رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الرياح التى حملتنى الية

صفية فرجانى




 

الرياح هى أحد الأشياء الغامضة نوعا ما، فنحن لا نستطيع أن نراها ولكن يمكننا أن نشعر بها.

وقفت فى الخارج.. بعد أذان الإفطار فى رمضان بعدما أفطرت على بضع من حبات التمر، أتأمل الرياح التى تعبر الباب الخارجى لمستشفى هيئة قناة السويس فى أول طريق نمرة ستة. تمر دون أن يلاحظها أحد، بل وتعبر الدهليز الداخلى وتخيلتها وهى تسير متجهة نحو سريره الذى وضع فى غرفة داخلية لا يدخلها أحد سوى طبيبه المعالج وبعض الممرضات. وأنا أقف وحدى لا أستطع أن أقترب من الباب الرئيسى للمستشفى. ارتدى كمامة على فمى وأنفى تسبقنى روحى فى الدخول إليه، مصلوبة أنام وحدى على باب المستشفى الخارجى والجميع يولجون الباب دونى، وأنا ارتجف من الخوف والتعب وتسبقنى عيونى فى الدخول إليه. ترى هل هو مستيقظ الآن أم نائم، كان كثيرا ما يقول لى أنه يرانى على البعد. هل يرانى الآن وأنا فى وسط الطريق يصعب على الوصول إليه. أعلم أنه يتمنى أن يرانى الآن.

كان أخبرنى فى آخر اتصال تليفونى معه أنه فى طريقه لمستشفى الهيئة، أخبره الطبيب عن هبوط نسبة الأكسجين فى دمه، وأضحى وجوده داخل المستشفى أمرا حتميا، هذه آخر كلماته لى بعد أن وضع جهاز التنفس الصناعى على فمه وحرمت من سماع صوته بوضوح بينما ارتفعت صوت كحته الشديدة التى كانت تمزق صدره.

فى اليوم الأول: قال لى إن لديه صداعا وأعراض برد بسيطة لا يقوى على مغادرة سريره ويعتذر عن مقابلتى.

وعندما جاءه اليوم الثانى لم يستطع مواصلة الصيام وقال لى إنه اضطر إلى الإفطار لأخذ الدواء، كان مازال يجهل ما يعانيه وقلبى كان يخشى أن يكون الوباء المنتشر.

فى اليوم الثالث فجرا كتب رسالة بكلمات نقصت بعض حروفها أخبرنى فيها أنه مريض كورونا وطلب منى الدعاء له كعادته فى إنهاء رسائله إلى.

الباب الخارجى للمستشفى فوهة قد تؤدى بى إلى الجنة وقد تؤدى بى إلى النار وأنا مشدودة بين رغبتين الدخول لرؤيته- رغم الحظر- وهم أيضا يمنعونى، وإما أن انتظره حتى آخرالعمر.

هو فى الداخل مع الوباء الذى اقترب منه أكثر منى وفى غفلة منا كان قبلها بساعات معى، ترى لماذا اختارت كورونا صدره هو دون صدرى هل وجدت فى صدره الحنان الذى وجده كل من اقترب منه، جاءت رسالة منه الآن تحرك الهاتف فى يدى وكأنه-كما كان يقول- يعرف ما أنا فيه، قال رأيتك بعين قلبى.. ياقلبى

أشعر بقربك انتظرينى سأرسل من يحضرك.

ذهلت من الرسالة.. أرسلت من هاتفه.

لا توجد سوى دوى الرياح يحرك أوراق الشجر. والقمر مشنوق فى السماء وحفيف أوراق الشجر تهمس لى تحركى إليه، والحارس يمنع الدخول لمرضى كورونا، وأنا وحيدة والسماء بعيدة والأرض بعيدة وأنا أدور بينهما ليس لى قرار معلقة فى فضاءات بعيدة ليس بها أحد سواى أنا وهو وكورونا.

أحسست بطيفه فى هزيز الرياح السريعة تحمل لى البشرى وهمست بلغة بدت لى واضحة جلية بأنها رأته ووجدتنى أبصر ما كان يغيب عنى.

ثارت الرياح حولى وتركزت فى محيطى وتركتنى على مدخل الباب فدرت معها دورة شبه كاملة اقتربت حتى تحركت ثيابى ثم جذبتنى للداخل ومن شدتها أسرع حارس المستشفى إلى غلق الباب من الغبار الذى اشتد وملأ الجو زوبعة رملية ارتفعت حتى وصلت للسماء فوجدتنى بالداخل.

أشارت لى أن أعبر الطريق المواجه للمبنى الرئيسى وانتظر حتى لا يشعر بنا أحد يمنع دخولنا، ولتهدئة روحى الوجلة عبثت بخصلات شعرى الذى تطايرت معها فى كل اتجاه. فابتسمت لأول مرة منذ أربعة أيام.

وهمست لى بأنه وحيد الآن ليس معه أحد. كان بينى وبين الرياح ثمة لغة وإشارات لا أدرى كيف فهمت طلاسمها بل وتحاورت معها.

وانطلقنا عبر دروب المستشفى الكثيرة، للوصول إلى العنبر الذى يحتجزون فيه مرضى كورونا وحدى أعبر الطرقات وكأنى أعرفها، كانت دليلى الذى أتبعه بل إنها كانت تنتظرنى عند كل منعطف، وعندما نتقابل أشعر بها تحركنى ونبدأ الولوج معا من مدخل إلى آخر حتى وقفنا أمام سريره. كان يضع جهاز التنفس الصناعى. فتسللت هى داخله عبر الأنبوب الداخلى هكذا فهمت من تسارع دقات أنفاسه على جهاز التنفس الصناعى.

ناديت اسمه:

لم يستجب.

كان مغمض العينين، شاحب الوجه شبه نائم ويتنفس ببطء عبر أنبوب شفاف أبيض طويل، فسمعت دوى بقربه وعندها اهتز جسده بل وسريره كله وفتح عيناه فجأة ليرانى أمامه.

نظر.. فنظرت له..

فابتسم.. فابتسمت.

اقتربت.. فدنوت..

حتى التصقت به، فاشتدت فرحته وهم بالضحك ففاجأته كحة شديدة بكت عيونه بعدها وصمت.

فوجدتها تسحبنى بعيدا عنه وكنت اقترب وأسمع صوت قصفها يحركنى فالتزمت مكانى حتى تهدأ وأحس الطبيب بحركتنا، حينها ارتفع عمود من النور يمتد من الأرض للسماء منع أن يرانا أحد.

همست لى الرياح بأن اقبع فى آخر العنبر الواسع وانتظر حلول المساء ربما يمكننى الحديث معه والاستماع إلى دقات قلبه. أما هى سوف تخبره بلغة أصبح كلاهما يفهمها عبر عبورها لمناجاته داخل أنبوب التنفس الصناعى.

وتركتنى الريح الطيبة بعد أن أضفت على بعض من صفاتها واستطعت أن أدخل من الباب الرئيسى لغرفة العناية المركزة وأخرج دون أن يرانى أحد. وجاءنى من يهمس لى لا يكون الحبيب حبيب حتى يقول كلاهما للآخر يا أنا.

فقلت له: يا أنا.

فقالت لى: أنت أصبحت الآن مثله ترين ما يرى وتسمعين ما يسمع ولم يعد فى الكون سواك أنت وهو. أراه.. ويرانى.. اقترب ويقترب..

قربت بيننا كورونا ما كان صعبا بدونها.

وسمعت دويا يهمس لى وحدى بأنى قد قربت لك ما كان بعيد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق