رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حليب يكفى لليلة واحدة

عزة سلطان

«1»

تقول الأخبار إنه اليوم الأخير للأرض، لكن لا تشغلنى هذه الأخبار، كل ما يشغلنى أن البيت لا يوجد به حليب سوى لهذه الليلة، لقد طلبتُ منه أن يشترى حليبًا لابنتنا، لكنه مثل كل مرة أطلب منه شراء شىء، فيعود دونه ويعتذر بمبررات لا تُقنعنى، هو دومًا يرى الأمور من وجهة نظره، يريد أن يُحضر ما يراه مناسبًا، وليس ما أطلبه منه، تقريبًا تلك هى مشكلتنا أن أولوياته تختلف عما أراه وأُريده، لقد تغير بعد الزواج، لماذا يُهملنا؟

لابد أنه مشغول بأُخرى، قبل الزواج كان يقضى معى وقتًا طويلًا متصلًا أو مصاحبًا لى فى نزهات وزيارات متكررة لدور العرض، كثير من التفاصيل كنا نتشاركها بالإضافة إلى عمله، الآن لا وقت لأى شىء، عندما دخلت البيت ذابت تفاصيل كثيرة بيننا ولم يبق سوى العمل وسؤال عن كيف يقضى وقته وأنا لست أكثر من ظلٍ فى خلفية يومه.

منذ أيام حين طلبت منه أن يُعانقنى سخر منى وقال ما هذه الرومانسية السخيفة، اختصر الرومانسية فى عناق وأيضًا وصفها بالسخيفة!

التقارير الإخبارية مرعبة ولا أعرف لمصلحة من يتم بث كل هذا الرعب، رغم أننى أذهب نحو المحطات الأجنبية طلبًا للمصداقية، لكنها جميعًا متشابهة، فى حين أن هناك بلادا تتجاهل الأحداث الكبرى، لكن الآن مئات الأخبار والتحليلات عن نهاية الكون، زوال الأرض، لا حياة بعد ذلك، البعض أدان الحكومات أنها لم تستثمر فى إيجاد كوكب بديل، والمعارضة فى كل دولة تُعلق خيبات الحياة على الأنظمة، لكن الأخبار لا تتوقف، أبحث عن فيلم كوميدى، أو مسلسل أى شىء يشوش صوت الأخبار فى أُذنى.

الآن مشغولة فقط بابنتى.. نعم أنا مشغولة بأمور أخرى إذا صدقت الأخبار أين سنختبئ؟ ربما كان علينا أن نحفر قبرًا.. لا.. نحتاج سردابا بما له من رمزية للهروب نحو الأمل، فى لحظة كهذه نتعلق بالرمز والأمل. لكننا الآن نتجاهل الأمل والحياة ونحن نصدق أن نيزكًا سيصطدم بالأرض، فتهب نيران الرعب تأكلنا، أيام جائحة الكوفيد لم يدم الخوف فترة طويلة، ورغم أنى كنت صغيرة فإننى كلما خرجت إلى الشارع وجدت صخبًا وضوضاء والناس تتحرك بحرية، يتساقط الموتى فى هدوء، نتبادل التعازى عن بعد.

ها هو الآن يمر من أمامى يرتدى بنطلونا قصيرا، وتى شيرت، يضع عطرًا لم أشمه من قبل، ولمعة شعره تصطدم بعينى، محافظًا على وزنه دومًا، يقول إن أكتافه نحيفة وإذا زاد وزنه سيقترب شكله من الثلاجة، يمشى كل يوم ويلعب الكرة مع أصدقائه كل أسبوع، ويتركنى للصمت، طولى المقارب لطوله لم يكن عونًا فى علاقة حميمة مميزة، ربما لزيادة وزنى بعد الولادة؟ وربما لأننى لا أمتلك وقتًا خالصًا دون بكاء الصغيرة حتى لنصف ساعة، وكأنها ترانى حين أقترب من أبيها فتصرخ.

يقطع الطريق بين الحمام والشرفة، ويُدخن بشراهة رغم أننى تحدثت معه سابقًا ألا يُدخن فى البيت من أجل ابنتنا، ماذا لو كذبت الأخبار ونفدت سجائره، لن يجد سجائر بسهولة، سوف تشتعل الأسواق والأسعار.

سجائره أوشكت على النفاد، أولوياته مختلفة لا أفهمها، ولا أفهم لماذا تغير بعد الزواج.

«2»

هادئة بشكل مستفز كأن الأخبار بنهاية العالم لا تشغلها، والأرض لن تنفجر بعد قليل، فالحياة مستمرة لديها، تصرخ فيّ لأنى لم أُحضر حليبًا وخبزًا، لماذا أشترى وأقف فى طوابير الواهمين والمشفوعين بالأمل، وكأن كل الدراسات والتقارير والأخبار التى تؤكد أن النيزك سيدمر الأرض مجرد ملء لساعات البث.

الطوابير أمام المحال والأرفف الخاوية تشى بالذعر الذى يشعر به الناس، ما جدوى تخزين البضائع إذا كان العالم سينتهى، وما جدوى أن أقوم بدفع أسعار مضاعفة إذا استمر العالم وخلال بضعة أيام سيعود كل شىء لطبيعته، لن أسمح لهم باستغلالى ولن أدفع أسعارًا مضاعفة فى شىء، حتى لو كان حليبا لابنتى، ذات العامين، فهذا العمر يمكن أن يأكل من الأطعمة العادية، وهى فتاة لطيفة تقبل كل ما نعطيها له، لا تتذمر مثل آخرين، لقد أخذت منى الرضا، آمل ألا تأخذ من أمها البرود واللامبالاة.

ماذا ستفعل بالخبز والعالم سينتهى، بت لا أتحملها، صارت تهتم بتفاصيل لا أعرف متى نبتت فى عقلها، لقد أدخلت إلى عقلى التردد ماذا إن كانت مُحقة، ولن يحدث شىء فى العالم؟

منذ بدأت التقارير على المحطات ومواقع الأخبار ومنصات التواصل بدأت زوجتى فى حفظ مئات الصور ولقطات الفيديو على ذاكرة خارجية وباتت تُسجل العديد من الرسائل لابنتنا وتحكى لها عن العالم وعنا، تقول زوجتى إنها تصنع تاريخًا لابنتنا، وكم هى حمقاء، فإذا كنا سنموت هل ستبقى ابنتنا على قيد الحياة؟

عندما أُفكر بشكل عملى أجد أفعالها هُراء، لكن قراءة واحدة لتاريخ المصريين القدماء، حياتهم خلودهم، اخترعوا التحنيط، وبنوا مقابر دّونوا بها تاريخهم، الموت هو بوابة الخلود لديهم، فهل رسائلها لابنتنا سيكون لها نفس الأثر؟

بشكل نظرى المصريون القدماء خالدون، أو تم تخليدهم، نعرف عنهم كل شىء، أسماءهم ملابسهم طقوسهم حتى تلك الأوانى التى يستخدمونها، كل شىء نعرفه عنهم حتى وإن كان ما بقى منهم مومياوات، لكن وضعنا مختلف لم تُخسف الأرض بهم، ولم تهتز الأرض تلك الهزات التى تأتى على الجميع.

حائر بين هواجسى، أنظر لها فأرى أمل الحياة والاستمرار، الطموح الذى يدفعنا نحو المنافسة.

ربما معها حق فهى تحمل لتسعة أشهر دون أن تعلم شيئا عن القادم، هل سيكون بارا بها؟ شقيا؟ مزعجا؟ جميلا؟ على أى شكل سيكون؟ لا تعرف عنه/ها شىء، لكنها تتحمل الألم من أجل المجهول.

قالت عانقنى، كنت مرتبكًا يدى ترتجف، أوارى الخوف غصبًا، فينازعنى ويهرب ليبدو على كل ما فى، ترى أننى غير رومانسى، وكيف أصير وأنا خائف، لكن الخوف، لو عرفت أنى خائف ونجت الأرض من مصيرها فلن أنجو أنا من معايرتها لى بخوفى، سيُصبح جملة تذكير تتردد طيلة الوقت.

أنا شديد الارتباك أتأرجح بين احتمالية صحة وجهة نظرها وبين سوداوية المشهد، لا شىء سيعنينى إن انتهى العالم غدًا، لكن سؤالًا عالقا أمامى إن استمرت الحياة، كيف سأُفلت من لومها لى.

لو مرّ النيزك ولم يصطدم بالأرض، بماذا سأُبرر لها عدم شرائى الحليب والخبز؟ كيف سأرد عليها وهى تتهمنى بالإهمال، والكسل، عندما مررت على المحال فوجدت الطوابير، لم تكن تلك تُعبر عن شىء سوى الأمل لدى الناس، وفقد ثقتهم فى الحكومات، لا أحد يُصدق الأنباء، ولا أحد يرغب فى الموت حالًا.

أكدت جهات بحثية فى مجالات الفضاء مشهود لها بالنزاهة على حتمية الصدام، وسرعته التى ستُنهى أشكال الحياة المعروفة على الأرض، ورغم كل ذلك خوت الأرفف، وتعارك الناس لتخزين الغذاء، أحدهم قتل آخر ولم يتحرك أحد لإنقاذه، على الجانب الآخر من الطريق كان رجل مجذوب يجلس فى هدوء وكل بضع دقائق يقف يتحرك نحو الطوابير يضحك بصوت عال، ويأخذ أى علبة من أى شخص ويسكبها على الأرض، يضحك ويقول لهم يا مجانين، ثم يعود ليجلس مكانه، فعلها مرتين قبل أن أُقرر أن أعود إلى البيت، والقتيل على الأرض كمشهد تمثيلى ولا أحد يهتم.

لم أُخبرها أن شقتنا فى الطابق الأرضى التى لم تُعجبها ورفضت سكنها، فتركناها واستأجرنا شقتنا الحالية، تلك الشقة جاءتنى عروض شراء عديدة لها بعضها بأسعار مبالغة، وقبلت بالفعل، ووضعت المال فى حسابنا، إن نجونا ستكون لدينا ثروة، وإن لم يحدث فلا يهم.

لو أن الأرض سيتم تدميرها، ما الفارق بين الطوابق العليا والأرضية، وهل ظن الناس أنهم سيحفرون أنفاقًا تؤويهم من الدمار؟

عقلى يرفض تصديق ما يدور حولى، اختراع الكوارث والمؤامرات أمر اعتدنا عليه من الأنظمة، صناعة الأعداء طريقة نمطية حتى تُسيطر الأنظمة على مواطنيها، وجعلهم أسرى الخوف والاحتياج.

الخوف يقتل كل شىء، الطموح والرغبة والمتعة وأنا خائف لكنه ينبغى ألا أقول، سأظل صلبًا واقفًا حتى وأنا أموت.

ما هذا العبث ما فائدة أن اموت واقفًا أو نائمًا أو فى حادث سير، كله موت، السيرة والصورة بعد الموت أمور لا تهم سوى الراغبين فى الخلود، وأنا آمل أن أحيا فى الظل، من كان يُحبنى أو يكرهنى، ماذا جرى لما جمعته من مال، أو حتى ما تركته من ديون، حين نموت تنقطع صلتنا بالحياة، ولذلك لست منشغلا بالأوهام الكبرى للبشر.

السجائر توشك على النفاد، وهى تتحرك بعصبية مفرطة.

هل أذهب لشراء الحليب؟ أم أُعانقها؟ عقلى غير قادر على اتخاذ قرار.

رائعة هى فى صناعة الأزمات واختلاق المشاكل، تُشعرنى بالتوتر حيال صوتها العالى وحركتها المفرطة، لا تجلس لأكثر من عشر دقائق، هى مثل الأنظمة، كلاهما متشابهان.

«3»

ما أفظع هذا الرجل، يعرف أن الطعام لدينا على وشك النفاد، لو أنه غير مهتم بابنته ألا يهتم بنفسه؟ ما كل هذا الهدوء الذى ينعم به، ينظر لهاتفه، أصبعه يتحرك صعودًا وهبوطًا، وألتقط منه ابتسامات، ربما يتحدث مع امرأة أخرى يدعمها فى خوفها، ويطمئنها.

وربما هو خائف مثلى لكنه لا يُجيد التعبير، هل علىّ أن آخذ المبادرة أذهب للجلوس إلى جواره، معانقته، وماذا إن رفض، سوف أشعر بالضيق ولن أُسامحه، إن كذبت الأنباء ومضى الغد دون شىء لن أغفر له رفضه لى، أما إن انتهى كل شىء فسوف أعود له فى الآخرة وأُلقى عليه غضبى.

الصمت أرض خصبة للهواجس، لو ظللنا هكذا سنموت رعبًا، وليس من اصطدام النيزك بكوكبنا، سأقول له أُحبك.

أحتاج لبعض الشجاعة لأذهب وأندس بين ذراعيه، أحتمى به من الخوف والصمت والهواجس.

«4»

تقترب منه، تنظر إليه بابتسامة، يُبادلها ابتسامتها، يتعانقان، يبكى

حبيبى لا تخف نحن معًا

هذا يكفينى

ما رأيك أن نذهب للاختباء فى شقتنا شقة الطابق الأرضى المغلقة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق