رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السعادة المؤقتة!

يكتبــه ــ أحـمــد البــــــرى

أكتب إليك لأحكى قصتى لأن الكتمان وعدم الحديث سيقضى عليّ حتما، فأنا أعلم ما أعانيه وأعلم أنه من الصعب إيجاد حل، لكن ليس لى أحد لأشكو إليه، فأنا سيدة فى الثامنة والخمسين من عمرى، أم لثلاثة، بنتين وولد، نشأت فى أسرة تحت خط الفقر وعدد أفرادها كبير، كان والدى يتصف بالحنان والطيبة، أصيب فى حادث وهو ذاهب لأمه - التى تسكن بقرية بجانب مدينتنا- بوجبة الغداء فى إحدى المرات، نتج عنه إصابة بعاهة مستديمة جعلته قعيدا، فخرجت أمى للعمل لتوفر لنا مصاريفنا اليومية ومصاريف علاج أبى، وعملت جاهدة حتى لا نترك المدرسة ونحصل على تعليم ولو كان متوسطا بالرغم من أنها لم تكمل تعليمها، وضحت بكل شىء من أجلنا، ضحت بشبابها وصحتها وراحتها وابتسامتها، وعانينا جميعا فى مختلف مراحل التعليم بسبب قلة الأموال، وبذلنا جهودا مُضنية حتى لا نلجأ للدروس الخصوصية، ولم يستطع البعض الصمود وفشل فى إكمال الرحلة، ومرت السنوات حتى أصبح فينا المهندس والمدرس والمحاسب لكنهم بعدما تخرجهم فضلّوا السفر ليعيشوا بأفضل صورة ممكنة بعد ما عانوه فى حياتهم، ولم يرد أى منهم الجميل لأبى أو أمى بعدما أفنوا حياتهما من أجلنا، أما أنا فظللت معهما، وبالرغم من أننى على قدر من الجمال والذكاء فكل عريس كان يتقدم لى كان يذهب دون رجعة بسبب فقرنا وتواضع حالنا، وظل الوضع على ما هو عليه إلى أن تقدم لى أحد جيراننا، كان يحبنى منذ زمن لكنه كان حبا صامتا بداخله ولم يبح به إلا عندما تقدم لخطبتى، فوافقت عليه لأننى وجدت فيه نفس صفات أبى.

 

تزوجنا وأخيرا عرفت معنى السعادة مع رجل طيب وغير بخيل فى المشاعر، ودائما ما كان يغمرنى بحنانه ليعوضنى عما رأيته، ومرت الأيام بحلوها ومرها وأنجبنا ابنتى الكبرى، وكانت الحياة بسيطة جدا فهو يخرج للعمل وأنا أرعى الطفلة، قبل أن أنجب الابن الوحيد والابنة الثانية، ولم يتغير الوضع فكان الوضع على ما يرام إلى أن انقلبت الحياة رأسا على عقب، وكأنه مكتوب لى ألا أعيش فى سعادة، فأصيب زوجى بذبحة صدرية وجلطات بالقلب وأجرى عملية القلب المفتوح، ومنذ ذلك اليوم أصبحت مثل أمى، خرجت للعمل وتحملت مسئولية زوجى والبيت وتربية الأولاد، وأكرمنا الله، وتخرجت ابنتى الكبرى وابنى، وما زالت ابنتى الصغرى فى مرحلة التعليم، وتزوجت ابنتى بجهاز بسيط من أحد الأقارب توسمنا فيه الخير والطيبة وارتضينا به وارتضى بنا وأتم الله الزيجة على خير، المشكلة فى ابنى الذى وصل إلى الثامنة والعشرين من عمره ولم يجد أى عمل حتى الآن، وكنت آمل من إخوتى أن يرسل أحدهم عقد عمل له، حيث يعلمون حاله ويعلمون ما يعانيه، لكن هيهات فلقد تجاهلوا الأمر تماما، فأنا لم أطلب منهم أى أموال قط، وإنما طلبت وظيفة يستطيع من خلالها تكوين نفسه وتحقيق ذاته، ففى خلال السنوات الماضية تقدم لخطبة أكثر من فتاة لكننا قوبلنا بالرفض، حيث يصر والد كل فتاة على أن يكون لدى ابنى شقة تمليك كشرط أساسى لإكمال الخطبة، وأين لى بالأموال لأجلب له تلك الشقة؟ فراتبى ومعاش زوجى بالكاد يكفى إيجار شقتنا ومصاريف العلاج والطعام والشراب، دخل ابنى فى مرحلة اكتئاب وعزلة عن المجتمع وأصبح فاقدا للشغف لفعل أى شيء، وصرت أخاف عليه لأننى أعلم أن نهاية الأمر سوف تكون محزنة، فماذا أفعل؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

دوام الحال من المحال، إن «السعادة المؤقتة» متوقعة مثلها مثل الحزن المؤقت، فكل شيء يتبدل ولا شيء يبقى على حاله، وكما قال الشاعر ابن عبدربه:

ألا إنَّما الدُّنيا نَضَارة أَيْكة.. إذا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانبُ

هِيَ الدَّارُ مَا الآمَالُ إلاَّ فَجائِعٌ عَليْها.. وَلا اللَّذَّاتُ إلاَّ مَصَائِبُ

فكمْ سخنتْ بالأمسِ عينٌ قريرَة.. وَقَرَّتْ عُيُوناً دَمعُهَا

الْيوْمَ سَاكِبُ فلا تكتحلْ عيناكَ فيها بعبرة.. على ذَاهبٍ مِنْهَا فَإِنَّكَ ذاهِبُ.

فهذا هو الحال دائما، وقال المولى سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز «لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ فى كَبَدٍ»، فلا طعم للراحة فى الدنيا وهى دار شقاء ولا نمتلك سوى السعى «وَأَن لَيسَ لِلإِنسانِ إِلّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرى»، سوف نرى فى الدنيا أو الآخرة أو الاثنين معا، هذا وعد من الله، فما قمت به من أجل زوجك وأولادك لن يذهب هباء منثورا، وأستحضر قول الدكتور مصطفى محمود أيضا «المؤمن دائمًا مطمئن القلب ساكن النفس يرى بنور بصيرته أن الدنيا دار امتحان وبلاء وأنها ممر لا مقر، وأنها ضيافة مؤقتة شرها زائل وخيرها زائل وأن الصابر فيها هو الكاسب والشاكر هو الغالب».

أما عن ابنك، فإن دماثة الخلق وحدها لا تكفى للزواج، فمن حق كل أب أن يطمئن على ابنته ويضمن لها أساسيات الحياة الكريمة، فهناك معايير تلعب دورا أساسيا فى مسألة الزواج وهى تختلف من بيئة إلى أخرى، فعلى كل شخص يريد الزواج اختيار الطرف الآخر من نفس الطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها حتى لا يقابل بالرفض، وهذا ما حدث معك بالفعل، عندما تقدم لك أكثر من عريس وذهب دون عودة إلى أن تزوجت فى النهاية شخصا من نفس طبقتك وظروفك، فليس الجميع يطلب شقة تمليك، فهناك من يطلب أن يكون المتقدم موظفا على الأقل ويستطيع أن يفتح بيتا، وهذا منطقى وطبيعى، فالله عز وجل وضع القوامة للرجل، ومن ضمن شروطها أن ينفق الرجل على زوجته وأهل بيته وذلك لقوله تعالى فى سورة النساء «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»، فماذا كنت تنتظرين منهم وابنك لا يمتلك وظيفة أو سكنا؟

الأهم الآن هو أن يجد ابنك نفسه مرة أخرى وأن يؤجل التفكير فى الزواج حتى يتخطى هذه المرحلة، ويمكن أن تستعينوا بأحد الأطباء النفسيين فى مستشفى حكومى لتشخيص حالته وتحديد المرحلة التى وصل إليها من الاكتئاب ثم وضع خطة علاجية له، فالاكتئاب مرض عضوى ونفسى وليس نفسيا فقط كما هو شائع، كما أن عليه البحث عن عمل دون انتظار مساعدة من إخوتك، فمن جحد حق أبيه وأمه لن ينظر إلى ابن أخته، وإنك لم تذكرى مؤهلاته لكنه يجب ألا يتمسك بالعمل بشهادته أو مجاله ما دام تأخر الزواج يسبب له عبئا نفسيا، فالأهم أن يعمل ويكسب قوت يومه دون الاعتماد عليك أو على معاش أبيه، ففكرة الاستقلال المادى حتى ولو بشكل بسيط تبعث السرور والراحة على صاحبها خاصة فى سنه، أسأل الله أن يوفقه لما يحبه ويرضاه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق