رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاعرالنيل فى قلب «اليونسكو»

د.محمد حسين أبوالعلا

بينى وبين شاعر النيل ارتباط شعورى حميم قديم ونزوع نفسى كبير وافتتان بأكثر ماقال، وعشق للفرار إلى راحة أخلد إليها حين أدخل عالمه وأعايش ألفاظه ومعانيه وقوافيه وأتمثل إحساساته وأشاركه هواجسه وأداعب خواطره وأسكن أوجاعه ومآسيه وآلامه، وأقتحم قلاع أحزانه وأتأمل حكمة رؤيته وأقدر وفاءه وشرف جهاده وأحترم ترفعه وعصمته ونبل أخلاقه وشموخ ذاته وأقدس وطنيته وتفاعله الإنسانى.

وليس أبلغ من مقولة عميد الأدب حين غاص بحور أشعاره واستجلى أعماقه وعرك تجربته وتفحص لغته، فلم يكن منه إلى أن أعرب عن كل ذلك فى مقطع شائق يجعلك تهرول نحو ديوانه ولا تقوى أن تغادر قصيدة منه إلا التهمت كلماتها بعد أن أستوقفتك إيقاعاتها الساحرة وبريق طبيعتها.. هكذا صرح العميد للحركة الأدبية العربية: «أن حافظ قد قال من الشعر ونظم من القصائد ما ملك القلوب وخلب العقول واستأثر بالألباب وما ليس إلى نسيانه من سبيل».

ولعل هذا التوصيف لشعر حافظ إبراهيم قد انطلق من قاعدة أساسية تقوم على منطق صارم اعتمده العميد منهجا فى الفصل والتفرقة الجوهرية بين ما هو شعر وما هو غير ذلك إذ قال: «يمتاز الشعر الجيد عندى قبل كل شىء بأنه مرآة لما فى نفس الشاعر من عاطفة، مرآة تمثل هذه العاطفة تمثيلاً فطريا بريئا من التكلف والمحاولة فإن خلت نفس الشاعر من عاطفة أو عجزت هذه العاطفة عن أن تنطق لسان الشاعر بما يماثلها فليس هناك شعر وإنما هناك نظم لا غناء فيه».

وقد كان بالفعل لحافظ تلك العاطفة الجياشة المشعة على القضايا والمواقف والأشخاص والأحداث وإطلالته على التاريخ وهموم الوطن ومآزق اللغة.

ذلك فضلا عن اجتياحه للساحة العالمية بتواصله الثقافى مع معطياتها برثائه للأديب الروسى العظيم «تولستوى» إذ قال فى قصيدة عصماء مطلعها:

رثاك أمير الشعر فى الشرق وانبرى لمدحك من كتاب مصر كبير

ولست أبالى حين أرثيك بعده إذا قيل عنى قد رثاه صغير

وكذلك رثاؤه أيضا للملكة فيكتوريا وقصيدته عن «جان جاك روسو» وترجمته لرواية «البؤساء» «لفيكتورهيجو». لكن الذى لابد أن يستوقفنا بالفعل فى مسيرة حافظ إبراهيم هو قصيدته التاريخية «مصرتتحدث عن نفسها» تلك التى أبدع خلالها فى وصف وتجسيد شخصية مصر بكل عنفوانها وشموخها وإرادتها وقوتها وثقتها وتحديها وعزتها، وقد اختار «حافظ» أن يكون لسانها الناطق الطليق المفوه الذى انسابت الكلمات من أعماقه مرددا منذ مائة عام:

وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى قواعد المجد وحدى

وبناة الأهرام فى سالف الدهر كفونى الكلام عند التحدى

أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق ودراته فرائد عقدى

أنا إن قدر الإله مماتى لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى

ما رمانى رامٍ وراح سليماً من قديم عناية الله جندى

هذه هى نداءات مصر على لسان حافظ لا تزال ترن فى مسمع الزمان لتتلقفها الأجيال ويظل صوتها مدويا فى افاق الدنيا معربا عن جملة من القيم والمبادئ والفضائل المفقودة فى عالمنا المعاصر.

أما عن المستوى الشعورى والوجدانى فلقد بلغ به الحس الوطنى كل مبلغ ودفعه نحو أن ينشد قائلاً:

كم ذا يكابد عاشق ويلاقى فى حب مصركثيرة العشاق

إنى لأحمل فى هواكِ صبابةً يا مصر قد خرجت عن الأطواق

لكن رغم كل ذلك فقد استحوذت على ذهنيته قضية هى غاية فى الخطورة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، لأن أبسط نتائجها هو طمس الهوية وخلخلة دعائمها خلال ما ساد ويسود عن اللغة العربية من اتهامها بالقصور والغض من إمكاناتها الهائلة وشيوع فكرة عدم مواكبتها لمتطلبات العصر والاستهانة باستخدامها وإعلاء شأن اللغات الأخرى، فنراه يستنطق هذه اللغة لتطرح ذاتها مجددا على أهلها قائلة:

رجعت لنفسى فاتهمت حصاتى وناديت قومى فاحتسبت حياتى

رمونى بعقمٍ فى الشباب وليتنى عقمت فلم أجزع لقول عداتى

وسعت كتاب الله لفظا وغاية وما ضقت عن أى به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر فى أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى

فلا تكلونى للزمان فإننى أخاف عليكم أن تجىء وفاتى

إن حافظ إبراهيم سيظل يذكر له وعنه الكثيروالكثير ولو انطلقت الدراسات الأدبية المعاصرة تجاهه فإنها تتشعب وتتشعب لما له من الخصوبة والشاعرية والتجربة القاسية مع الحياة وأسئلتها الوجودية ومع واقعه بظرفياته العسرة والتى ألجأته يوما لأن يظل ضائقا متبرما ساخرا ساخطا ضجرا فأطلقت لسانه بكلمات مريرة موجعة دامية كان منها:

لم تلدنا حواء إلا لنشقى ليتها عاطل من الأولاد

أسلمتنا إلى صروف الدهرثم لم توصها بحفظ الوداد

وفى موضع آخر قال:

سعيت إلى أن كدت أنتعل الدما وعدت وما أعقبت إلا التندما

سلام على الدنيا سلام مودع رأى فى ظلام القبر أنسا ومغنما

أضرت به الأولى فهام بأختها فإن ساءت الأخرى فويلاه منهما

فهبى رياح الموت نكبا وأطفئى سراج حياتى قبل أن يتحطما

فما عصمتنى من زمانى فضائلى ولكن رأيت الموت للحرأعصما

فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأذى فإنك بعد اليوم لن تتألما

هكذا باتت معاناة حافظ إبراهيم ملحمة إنسانية ضمن ملاحم أعظم الكتاب والأدباء والشعراء الذين صنعتهم الالام لكنهم كانوا هم وحدهم حضور حفلة التاريخ. وبالفعل ها هى منظمة اليونسكو تقوم بإدراج الذكرى المائة والخمسين لميلاد حافظ إبراهيم ضمن القائمة النهائية للأحداث التاريخية والشخصيات البارزة المحتفى بها هذا العام. وبهذا يتجدد شموخ شاعر النيل الذى أخلص وأبدع وحلق فى سماء الشعر ليتحفنا بدرر ثمينة مسجلاً لذاته وأمته أمجادًا تطاول الزمن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق