رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صنايعية مصر .. ورحلة اكتشاف تاريخ منسى

د. مروة الصيفى

فى عام 2016 طرح الكاتب عمر طاهر الجزء الأول من كتابه «صنايعية مصر»، ليحقق نسب مقروئية ومبيعات مرتفعة حتى اليوم. الكتاب الذى يمزج بين التاريخ الاجتماعى والنوستالوجيا يوثِّق ويبحث فى سير أبطال لهم بصمتهم وتأثيرهم البارز على مسارات حياة المصريين اليومية كما ساهموا فى رسم ملامح هذا البلد، لكنهم للأسف ظلوا مهمشين لعقود دون أن يحصلوا على نصيبهم من الضوء والاحتفاء. فى الجزء الأول كانت هناك حكايات شيقة عن أكثر من 30 شخصية أثرت فى حياة المصريين. وأخيرا صدر عن دار الكرمة جزء جديد «صنايعية مصر: الكتاب الثانى» يستكمل فيه عمر طاهر، بشهادات حية وصور نادرة، محاولة كتابة تاريخ نوعى ينسب الفضل إلى أصحابه، موجها الدعوة لتأمل سيرة أشخاص تتلخص معجزتهم فى أنهم «أخلصوا» .

يقول طاهر «إن البحث عن الأشخاص والمعلومات مُهلك»، لكنه بعد رحلات البحث الطويلة فى أغوار أحداث واقعية قدم كتابا صانعا للأرشيف أكثر من كونه مستخدما له. يبدو الكتاب أقرب إلى ألبوم تاريخى، فقد حرص المؤلف على إرفاق صور فوتوغرافية لأبطاله، ومواد أرشيفية وإعلانات قديمة بنهاية كل فصل، منها ما أمدته به أسر وعائلات هؤلاء الصناع المجهولين.
من بين هؤلاء العمالقة محمود سعد الدين الطاهرى، رجل صناعة التكييف ومبردات الكولدير الناجح، الذى ذاع صيته بين دول العالم،  بدأ حياته ببناء أول مصنع تبريد فى مصر والذى اشتهر باسم كولدير، وبدأ بتصنيع الثلاجات ثم بدأ فى إنتاج المراوح، إلى أن أسند إليه تكييف قاعة سينما، وبفضله أصبحت سينما مترو أول سينما فى مصر تضع على أبوابها وإعلانها لافتة «مكيفة الهواء»، ومن هذا النشاط شق الطاهرى طريقه لصناعة التكييف المنزلى أيضا.
لكن مع قرار التأميم تغير كل شيء وكان قد استمر فى عمله بالمصنع ليحافظ على الصناعة وليدعم فكرة الصناعة الوطنية، لكن البيروقراطية كعرض جانبى للتأميم جعلت سفره إلى الخارج قرارا لا بديل له، فعاش فى أمريكا كموظف فى مصنع تكييفات إلى أن توفى متأثرا بسرطان الرئة، وعاد جثمانه إلى مصر عام 1973.
يخبرنا الكتاب أن مصر بلد يخبئ من قصة حياتها أضعاف ما أفصح عنه، ومن بين مايخبئه قصة الأخوين على ورمضان شرش (القاهرة 1905) واللذين قررا تحويل تجارة أبيهما فى مستلزمات الأحذية إلى تجارة، فى البداية لم يكن الأمر سهلا لعدم وجود مرجعية أو عمالة مدربة على تلك الصناعة، لكن رمضان عمل على ابتكار ماكينة قام عليها مصنعهما فيما بعد وهى ماكينة الطباعة على علبة الورنيش، كما استحدث الشقيقان خط إنتاج لعلب الورنيش الصفيح، واستخدما خامات مصرية خالصة، وبتثبيت أقدام الصناعة الجديدة لعلب الورنيش اختارا اسم «الكرة» الذى استحوذ على تلميع أحذية أجيال كاملة، وبوصول الشقيقين لسن الستين قررا ترك العمل وتسليم المهمة كاملة للجيل التالى.
 وفى مواجهة بين صناعة المناديل الورقية ومناديل القماش التى كانت قطعة اكسسوار حاضرة بقوة وجديرة بالاحترام، تبرز فى سحر ألوان مناديل أم كلثوم، وفى منديل جيب جواكيت عبد الناصر، جعل طاهر هذه المواجهة مدخلا للحديث عن الخواجة بانوس زيريتس المهندس اليونانى الذى بدأ حياته بالعمل فى أحد مصانع الورق اليونانية، ثم أشرف على خط إنتاج المناديل الورقية فى الشركة التى أصبح مديرا لها بعد ذلك، وقد زار مصر فى مهمة عمل فوقع فى غرامها ومن هنا بدأ فى إنشاء شركة فلورا كشركة مساهمة مصرية، ومع منتصف الثمانينيات انتشرت المناديل الورقية بين المصريين، وطور زيريتس مشروعه بإنتاج مناديل الجيب والمناديل المعطرة، وظل مخلصا لمشروعه فى مصر وأصبح موجودا بها معظم الوقت رغم امتلاكه لمصانع مشابهة فى أماكن أخرى إلى أن توفى عام 2017.
وعلى غرار صنايعية المنتجات فهناك أيضا صنايعية المدن والطرق والميادين، ومن بينهم يروى عمر طاهر عن صنايعى شخصية العاصمة، المهندس أحمد محرم، الذى شكلت مشروعاته جزءا كبيرا من ملامحها، ومنها: مترو الأنفاق، الطريق الدائرى حول القاهرة الكبرى، محور 26 يوليو، كوبرى 15مايو، جراج الأوبرا، جراج العتبة، مجمع محاكم شبرا، مطار القاهرة الدولى، وغيرها الكثير والكثير.
ويحكى فى كتابه أيضا عن سيدات صناعة الانتصارات والتعليم والأعمال الفنية، ومنهن أمينة الصاوى، ابنة دمياط التى يؤرخ الكبار للدراما التليفزيونية الدينية بظهورها، فهى كاتبة لأعمال درامية انتظرها الوطن العربى يوميا فى رمضان: على هامش السيرة، ولا إله إلا الله، والأزهر الشريف منارة الإسلام. ومن الصانعات الماهرات أيضا لفتيّة السبع، الطبيبة التى تقدمت للعمل بالتليفزيون رغبة منها بمحو الأمية الصحية للشعب المصرى والقضاء على الاستهتار الطبى والخرافات، وتأسست على يديها الحملات المنتظمة والطارئة مثل التطعيمات وتنظيم الأسرة وشلل الأطفال والحصبة والجفاف والبلهارسيا، وتخطى أثر مجهودها الحدود إلى منظمة اليونسيف العالمية التى منحتها جائزتها فى بداية التسعينيات.
يقول عمر طاهر فى نهاية الكتاب «كان مرهقا أن تحافظ على انطباع واحد بطول 400 صفحة تتنقل بينها ليل نهار لمراجعتها، لكن عندما تراص الصنايعية إلى جوار بعضهم فى رقعة ضيقة حضرت رهبة ما»، وهو ما سيستشعره القارئ أيضا بعد قراءته لسير كل هؤلاء العظماء المنسيين رغم تأثيرهم الكبير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق