رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة جديدة للذكرى.. فى عصر «الميتافيرس»!

كُلما حلت ذكرى «الإسراء والمعراج» استدعى العقل الجمعى للأمة الإسلامية اصطفاف الأنبياء خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتشابك أيادى المهاجرين والأنصار حوله؛ ليدركوا أن قوتهم فى وحدتهم، وأن كلمة التوحيد التى جمعت الأنبياء خلفه يجب أن تُقرن بوحدة الكلمة، إذ أصبحنا فى أمس الحاجة لهذه المعانى فى عصر «الميتافيرس» أو «العالم الماورائى الافتراضى الرقمى لوسائل التواصل الاجتماعى».

هذا ما تتبناه دراسة حديثة للشيخ أحمد ربيع الأزهرى -من علماء الأزهر والأوقاف بعنوان «قراءة جديدة لذكرى الإسراء والمعراج فى عصر الميتافيرس» - شدد فيها على ضرورة أن نستقى من هذا الحدث العظيم قيمٍا ومبادئ ورؤى تنير عقولنا وتقوى أجسادنا حتى لا نتحول إلى أشباح إلكترونية يأكلها الخمول والكسل.

وقال إن معطيات هذا العصر فى جانبها العلمى تثبت حدوث هذه الرحلة، وترد على منكريها، فالإنسان يستطيع أن ينقلك بطائرته من مكة إلى القدس، ثم يعود بك فى ساعات عدة، كما أن التطبيقات الحديثة تجعلك تتجول فى أروقة المسجد الأقصى، فتشاهد كل جنباته، وأنت فى مكانك، أى أن هذا العصر، فى جوانبه العلمية، يثبت صدق الرسالة المحمدية، وما جاء به القرآن من إعجاز شامل.

وتؤكد الدراسة أن هذا العصر -الذى تُسحق فيه الهُويات- يقتضى منا الاعتزاز بمعتقدنا مهما تكن التحديات، وأن نثبت كثبات «ماشطة بنت فرعون»، التى رآها النبى فى مشاهد الإسراء والمعراج، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضى الله عنهما، قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِى أُسْرِيَ بِى فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟

قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟

قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ رَبِّى وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ! قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟

قَالَتْ: نَعَمْ؛ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِى إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟

قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِى وَعِظَامَ وَلَدِى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبىّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ؛ اقْتَحِمِى فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ».

ويضيف الباحث: يتوجب علينا أيضا، ونحن نحتفى بالإسراء والمعراج، أن نأخذ من شرب النبى صلى الله عليه وسلم اللبن، وتركه العسل والخمر, الاستمساك بالفطرة السليمة، والعودة بالإنسانية لفطرتها النقية، ففى الصحيحين عن أَبُى هُرَيْرَةَ، رضى الله عنه، قال: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قَالَ جِبْرِيلُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أمَّتُكَ»، فاللبن هو الفطرة لأنه أول ما ينزل جوف المرء بعد مولده، ولأنه رمز الطهارة والنقاء، وهذا ما تحتاج إليه البشرية فى هذا العصر الذى يدفع بعيدا عن الفطرة.

ويواصل الأزهري: كان من رسائل الذكرى أيضا ألا نخوض فى أعراض الناس، وأن نتقى الله فى كل كلام، فعن أنس، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لما عُرِجَ بى مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون فى أعراضهم».

ويتابع: كذلك هناك خلق «الحياء»..

يقول الصالحي: فقال: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك».

قال له: «قد راجعت ربى حتى استحييت منه، ولكن أرضى وأسلم»، فكلمة «استحييت» هى السياج القيمى لأمتنا، لأن الحياء الصفة المركزية للقيم والأخلاق، وخير دليل على ذلك أن رسول الله قال: «الحياء شعبة من الإيمان»، فخصه بالذكر لمركزيته التى ترد كل القيم إليها، وهذا ما نحتاج إليه بعد أن خلعت البشرية ثوب الحياء.

وتوضح الدراسة أنه إذا كان عصر «الميتافيرس» يصنع فرصا حقيقية للتبادل المعرفى من خلال المنصات الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعى، إلا أنه أصبح مرتعًا لنشر الخبث والكراهية والفتن، لذلك كان الإسراء والمعراج رسالة تحذير لمن ينجر إلى هذا المستنقع. فقد رأى النبى، صلى الله عليه وسلم، أقوامًا تُقرَضُ شفاههم بمقاريض من نار، فقال له جبريل - عليه السلام: «هؤلاء خُطباءُ مِن أهلِ الدُّنيا، كانوا يَأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ، ويَنسَوْنَ أنفُسَهم، وهُم يَتلونَ الكِتابَ، أفلا يَعقِلون؟».

ويقول الباحث: «كما أن من أهم الرسائل الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ونلمح ذلك فى ربط البراق فى حلقة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضى الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِى يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ”.

أخيرا تحذر الدراسة من هذا العصر الذى يتسم بالمادية، والإقبال على الدنيا. يقول الأزهرى: «هذا ما نأخذه من نفور الرسول فى الرحلة من الدنيا. فقد جاء: وبينا هو يسير، إذا بامرأة حاسرة عن ذراعها، وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى. فقالت: يا محمد انظرنى أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: ما هذه يا جبريل؟

قال: «تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة»، فتصوير الدنيا بامرأة عجوز فيه دلالة على أنه لم يتبق من عمرها الكثير، وبالتالى حماية الشباب من هذا الطوفان اللا قيمى الذى يهاجمه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق