أم أن ازدهار المجتمع هو ما ينتج إبداعا راقيا وصادقا وحقيقيا هى دائرة مفرغة لا يمكن تحديد مسارها أو اتجاهها فالفن يرتقى بالإنسان ويسمو بروحه ويجعله ينطلق بخياله لآفاق رحبة يحلق فيها، وفى نفس الوقت فإن الفنان أو القائم على الفن هو ابن مجتمعه وجيله والحقبة الزمنية التى يعيشها ومن الصعب ازدهار الفن فى مجتمع مظلم أو مترد إلا من ندرة أو صفوة لهم آفاق مرتفعة وسامية عن صغائر المجتمع من تنويريين يذكرهم التاريخ دائما.

اجتماعيا ترى الدكتورة نسرين البغدادى مدير المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية السابق الفن عاكسا للنظم والأوضاع والمعتقدات السائدة فى تطورها وتغيرها ومصدرا من مصادر تشكيل الوعى سواء أكان على المستوى الفردى أو الجماعى وذلك من خلال تأثيره على عمليات الإدراك والشعور وتشكيله للرؤى الخاصة بالحياة ولامتلاكه عناصر شتى تعتمد على الكلمة والصورة والحركة والعناصر الجمالية المختلفة، وربما كان ذلك الدافع من وراء الاهتمام بالوسائط الثقافية والمنتج الإبداعى فى إحداث الإصلاح والتغيير والتنمية البشرية المعززة والمتواصلة، والتى تأخذ فى اعتبارها بناء الشخصية وتكوينها حيث إنها المحرك الأساسى لعمليتى التنمية والإصلاح واستمراريتهما.

وأشارت البغدادى إلى أن الفن بمفهومه العام من أهم دعائم الإصلاح والتغيير فهو موجه للإصلاح باعتباره ظاهرة اجتماعية فهو يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الثقافية من خلال عرضه للحقائق الاجتماعية التى تحدد طبيعة علاقات القوى بداخل المجتمع فهو لا ينبع من فراغ، ولأنه أيضا مكون من مكونات النسق الثقافى فهو يتشكل من خلال المعانى التى يخلقها الأفراد ويشتركون فيها والتى تتكون بدورها من خلال الأعمال الإبداعية، وبعبارة أخرى فهما فى علاقة جدلية يأخذ كل منهما من الآخر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق